اقتصاد

سورية تخسر اقتصادها وشعبها

مع بداية انطلاق التظاهرات السلمية في المدن السورية، منتصف آذار 2011، تنفس أبو فداء، المساعد أول في إدارة أمن الدولة، الصعداء وعبر بوضوح لعناصره عن إن “الرزقة” فتحت بابها عليهم من جديد؛ فكل المتظاهرين وما يملكون، هم موارد اقتصادية مباحة لعناصره، وأمرهم -بوضوح- أن يستعدوا للاستيلاء على كل ما يقع تحت أيديهم.

 

منذ بداية الحراك السوري ربيع 2011، وقع الاقتصاد السوري كله تحت التهديد المباشر للرئيس بشار الأسد، أولًا عندما واجه السوريين بالخيار العسكري، أو ما سماه “الخيار الأمني”، وقد تم تحذيره -منذ اللحظة الأولى للتدخل العسكري في درعا، في بداية الشهر الرابع 2011، من أن الخيار العسكري سيذهب بسورية إلى الانتحار الجماعي.

 

أطلقت أجهزة الاستخبارات السورية -علنًا- شعار “الأسد أو نحرق البلد”، ونشرته في العاصمة والمدن السورية على جدران المقرات الأمنية، وقرب الحواجز الأمنية التي أعيد انتشارها بسرعة، يوم أُطلق هذا الشعار، لم تكن قد أُطلقت -حتى ذلك الحين- طلقة واحدة في دمشق أو في غيرها من المدن السورية.

 

 

وأظهرت نتائج الاقتحام العسكري الأول للجيش السوري لدرعا اقتصاديًا، أن أجهزة الاستخبارات السورية منحت المرتزقة الذين يعملون تحت جناحها سلطة استباحة المجتمع، ونهب كل ما يقع تحت يدها، خلال عمليات التفتيش التي أُعدّت -بعناية- لنهب كل مدخرات الشعب السوري، في ما كان يسمى -آنذاك- بالمناطق الساخنة.

 

نهب المرتزقة الذين اقتحموا المنازل -بيتًا بيتًا- كل ما وقع تحت أيديهم، من ألعاب الأطفال إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية للناس، إلى حلي النساء ومجوهراتهن من غرف النوم، إلى السيارات التي كانت مركونة أمام المنازل، إلى الأموال والمدخرات التي كانت في بيوت الآمنين.

وغصت أسواق المرتزقة اللصوص بكل ما تم نهبه تحت الراية الحكومية، ونقلت الدبابات وعربات الجند المصفحة والشاحنات العسكرية كل ما وصلت إليه أيدي المرتزقة، الذين استثمروا خبراتهم السابقة في نهب بيوت اللبنانيين في السبعينيات من القرن الماضي، وخبراتهم في نهب مدينة حماة وأسواقها في أعقاب مجزرتها الشهيرة، عام 1982.

 

ومع توسع الحراك المدني، ليشمل معظم الريف والمدن، توسعت أهداف المرتزقة؛ لتنهب كل شيء يملكه الناس؛ فوقع الاقتصاد السوري ضحية عملية الاستباحة التي استهدفت الحواضن الشعبية للثورة، في محاولة لكسر إرادة الناس، وإعادتهم إلى القمقم الذي صُمم بعناية لضبط أرزاقهم وأنفاسهم.

 

كان سوق النهب الطائفي الذي سُمي بـ (سوق السنة) الشهير، بعد اقتحام حواضن الثورة في مدينة حمص، أنموذجًا لأسواق النهب على أسس طائفية؛ فقد افتُتح في المناطق الموالية للنظام -آنذاك- سوق، عُرضت فيه كل مقتنيات بيوت الحمصيين، من غرف النوم إلى الشاشات المسطحة إلى ثياب الناس التي فرت من منازلها، والتي قصفتها مدفعية الجيش السوري بلا هوادة.

ومع انتشار الجيش السوري وفرق المرتزقة والنهب في أرجاء سورية كافة، توقفت حركة الاستثمار والإنتاج بشكل شبه كامل، وتوقفت عجلة الاقتصاد عن العمل، إلا في الحدود الدنيا وبما يلبي حاجات الناس الأساسية، للبقاء كلاجئين في وطنهم.

 

فرض الخيار العسكري على السكان الآمنين النزوح من مناطقهم؛ للبحث عن ملاذ آمن، وشهدت محافظتا حمص ودرعا أولى عمليات التهجير القسري، ثم لحقت بهما معظم المحافظات السورية بعد ذلك.

 

أصبحت سورية تحتل المركز الأول في تصدير المهاجرين، نتيجة الانهيار الاقتصادي الناجم عن الانهيار الأمني الذي خيم على عشر محافظات سورية،  ومع زيادة ضغوط أجهزة الاستخبارات والمرتزقة على الناس، أصبحت الهجرة هي الحل الوحيد لبقاء الناس على قيد الحياة.
هاجرت معظم العقول والخبرات والأيدي العاملة إلى دول الجوار، ولجأ حوالي خمسة ملايين سوري إلى الدول المجاورة، مثل تركيا ولبنان والأردن ومصر، وركب أكثر من مليون و200 ألف سوري قوارب الموت التي عبرت بهم البحر باتجاه السواحل الأوربية؛ بحثًا عن فرصة النجاة من الموت الذي خيم على الأراضي السورية.

 

خسرت سورية، نتيجة الحرب التي شنها الأسد على الشعب السوري، قرابة نصف مليون إنسان، وضعف هذا العدد من المصابين، وبلغ عدد المهجرين داخل سورية أكثر من ستة ملايين إنسان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق