تحقيقات وتقارير سياسية

العامل الإقليمي والتمويل ودورها في تشكيل قيادات عسكرية موحدة في سورية

أعادت الانتقادات الأخيرة الموجهة لفصائل الجبهة الجنوبية، نتيجة “التقاعس” -وفق رأي المنتقدين- عن تحريك الجبهات لتخفيف الضغط عن محافظات الشمال وريف دمشق، أعادت إنتاج الأسئلة المتعلقة بمدى ارتباط خرائط المعارك في سورية بتحالفات الإقليم وعلاقات الفصائل بالدول الأكثر فعالية ضمن الملف السوري من جهة، ومدى استقلالية القرار العسكري في الميدان عن مصالح الداعم، وما يعنيه من هوامش للمناورة نظرًا إلى التعقيدات الكبيرة المحيطة بالصراع من جهة أخرى، ما جعل البعض يؤكد أن أي تشكيلٍ عسكري في سورية، لا يمكنه اتخاذ القرار بفتح أي معركة من شأنها تغيير المعادلات القائمة، من دون العودة إلى المرجعيات الإقليمية أولًا، وقبل كل شيء بسبب قضايا التمويل.

هذا التوصيف هو ما اعتمد عليه الكثير من الناشطين والمهتمين بالشأن السوري، في انتقادهم لفصائل الجبهة الجنوبية وغيابهم عن خرائط المعارك الملتهبة في البلاد، لكن آخرين رأوا أن هذا الواقع يدل بطريقة أو بأخرى، إضافة إلى التحليل السابق، على مدى ما وصلت إليه الأوضاع في سورية من مناطقية باتت إلى حد بعيد تتحكم في جزء كبير من المشهد، على المستوى المحلي على الأقل.

المعارك ضد التنظيم أهم أسباب التراجع

القائد العام لجيش اليرموك في درعا سليمان الشريف أوضح لـ (جيرون) أن أهم الأسباب في ركود الجبهات الجنوبية مع النظام يعود إلى ما تشهده المنطقة من معارك ضد تنظيم الدولة والتشكيلات الموالية له، مضيفًا “هذه مرحلة مرت بها أيضًا فصائل الشمال، حيث خاضت العديد من المعارك ضد التنظيم وأدى ذلك إلى انشغالها عن جبهات النظام وخسارتها للعديد من المناطق، وفي بعض الأحيان أدت إلى تفكك الكثير من فصائل الجيش الحر وغيابها، مشيرًا إلى أن فصائل الجنوبية في هذه الفترة مربكة على صعيد تحديد الأولويات بفعل ما سببته ضربات التنظيم داخل المناطق المحررة في درعا وريفها، مؤكدًا أنه وعلى الرغم من تقاعس بعض الفصائل في الجنوب وعدم جديتها في حسم المعركة مع داعش، إلا أن الجبهة الجنوبية مصممة على اجتثاث التنظيم بالكامل من جنوب سورية، لأنه الطريق الأفضل لترتيب البيت الداخلي والانطلاق نحو معارك حاسمة ضد النظام وحلفائه.

الناشط الإعلامي مهند أبو الوفا رأى أن توصيف الشريف دقيق إلى حد بعيد، لكنه لا يختصر كامل المشهد على حد تعبيره، مضيفًا ومؤكدًا أن ما حدث في الجبهة الجنوبية من تصدعات نتيجة ممارسات التيار الداعشي، كان سببًا رئيسيًا في انشغال الفصائل العسكرية عن المعركة الأساسية مع النظام، ولكن هناك الكثير من القضايا المرتبطة بعلاقات الفصائل في الجبهة الجنوبية بين بعضها، أولًا نتيجة الضغوط الممارسة من قوى خارجية، وثانيًا لارتباطات عائلية وعشائرية، بات لها الكثير من التأثير على التحالفات والخصومات وحتى السياسات.

 

التنسيق لا يعني الارتهان للقوى الداعمة

لم تعد مسألة التأثيرات الإقليمية الدولية المباشرة على القرار العسكري في الميدان داخل سورية بالسر، أو المسألة التي تحتاج إلى برهان وإثبات، ولكن مدى تلك التأثيرات وحجم ما يمكن أن تحدثه من تغييرات هو الذي يبقى مثار بحث وتحليل، إذ إنه وفي كل مرة تتعرض فيها الجبهة الجنوبية لهزة أو خسارة، تبدأ التحليلات التي تشير إلى دور غرفة الموك وقراراتها المؤثرة على الفصائل العاملة في الجنوب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشمال، فدائمًا ما تتم الإشارة إلى دول بعينها، القائد العام لجيش اليرموك أوضح أن الموك لديها من النفوذ والتأثير على فصائل الجبهة ما لن ينكره أحد، مضيفًا “هناك سياسات ومصالح للقوى المشكلة للموك تحاول أن تملي سياستها على بعض الفصائل، قد تنجح أحيانًا وفي أحيانٍ كثيرة لا تتمكن، لافتًا، إلى أن الثورة السورية “ليست في الفراغ وبالتالي علينا جميعًا أن ندرك ما هي مصالحنا، دون أن يتعارض ذلك بالضرورة مع مصالح حلفائنا، مشيرًا إلى أنه من الغباء الآن اتهام فصائل الجيش الحر بالعمالة أو التخاذل لعلاقاتها مع هذه الدولة أو تلك، وربما من المعيب بعد كل التضحيات أن يقال إن الفصائل العسكرية في سورية قاصرة إلى حد تنفذ فيه أجندات خارجية بعيدة عن مصالح الشعب السوري” على حد تعبيره.

تأثير التمويل

قضية الارتباطات الخارجية والتمويل تبقى إحدى أكثر المسائل الخلافية، إلا أن العديد من المؤشرات تؤكد أن كثيرًا من الفصائل والألوية تشكلت بدعم خارجي، وأخرى اندثرت بقرار خارجي أيضًا سواءً في شمال البلاد أو جنوبها، بل إن البعض يؤكد أن المرجعية النظرية والعقائدية لكثير من التشكيلات العسكرية تعبر، بطريقة أو بأخرى، عن مصالح دول في الإقليم رعت وأشرفت على وجود تلك التشكيلات، لإدراكها أنها الطريقة الأفضل لزرع الشقاق والخلاف، وبالتالي السيطرة والتحكم في الميدان.

من جهته أوضح الشريف تلك النقطة وقال “بالتأكيد هناك العديد من التشكيلات تحدد أولوياتها بناء على ما يريده الداعم، حتى لو كان ذلك على حساب الداخل، أو أدى إلى صدامات نحن بغنى عنها، مضيفًا، اليوم هناك بعض الفصائل المرجعية الإقليمية والتمويل بالنسبة إليها هو في المقام الأول، لكن هذه الفصائل صغيرة ولا تملك ذلك الثقل على الأرض، وما يجعل منها قوية وذات تأثير هو الداعم نفسه، ليس لأن هذه الفصائل أكثر قدرة على الفعل أو المبادرة، وإنما للوقوف فحسب في وجه الفصائل الكبيرة التي تتصرف وفق أجندة وطنية، وهذه السياسات كان لها أثرٌ كبيرٌ على عديد التصدعات والانشقاقات داخل بينة الفصائل العسكرية”.

خلافات الفصائل والعامل الإقليمي الحاسم

اعتبر ناشطو درعا أن حملة الانتقادات الأخيرة الموجهة للفصائل الجنوبية لم تك بسبب ركود الجبهات والتخاذل عن فتح معارك لتخفيف الضغط عن حلب أو بعض مناطق ريف دمشق، بل جاءت كنتيجة مباشرة لعوامل إقليمية أرادت وتريد توجيه الرأي العام السوري باتجاهات معينة، ليست بالضرورة صحيحة أو تعبر عن تطلعات ومصالح السوريين؛ وبحسب اعتقادهم، فتلك التوجهات نجحت في إدلب، وربما بشكل أقل في حلب، وليس من الضروري أن تنجح في درعا أو دمشق.

سامر المسالمة -ناشط إعلامي من درعا- وافق ذلك الرأي مشيرًا إلى أنه لو كان الهدف الحقيقي من الانتقادات و”الهجمة الأخيرة” على درعا وفصائلها، استثارة الهمم وتصويب المسار، لكان ذلك ترافق مع أخرى موجهة مثلًا لفصائل الغوطة الأقرب إلى العاصمة، أو إلى من هم على تخوم الفوعة والساحل وجبهات حماه وحتى ريف حمص، مضيفًا “بالتأكيد هناك تقصير ومصالح فصائلية ضيقة، ولكن في اعتقادي إن المسائل أكبر وأكثر حساسية من ذلك، وتبقى العوامل الإقليمية حاسمة في كثير من الأحيان والملفات، لافتًا إلى أن كل منطقة في سورية -اليوم- لها ارتباطات ومصالح خاصة بهذا المحور أو ذاك، بهذه الدولة أو تلك ، مشيرًا إلى أن الموقع الجغرافي لمحافظة درعا “يضيف المزيد من الأعباء والمسؤوليات على فصائلها وفعاليتها المدنية على حد سواء، فهي قريبة من العدو الإسرائيلي، وما يعنيه ذلك من حسابات معقدة على مستوى الإقليم، وهناك الأردن ومخاوفه الأمنية، إضافة إلى أن نحو 40  في المئة من القوى العسكرية للنظام محيطة بالمحافظة الجنوبية”.

داريا على خطوط الخلافات الفصائلية

الانتقادات الموجهة للفصائل العسكرية بسبب تقاعسها عن تخفيف الضغط العسكري الذي تتعرض له مناطق أخرى ليست الأولى من نوعها، إلا أن الفارق هذه المرة هو البيان الصادر عن أهالي داريا بريف دمشق الغربي في منتصف حزيران/ يونيو الماضي، والذي حمّل الفصائل العسكرية مسؤولية ما وصلت إليه الأمور واستنزاف العديد من الجبهات بسبب الخلافات الداخلية، واصفًا العديد من المعارك التي أطلقت وتطلق بعناوين لفك الحصار عن المدينة مجرد معارك إعلامية، الهدف منها الحصول على تمويل، ودعم يخص الفصائل المعنية بتلك المعارك، باسم داريا، من دون فعل حقيقي في الميدان. البيان لم يصدر عن جهة رسمية عسكرية أو مدنية في داريا، ما جعل العديد يشكك في مدى صدقيته.

أبو جعفر الحمصي، قائد العمليات في لواء شهداء الإسلام العامل في داريا، نفى أن يكون هذا البيان صادرًا عن جهة رسمية في المدينة المحاصرة، مشددًا على أنهم ينظرون إلى الثوار في الجنوب نظرة الأخ الأقرب والأقدر على الاقتراب من الغوطة وفك الحصار عن مدينة داريا، والانطلاق نحو تحرير العاصمة دمشق، وأضاف “هذا ما تنتظره داريا منذ أربع سنوات استنزفت خلالها الكثير من مواردها البشرية والعسكرية من دون إمداد أو تعويض عن خسائرها”، مشيرًا إلى أن هذا النداء ليس للثوار في الجنوب فحسب بل هو موجه لكل ثائر في سورية، مؤكدًا أنهم متمسكون بداريا بوصفها نقطة انطلاق نحو معقل النظام في دمشق.

ربما يبقى الفارق الجوهري بما يحيط ملف الفصائل العسكرية في سورية، بعيدًا عن الاختلافات العقائدية أو الأيديولوجية، هو ذاك المتعلق بـ (عجز) العامل الوطني بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة الشعبية ضد نظام الأسد عن تشكيل قيادة عسكرية موحدة، تشرف على العمل الميداني على كامل الجغرافية السورية، إلا أن الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن مصالح الدول الإقليمية والقوى الكبرى ساهمت في حالة التشظي الفصائلي، ورعت في كثير من الأحيان الخلافات وغذتها كي يبقى لها دائمًا التأثير الأكبر فيما يمكن أن تنتجه المعارك من خرائط سياسية فيما بعد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: aksara178
إغلاق