مقالات الرأي

ليست غزوة إبراهيم اليوسف

أُطلقتُ تسمية إبراهيم اليوسف منذ عدّة أيام، على الهجوم المضاد الذي شنّته فصائل حلب ضد الحصار الخانق الذي فرضه النظام على حلب “المحررة”، وهناك تسميات أكثر موضوعية ودقة، كملحمة حلب الكبرى، وسواها. التسمية هذه قِيل إن الإخوان المسلمين هم من يقف وراءها، وربما ليسوا هم. وفي العموم، هناك شكوك قوية حول علاقتهم بتسميات أيام الجمع على مدار سنوات الثورة الخمس، والتي كانت أغلبيتها تسميات أثارت -وتثير- حساسيات بالغة، فهمشت مفهوم الثورة، وأعطت النظام أدوات جديدة؛ لوسم الثورة بالطائفية والإرهاب، وهي -عمومًا- روايته عن الثورة منذ 2011، وعَمِلَ لأجلها دون كللٍ ولا ملل.

 

المعارضة بكل تنويعاتها، لم تستطع صياغة رؤية استراتيجية كاملة للثورة، وكان لصراعاتها المستمرة دور في ذلك، وحينما استطاعت التلاقي، كما في القاهرة في 3 تموز/ يوليو 2012، والاتفاق على وثائق سياسية سرعان ما تمّ طيّها. لم تستطع -أيضًا- تجاوز مشكلاتها، على الرغم من أنها أنجزت خطوة مهمة في اجتماعها في هيئة التفاوض العليا في الرياض، وتشكيلها وفدًا مشتركًا. الخلافات ظلت مستمرة بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق، وكذلك بين الأخيرة والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة؛ غياب رؤية استراتيجية أتاح المجال واسعًا ليكون للإخوان المسلمين دور أساسي في تشكيلاتها، ولا سيما المجلس والائتلاف، وإفراغ هذه التشكيلات من مضامينها الوطنية، وصياغة رؤية تتجاوز عقلية الإخوان، أي: عقلية الانتقام والثأر من خسارتها في الثمانينيات. أخطأت المعارضة كثيرًا بتأخرها في إيجاد توافقات ومشتركات بين تياراتها، وفي الموقف من الإخوان المسلمين، وهذا أدى إلى أخطاء كبرى في صيرورة الثورة، كالفوضى في العمل العسكري، وعدم وجود مؤسسات تمثل الثورة في الإغاثة والتمويل والإعلام والشباب، وكذلك الانفصال الكامل بين العمل السياسي والعمل العسكري، وفي العلاقة مع العالم الخارجي، وتعاظم شأن السلفية والجهادية واجتثاث أغلبية الفصائل المحلية الوطنية، وأغلبية الناشطين المدنيين، وكان من جراء ذلك غياب أي دعم دولي أو إقليمي شعبي؛ إذًا، المعارضة تتحمل مسؤوليات كبرى في مآلات الثورة.

 

ما حدث في حلب توحّدٌ كبير بين الفصائل الموجودة فيها، وبين الشعب الذي حوصر، وبالتالي هناك تجدّد لروح الثورة، وإن كانت ملوثة بكل التغيرات التي أصبحت تمثل الحياة في المناطق (المحررة)، وأن تأتي هذه التسمية، وفي هذا الوقت، بالتحديد، حيث الهجوم الروسي – الإيراني، فإنها تُقدّم خدمة مثالية للنظام ليقول للعالم بأكمله: “إن غزوة إبراهيم اليوسف، هي جريمة ارتكبها هذا الرجل في عام 1979، ضد طلاب ضباط كانوا يدرسون في مدرسة المدفعية، وكانت موجهة إلى شباب من طائفة واحدة، وبالتالي، من تطلق هذه اسمه على حملتها الآن، هي قوى إرهابية، وعلى العالم أن يقف مع النظام في اجتثاثه لهؤلاء الإرهابيين، والذين إن استطاعوا السيطرة على مدينة حلب سينقلون معاركهم إلى العالم بأكمله فكيف إن استلموا النظام في سورية”.

 

حلب الآن تُواجَه بحلفٍ روسيٍّ إيرانيٍّ، وهناك معلومات، تؤكد أن الائتلاف الدولي لمحاربة الإرهاب، بقيادة أميركا وجه ضربات عسكرية دقيقة إلى بعض المواقع العسكرية والتي ليست لجبهة فتح الشام! أي أن التنسيق الأميركي الروسي ضد جبهة النصرة، أو ضد جبهة فتح الشام، بدأت تظهر معالمه، وهو ضد كل الفصائل المحلية وليس فقط جبهة فتح الشام. حلب هذه أُجبرت على توحيد العمل العسكري، والعمليات فيها تتطلب درجات عالية من التنسيق، وأن يكون الإعلام دقيقًا فيما يُخبر العالم وفي تسميات عملياته؛ عكس ذلك كلية، وبغباء كبير، وبطائفية تُعمق الكراهية تأتي هذه التسمية، وبالتالي؛ هناك من يعمل ضد كل التقدم الحاصل في حلب. تركيا لن تتمكن من الدفاع عن مقاتلين يطلقون تسمية كهذه، وكذلك الدول التي يُقال إنها داعمة للفصائل. إذًا، ومن أجل نجاح الهجوم هذا وفرض نتائجه على طاولة التنسيق الروسي الأميركي، والروسي التركي، والمفاوضات التي قد تُعقد، يجب ليس التخلص من اسم جبهة النصرة بل والتخلص من فتح الشام كذلك، ومن كل التسميات الطائفية، والتي لا علاقة لها بالثورة من بعيد أو قريب.

 

ما حصل في حلب ربما سيلعب دورًا رئيسًا في كل ما يتصل بالحل السياسي للوضع السوري، فمعركة السيطرة على حلب، معركة حاسمة، والخطر الآن فعلًا أن تكون جبهة النصرة الأكثر قوة فيها، وهذا سيعطي للتنسيق الروسي الأميركي مبررًا للتحالف الميداني بينهما، وممارسة أكبر عملية سحق للمدينة، لهذا فإن مسألة التسمية، كما مسألة التحالفات داخل المدينة، قضية خطرة للغاية. الفصائل، كما المعارضة وصلت إلى مرحلة جديدة من تطور الصراع في سورية، وبالتالي يجب أن تصل إلى مرحلة الرشد في العمل السياسي، أي إما أن تعلن -بوضوحٍ كلّي- أنها تستقي كل صراعاتها من أهداف الثورة، وإما أن تنتظر حرب التنسيق الأميركي الروسي عليها. ما نقوله يأتي من تطور كبير في العلاقة بين الروس والأتراك، والذي قد يضع تركيا -بشكلٍ كبير- ضد المعارضة والفصائل، وتسهيل عملية سحقها مجددًا والسيطرة على حلب، وذلك مقابل وعود تعويضية في النظام المقبل الذي ستشيده روسيا.

 

الآن، الدول الكبرى والإقليمية بصدد الضغط من أجل المرحلة الانتقالية والحل السياسي، وهناك تقدم ميداني في المدينة الأكبر بعد دمشق، وإذا كان هذا الضغط أجبر جبهة النصرة؛ لتصبح جبهة فتح الشام، أليس حريًا بالمعارضة أن تحسم في مسألة العلاقة مع فتح الشام ومع كل التنظيمات السلفية والجهادية، وأن ترفض كل ميل طائفي في ممارساتها.

 

اسم غزوة إبراهيم اليوسف، لا علاقة له بإعلام الثورة، ولا الحركات الجهادية والسلفية، ومن له علاقة بالثورة، هو وحده من تتوافق رؤيته مع سورية دولة للجميع. في حلب أغلبية الشعب المحاصر يُحارب، كما أن أغلبية الشعب السوري ثار من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية ومجتمع أفضل، منذ خمس سنوات دامية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق