تحقيقات وتقارير سياسية

العفو الدولية: سجون النظام رحلة موت

في تقرير لها صدر الخميس 18 آب/ أغسطس 2016، تحدّثت منظمة العفو الدولية عن أوضاع السجون السورية، وطرق الاعتقال والتعذيب، وعدد الوفيات نتيجة لذلك، وقد استندت المنظمة في تقريرها إلى مصادر عدة، بما فيها شهادات عدد من المعتقلين السابقين.

 

وذكر التقرير أن 17723 معتقلًا قد قضوا بطرق مختلفة في سجون النظام السوري، وذلك منذ آذار/ مارس 2011، حتى كانون الأول/ ديسمبر 2016، حيث أساليب التعذيب القاسية التي مورست بوسائل متعددة، منها الضرب حتى الموت بالأسلاك الكهربائية أو قضبان السيلكون أو قضبان معدنية، واستعمال الصعق الكهربائي أو المياه الساخنة لدرجة الغليان، وعمليات الشبح والتعليق وإطفاء السجائر على الجسد، والتجويع وعدم وجود خدمات صحّية، كذلك العدد الكبير للأشخاص بالمعتقلات الأمر الذي يؤدي إلى اكتظاظ في مساحات صغيرة، وأيضًا حالات الاغتصاب التي تتعرض لها المعتقلات والمنع من استعمال الحمامات، وترك الجثث بين المساجين لفترات مختلفة، مع أساليب أخرى كثيرة تجعل المعتقل في كل لحظة عرضة للموت.

 

من المرّجح أن الأنظار ستتجه إلى حجم الرقم المرتفع الذي ورد عن الوفيات الشهرية بالسجون منذ انطلاق الثورة، وهو أن قرابة 300 معتقل يموتون شهريًا منذ آذار/ مارس 2011، بينما كان العدد من 3 إلى 4 معتقلين شهريًا خلال العشر سنوات الأخيرة، لكن وجب أيضًا التوقف عند الرقم الآخر، وإن بدا صغيرًا عن الوفيات قبل الثورة، إذ يمكن القول إن أسلوب القتل والانتقام من قبل النظام السوري من معارضيه هو سلوك قديم ومنهجي، وهناك من حاول توثيقه على الرغم من التعتيم الذي يتعمده النظام، ولعل جرائم السجون في سورية من أبشع الجرائم التي يمكن أن يُروى عنها كثير، ولكن مع انطلاقة الثورة بات الاعتقال جزءًا من حرب شاملة يشنها النظام على الشعب، ولم تعد تابعة لتقرير أمني أو انتماء لحزب معارض أو كتابة مقال ما، بل أصبح الاعتقال -إضافة إلى ذلك- يعتمد على مواصفات الهويّة الشخصيّة والانتماء إلى منطقة جغرافية محددة، قد تكون حارة أو بلدة أو مدينة أو محافظة كاملة، وإن أساليب التعذيب التي أورد جزءًا منها التقرير، أصبحت منهجًا يرغب النظام بتسريبها على ما يبدو لتأديب وترهيب عامة الناس.

 

إلى ذلك ذكرت وكالات الأنباء نقلًا عن فيليب لوثر، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة، قوله: “في الوقت الراهن يستخدم التعذيب في إطار حملة منظمة وواسعة النطاق، ضد كل من يشتبه في معارضته للحكومة من السكان المدنيين، وهو يعد بمنزلة جريمة ضد الإنسانية”، وحول المراحل التي يمر بها المعتقل منذ لحظة اعتقاله أضاف لوثر: “كثيرًا ما تكون هذه الرحلة مميتة، حيث يكون المعتقل عرضةً للموت في كل مرحلة من مراحل الاحتجاز”.

 

يُذكر في هذا السياق أن بعض الناشطين السوريين قد أطلقوا حملة مطلع العام الجاري، بعنوان (المعتقلون أولًا)، حاولوا من خلالها تسليط الضوء على هذه القضية، وطالبوا بعدم تحويلها من قضية إنسانية إلى قضية سياسية، تلك الحملة التي انطلقت من باريس مع مجموعة (ناجون من المعتقل)، تابعت مشوارها بالتعاون مع شبكة جيرون الإعلامية، في مركز حرمون للدراسات المعاصرة بمدينة غازي عنتاب التركية، وخلالها تم الاستماع إلى عدد من شهادات معتقلين سابقين في سجون النظام، منهم من اعتُقل قبل الثورة بسنوات طويلة، ومنهم من تم الإفراج عنه أخيرًا، وشهادات لمعتقلين من داخل مدينة دوما في الغوطة الشرقية، وقدّموا فيها عرضًا لما يجري في سجون السورية.

 

يُشار إلى أن النظام، ومنذ بدايات الثورة، قد أوغل في استعمال التعذيب والقتل في السجون، دون خوف من رادع أو قانون دولي، وكانت غايته -كما ذكرنا- الترهيب وبث الرعب في النفوس، بداية من اعتقال أطفال درعا الذين دوّنوا على الجدران بعض الشعارات، وتهديد ذويهم بمصيرهم، مرورًا بما جرى للطفلين: ثامر الشرعي وحمزة لخطيب، والتشويه المتعمد للجثث، إلى غياث مطر، وإبراهيم القاشوش الذي نُزعت حنجرته، وغيرهم كثير، أي أن أعدادًا كبيرة قد تعمّد النظام تسليمها بتلك الحالة المُرعبة والمؤلمة إنسانيًا؛ لاستعراضها كرسائل للمجتمع السوري، وللناشطين في الميادين السلمية كافة.

 

من الملفت أن صورًا للتعذيب والموت داخل السجون السورية قد وصلت إلى الهيئات والمنظمات الدولية كافة، وكذلك برلمانات وقادة دول، وخاصة أعضاء مجلس الأمن الدولي، وهنا يكفي التذكير بما سرّبه (القيصر) أو (سيزار) من 55 ألف صورة تخص حوالي 11 ألف ضحيّة في السجون السورية، ولكن ما زالت الهيئات كافة، تتعامل مع النظام -للأسف- بصورة شرعيّة، وما زال ممثلوه موجودون على مقاعدهم في تلك المنظمات، بل يُجبر ممثلو الشعب السوري على الجلوس برعاية دولية؛ لمحاورتهم كمندوبين لهذا النظام، وهي مؤشرات غير مُطمئنة عن مستقبل العدالة الدولية، إذ إن أي قرار دولي بشأن تلك الجرائم لم يتّخذ حتى اللحظة، وأن هذا التقرير لمنظمة العفو الدولية حول ما جرى ويجري في سجون النظام السوري، هو مجرد توثيق في سياق ما تمّ توثيقه سابقًا، ولا يُقلق النظام، على الرغم من الطلب بمحاسبته طالما أن العدالة معطلة لغايات سياسية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق