أدب وفنون

شفّ لي.. لأشفّ لك*

سأل جحا السوري حِمارَه:

– ما قصَّتُك مع الأمثال الشعبية؛ البارحة حكيتَ لنا عن المَثَلِ الشائع: “حِكّ لي؛ لأحكّ لك”؛ واليوم تُؤلِّفُ مَثَلًا من عندك: “شفّ لي؛ لأشفّ لك”.

ضحك الحمار: لا شيءَ يأتي من فراغ، فقد اخترعته مُذ قالَ ابنُ آلِ الوحش بالشفافية، بعد أن عَدَّلُوا الدستورَ بطريقةٍ شفّافة؛ ليرِثَ مملكةَ والدِهِ الأبديّ، فخلع أعضاءُ مجلسِ غَنَمِهِ البرلمانيِّ ثيابَهَم، ومعهم الحرسُ القديم، وخرجوا لاستقباله -بلا ورقةِ تينٍ- عند بوابة الصالحيّة، فلما رأت الرَعِيَّةُ ما شَفَّ منهم، انخرطت في ضحكٍ مديدٍ، وفي بكاءٍ شديدٍ، في آنٍ معًا.

 

قال جحا: وتلكَ مِيزَةُ السوريينَ في جَمعِ النقيضين!

فأردفَ حماره: حتى أن ابن آل الوحش احتارَ في تفسير تلك الخلطة الخيميائيّة؛ فلم يعرِف ما إذا كان السوريون يبكون على رحيلِ والده، أم يضحكون كلّما ضَحِكَ في وجوهِهِم ذاكَ الطويلُ الهبيل.

عَلَّقَ جحا السوريّ: كان هذا قبل ميلاد الثورة بأحد عشر عامًا، فما جدوى أن تتذكرَهُ، وقد جَبَّت الثورةُ ما قبلها؟!

نهق الحمار: وهل تعتقد بأن الثورةَ سائلٌ سحريٌّ؛ ما إن تَسكِبُهُ على الرؤوس، حتى تشِفَّ أدمغتها؛ فتُشفى -لِتَوِّها- من أمراض الاستبداد المُقيم؟!

قال جحا السوري: في هذا معك الحقُّ يا حماري؛ فبعد خمس سنواتٍ من ثورتنا، ما نزالُ نُعَانِي من إعادةِ إنتاجِ الاستبدادِ في الثورة ذاتِهَا؛ ومن إعادة إنتاجِ فسادِ الاستبداد في الثورةِ ذاتِها.

حَكَّ الحمار ذقنه بأقرب جدارٍ إليه:

– أخشى عليك يا جحا من أن تصيرَ مُحلّلًا استراتيجيًا، ثم تتخطَفُكَ الفضائيَّاتُ؛ فلا أستطيع رؤيتكَ، إلا عبرَ شاشاتِ “الأش إل دي”!

ردّ جحا السوري: بل أنا الذي أخشى عليك؛ فبعد تجربةِ “حكّ لي؛ لأحكّ لك”، على صاحب ربطة العنق الائتلافية، أتوقَعُ أن تُطبّق تجربةَ “شفّ لي، لأشف لك”؛ على آخرين.

ضحك الحمار ناهقًا بكلّ رئتيه: وما أدراك بأنّي لم أبدأ؟!

فسأله جحا: بماذا بدأتَ؟ وبِمَن بدَأت؟

ردّ حمارُهُ: أرسلتُ حِمَارَةً لَعُوبًا مِغنَاجًا، وهي الآن تلتقيهم واحدًا بعد واحدٍ؛ ترتدي -مرّةً- ثياب المارينز؛ لتعقدَ صفقة إنشاءِ فصيلٍ مسلّح “نيو فيدراليّ”، ومرَّةً بثياب منظمة دوليةٍ؛ لإطلاق مشروع إدمَاجِ اللاجئين بخيامِهِم، ومرَّةَ بنظَّارةٍ سوداء، كما يرتديها مندوبو المخابرات الدولية، ومرَّةً على هيئة سمسارةٍ للسلاح الخفيف والمتوسط.

 

قاطعه جحا: هل بدأتَ تُنتِجُ برنامجًا للكاميرا الخفية؛ لِتُرعِبَ به الصائمينَ بعد موائد إفطارهم؟!

فابتسم حماره “المشرمحي”:

– الكاميرا الخفية لا تُصوِّرُ ما يحدثُ في الخفاء، وما خلفَ الكواليس.

سأله جحا السوريّ: وهل انتهت مهمَّات حِمَارِتِكَ المِغنَاج اللعوب.

نهق الحمار، قائلًا: قابَ قوسين أو أدنى من آخرِ عميل.

ثم التفتا، فشاهدا الحِمارَةَ مُقبِلَةً نحوهما، لا أثر للغنج والدلال والإغواء في خطواتها، حتى بادرها حمار جحا بسؤاله: “حنطة، ولّا شعير”؟!

قالت الحمارة وهي تتأفّفُ: أنجزتُ لكَ كلَّ الصفقات، ولكن…

فسألها جحا: ولكن.. ماذا؟!

قالت الحمارة: بعد توقيع الأوراق، أبدأ بإغوائهم؛ حتى يصيرَ تورطهم مُكتَمِلَ الأركان، وقد شَفَفتُ لهم، وشَفُّوا لي؛ واحدًا إثرَ ثانِيهِ، ويا خَيبَتِي ممَّا رأيت.

صاح جحا وحماره معًا: وماذا رأيتِ؟!

نهقت الحمارة بحسرةٍ: وَجَدُتُ جميعَهُم مَخصِيِّين!

ثمّ انخرطَت في ضَحِكٍ مديدٍ، وفي بكاءٍ شديدٍ.

 

*- من سلسلة حكايات “جحا السوري وحماره وقراقوش”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: navigate here
إغلاق