قضايا المجتمع

من إيران إلى أفغانستان ولادة السلفية الجهادية

أخذ خطاب السلفية الجديدة، يتمنهج فقهيًا، من خلال الشيخ الدمشقي، ناصر الدين الألباني، في حين بدأ دعاة السلفية الجديدة، بالخروج من النطاق المسموح به، والمبارك، في مهاجمة تصدير الثورة، وهو الثابت في المنهج السلفي، بالتحول إلى خطاب يدعو إلى الجهاد، ومحاولة أسلمة العالم، حتى ولو بالقوة، ضد كل من يقف في طريق الدعوة إلى الله سلفيًا.

 

أصبح خطاب السلفية الجديدة، يركز في ندواته، وخطبه، ومحاضراته، على خطر إسرائيل في المنطقة، ويدعو لمجاهدتها، كما ركز على محاولات التنصير المسيحية، في مناطق متعددة من العالم، مستغلًا كتابات المفكرين الأميركان، التي تتحدث عن مواجهة محتومة مع الشرق المسلم. وأغلبنا يتذكر كتاب، وندوة، الشيخ سفر الحوالي الشهيرة، (القدس بين الوعد المفترى والوعد الحق)، التي كان لها تأثير كبير على شباب الصحوة الإسلامية، وكذلك كتابه ومحاضرته المشهورة (كشف الغمة عن علماء الأمة)، التي تحدث فيها عن الأهداف الأميركية في الخليج، ودور “هنري كيسنجر” في التنظير للصراع في المنطقة، وواجب العلماء في تحذير الأمة من ذلك الخطر.

 

هنا أخذت ثقافة الجهاد تتأطر، وتتأصل عند شباب الصحوة الإسلامية عمومًا، وأتباع السلفية الجديدة خصوصًا، المتحمسين لفكرة الجهاد القتالي، التي بشّر بها هؤلاء الدعاة الجدد، ولا بد من تنفيس لها، حتى لا تخرج عن السيطرة.

 

ولكنْ ذهاب هؤلاء الشباب المتحمسون، للجهاد في فلسطين غير ممكن، ولا مسموح به، ويجب تبرير ذلك بفتاوى تؤكد أنه لا يمكن التعاون، والتعامل مع الأنظمة العربية المجاورة لفلسطين؛ لكونها علمانية، ومعادية للدعوة إلى الله؛ فلا بد من تأجيل المعركة الفلسطينية حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وهذا ما قالوه -علنًا- في تلك الندوات، وبدؤوا البحث عن سبيل آخر، يسهم في عملية التنفيس والاحتقان الجهادي؛ فوجدوا ضالتهم في مكان مناسب جدًا لذلك، إنه أفغانستان؛ حيث بدأت حملة قام بها دعاة السلفية الجدد، تحث هؤلاء الشباب على نصرة دينهم، في مكان أكثر إسلامية من الحالة الفلسطينية، التي تدير المعركة فيها منظمة التحرير “العلمانية”. وأفغانستان خير مكان يذهب إليه هؤلاء؛ فهي بلد إسلامي محتل من قبل الشيوعية العالمية “الملحدة” من جانب، والمجاهدون الأفغان إسلاميون، ولا توجد علمانية ولا علمانيون هناك.

 

في سنة 1984، ذهب أسامة بن لادن إلى أفغانستان؛ ليؤسس، بالاتفاق مع الحكومة السعودية ورضاها، منظّمة دعويّة أسماها “مركز الخدمات”، وقاعدة للتدريب على فنون الحرب، والعمليات المسلحة باسم “معسكر الفاروق”؛ لدعم وتمويل الجهاد القتالي للمجاهدين العرب، والأجانب لاحقًا، والتي تحولت بعد خلافه مع الحكومة السعودية؛ لتصبح تنظيم القاعدة، يقود ابن لادن من خلالها الصراع مع العالم عمومًا، والأنظمة العربية خصوصًا.

 

سبق ابن لادن إلى أفغانستان مؤسس الفكر الجهادي المعاصر، الشيخ عبد الله عزام، الذي يتمتع بكاريزما لدى أتباعه، عبد الله عزام أُخرج من فلسطين، إلى المملكة العربية السعودية؛ للتدريس فيها، عن طريق الأردن؛ ثم أُرسل إلى أفغانستان بطريقة مريبة جدًا؛ كتب عنها -لاحقًا- بعضهم، وتم اغتياله هناك؛ ليصبح ابن لادن قائد وزعيم الأفغان العرب. بدأت الطائرات والمطارات تُفتح للأفغان العرب، المتحمسين لقتال السوفيات؛ للوصول إلى أفغانستان، ونالوا دعمًا من الغرب الإمبريالي عامة، والولايات المتحدة خاصة.

 

أنجز شباب السلفية الجديدة المهمة في أفغانستان بنجاح؛ وهزموا الاتحاد السوفياتي هناك، بإرادتهم القوية، والدعم الأميركي؛ ليقيموا -في ما بعد- بالتعاون مع حركة طالبان، ذات التوجه السلفي الجهادي، دولة إسلامية تحتكم إلى الشريعة، تشبع توجههم الاعتقادي والفقهي والجهادي، إلا أنّ الشباب العربي السلفي الذي أطلق عليه اسم “الأفغان العرب”؛ لما عادوا إلى بلادهم، بعد عام 1990، وخصوصًا الخليجيين منهم، مزهوين بنصرهم على ثاني أكبر قوة عالمية، وبفكرهم الجهادي، وباتوا يشكلون خطرًا على المجتمعات الخليجية؛ فوقع خلاف بين ابن لادن والحكومة السعودية، انتهى بصفقة، يذهب بموجبها ابن لادن إلى السودان؛ ليمارس تجارته ودعوته هناك، بعيدًا عن الدول الخليجية؛ وذلك، مطلع العام 1990، ومع بداية اجتياح العراق للكويت.

 

ولادة السلفية الجهادية عالميًا

بعد ضغوط دولية غادر ابن لادن السودان عام 1996، متوجّهًا إلى أفغانستان التي كانت تسيطر عليها حركة طالبان، وأعلن الحرب على الولايات المتحدة الأميركية، وفى عام 1998، تلاقت أيديولوجيته مع أيديولوجية أيمن الظواهري، الأمين العام لتنظيم الجهاد الإسلامي المصري المحظور، وأطلق الاثنان بيانًا، يدعو إلى قتل الأميركان وحلفائهم أينما كانوا، ونتيجة لبيانه، ارتكبت القاعدة تفجيرات عدة، في نيروبي، ودار السلام، والأخطر والأشهر تمثلت بأحداث 11 أيلول/ سبتمبر عام 2000، ثم تفجيرات مدريد عام 2004، ولندن عام 2005.

 

السلفية الجديدة أدخلت تعديلات على المنهج السلفي التراثي القديم، يختلف في أيديولوجيته عن السلفية الحنبلية، والسلفية الوهابية؛ إذ أصبحت السلفية الجديدة تقوم على مثلث مهم، لا بد من تحقق أضلاعه الثلاثة في الواقع المعاش.

 

الضلع الأول: صحة عقيدة ولي الأمر.

لا يجوز أن يتولى الحكم، في البلدان الإسلامية، إلا مَنْ كان ذا عقيدة صحيحة، ولا يوجد اعتقاد إسلامي أصح من الاعتقاد السلفي، بحسب وجهة نظرهم، وكل حاكم يكون اعتقاده سلفيًا فهو حاكم شرعي، والعكس صحيح.

 

الضلع الثاني: تصحيح الفقه التراثي.

الفقه الذي انتجته المذاهب الفقهية السنية الأربعة، تشوبه أخطاء كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها، ولا بد من تصحيح تلك الأخطاء؛ فتولى تصحيح المسائل الفقهية هذه هيئة كبار علماء السعودية؛ فأصبحت فتاواها -في كل شيء- المرجع الأساس في السلوك السلفي، شعائريًا وعباديًا، وساهم بذلك -إلى حدّ كبير- الشيخ ناصر الدين الألباني، والشيخ عبد القادر أرناؤوط، وهما دمشقيان من أصول ألبانية.

 

الضلع الثالث: جهاد الطلب.

حتى الآن لا مشكلة لأنظمة الحكم في الخليج، مع السلفية الجديدة في ذلك التصحيح، إلا أن السلفية الجهادية أضافت الضلع الثالث لمنهجها؛ ما أدى إلى قطع شعرة معاوية بينهم، وبين السلفية الجديدة، وعلمائها وأتباعها؛ ومن خلاله نفهم سر الخلاف ما بين ابن لادن والحكومة السعودية، بعد عودته من أفغانستان؛ حيث أعلنت السلفية الجهادية أن الضلع الثالث يتمثل بجهاد الطلب، وبه تجاهدُ العالمَ كله، وقسّمته إلى فسطاطين: فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان.

 

وبالتالي، فإن أي نظام حكم، في أي بلد مسلم، إنْ حقق الضلعين الأوليين للمثلث السلفي؛ ولم يحقق الضلع الثالث؛ فقدَ شرعيته، ووجب الخروج عليه، في حين أن علماء السلفية الجديدة، لم يجدوا بأن ذلك الضلع واجبًا شرعيًا، إنما الجهاد أمر طارئ، لا بد من أن يقرره ولي الأمر، ومن هنا ظهرت السلفية المدخلية، أو الجامية، أو العلمية.

 

ولكن: كيف انقسمت السلفية الجديدة إلى مدراس مختلفة ومتخالفة؟ وكيف توحش عصر الذبح أكثر؟ وما السلفية العلمية؟ ولم ظهرت؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق