سورية الآن

السعودية وزعزعة الاستقرار الداخلي لإيران

شكَّل حضور الأمير تركي الفيصل، مدير الاستخبارات السعودية السابق، ورئيس مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس، يوم 9 تموز/ يوليو 2016، تغيرًا كبيرًا في الاستراتيجية الخليجية عمومًا، والسعودية خصوصًا، تجاه الملف الإيراني الذي بات يشكل خطرًا وجوديًا على دول الخليج، من خلال تماديه في تهديد استقرار منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والخليج العربي بشكل خاص؛ فهتاف الأمير تركي مع زعيمة المعارضة الإيرانية، مريم رجوي، لإسقاط النظام الإيراني، له دلالات واضحة، أهمها أن صبر السعودية، ودول عربية وخليجية أخرى، قد نفد تجاه النظام الإيراني، وسياساته التدخلية والطائفية في دول المشرق العربي: لبنان، واليمن، وسوريا، والعراق، كما أن حضور الأمير تركي الفيصل ذلك المؤتمر، بات يعكس المزاج السعودي الذي لم يعد يقبل المساومة.

 

بدا هذا الموقف  واضحًا من خلال الكلمة التي ألقاها الفيصل في المؤتمر؛ حيث أكد “أن العرب يكنّون عظيم الاحترام للثقافة الإيرانية، والإسهامات الفارسية، لكن إيران تصر على التدخل في شؤون دول الجوار، وتأسيس منظمات طائفية”، وقال: إن إيران “تنتهك سيادة الدول، بحجة دعم الضعفاء في العراق ولبنان وسورية واليمن، ودعم الجماعات الطائفية المسلحة، وأن دعمها يهدف إلى إشاعة الفوضى”، وأضاف أن “نظام الفقيه منح نفسه صلاحيات مطلقة، وقام بعزل إيران، وأن الشعب الإيراني أول ضحاياه، وأن الخميني سعى لتصدير ثورته إلى العالم؛ فزاد الفرقة في العالم، وخصوصًا العالم الإسلامي”، كما دعا الفيصل كل من خامنئي وروحاني إلى الالتفات إلى مشكلاتهما في الداخل، مبينًا أن المعارضة الإيرانية ستحقق مبتغاها في رحيل نظام ولاية الفقيه، ورد الفيصل على هتاف الحضور في المؤتمر: “الشعب يريد إسقاط النظام”، بقوله: “وأنا أريد إسقاط النظام”.

 

يرى مراقبون أن الخطوة السعودية تلك، كانت تدشينًا لمرحلة جديدة في العلاقة مع النظام الإيراني، يمكن أن نسميها مرحلة “كسر العظم”، من خلال سياسة خليجية وسعودية عكسية، ردًا على سياسة التدخل الإيراني في الخليج العربي وبعض الدول العربية، من خلال اللعب على وتر التنوع القومي والطائفي في إيران، واستغلال معاناة القوميات غير الفارسية، كالآذرية، والكردية، والبلوشية، والعربية، من سياسات التمييز ضد هويتها القومية والطائفية، كما يشكل العامل الاقتصادي المتردي عاملًا آخر، يمكن أن يساعد السعودية، ودول الخليج على تفجير الأوضاع في إيران، إذ إن طبيعة النظام الاقتصادي الإيراني ما بعد ثورة الخميني، هو اقتصاد ليبرالي فاسد، فرض تحولًا كبيرًا في بنية المجتمع، نتج عنه توسّع حالة الفقر في صفوف قطاعٍ كبيرٍ من الشعب، وتهميش مناطق عديدة، ودخول المجتمع في أزمةٍ كبيرة، خصوصًا أن المال المتوافر بيد الدولة، كان يذهب -أولًا- إلى الحرس الثوري والمافيا المحيطة به، والذي يقوم بتمويل المجموعات المرتبطة به، كحزب الله في لبنان، وحركة الحوثيين في اليمن، والمليشيات الطائفية في العراق وسورية، وهو ما يكلف الاقتصاد الإيراني مبالغ ضخمة، بينما يعيش معظم الإيرانيين على حافة الفقر.

 

أمام هذا الواقع الإيراني غير المستقر، يمكن للمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، توظيف السخط السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والأمني، من قبل القوميات غير الفارسية، ضد النظام الإيراني، والعمل على زعزعة استقراره الداخلي، كما يفعل ذلك النظام معها تمامًا، وهو ما دفع المسؤولين الإيرانيين للرد بشكل متشنج على زيارة الأمير تركي الفيصل، حيث توعد أمين (مجمع تشخيص مصلحة النظام) في إيران، محسن رضائي، المملكة العربية السعودية قائلًا: “رسالتنا إلى آل سعود هي أننا لا نغضب سريعًا، لكننا لو غضبنا؛ فسوف لن نبقي لآل سعود أثرًا على وجه الأرض”.

 

وأضاف: “إن الدعم الرسمي من جانب السعودية للمنافقين (مجاهدي خلق) أثبت أن جميع عمليات الاغتيال التي قامت بها هذه الزمرة، خلال الأعوام الأخيرة، إنما نفذت بدعم من السعودية”. وأشار المسؤول الإيراني إلى أن المسؤولين السعوديين، عقدوا اجتماعات -قبل أشهر- مع تنظيمات كردية إيرانية معارضة في أربيل بـ “كردستان العراق”، مؤكدًا تنفيذ عدة عمليات اغتيال في منطقة “كردستان إيران” حتى الآن.

 

أمام هذا الواقع، أصبح واضحًا أن دول الخليج لن تقف مكتوفة الأيدي حيال التمادي الإيراني في المنطقة، والتي يبدو أنها ستشهد فصولًا جديدة من الصراع الطائفي الذي فرضه نظام الملالي في طهران، وعلى إيران أن تعيد حساباتها في ما يخص سياسة تصدير الثورة، والتي تجسدت في المشرق العربي على أسس طائفية، من خلال ميلشياته في العراق، وسورية، واليمن، ولبنان، وخلاياه الإرهابية المنتشرة في دول الخليج العربي، وإلا فإن الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ستسعى -بوضوح- لنقل شرارة الفتنة التي أنتهجها الإيرانيون إلى الداخل الإيراني الهش أصلًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق