أدب وفنون

استجواب

حين فُتح باب المكتب، كان سامح يرتّب في ذاكرته تلك الكلمات التي تعينه -هنا في تركيا- على افتتاح يومه الصحافي؛ حيث العناوين تبدّلت، وتبدّلت معها النظرة إلى ومضات الثواني، أو نبضات القلب التي تبدّلت -أيضًا- إيقاعاتها، بين إيقاع شرقي وآخر غربي، وبين إيقاع أقرب إلى موسيقى الراب، وإيقاع يُدخل المرءَ في حلقات تصوّف، لا يعرف متى تقتحم دوّاماتها خلايا جسده المتعب.

فُتح الباب، وتأمل الجميع الزائر الذي لم تطأ قدمه العتبة بعد، فبقي خارج خط الميدان الذي يحكمه الإطار.

فُتح الباب، وللباب مع السوريين حكايات وحكايات، فحين تركوا أبواب أحلامهم مشرّعة، منذ آذار/ مارس عام 2011، لم يتوقعوا أن تقتحمها الدبابات وقطعان العسكر والشبيحة، وتعبث بمحتويات الأحلام؛ فأحلام السوريين تشبههم؛ بما اختزنته ذاكرة إنسانيتهم الممتدة -عميقًا- إلى مدنيّتهم الأولى: جيرون أو دمشق.

نظرنا إلى الزائر الذي أومأ لسامح بحركة واحدة؛ كي يلحق به، ثم غادر. خرج سامح، وترك الباب خلفه مستنفرًا؛ فكل الاحتمالات أمام السوريين ممكنة، وكل ما لا يخطر في البال ممكن أيضًا؛ ألسنا شعبًا يتسلى به القتلة، كما يتسلّى الطاعون بالجسد، قبل أن يرميه في محرقة الأوبئة؟

أبوابنا لم تكن يومًا آمنة؛ فمنذ عقود لا يملك السوري باب بيته، أو عمله، أو مدرسته، أو حلمه؛ هناك العسكر يمتلكون الأبواب والمفاصل والسياط التي قد تعصف -في أي لحظة- بالجسد، وهناك حيث لا حرمات لأبواب المعابد، ولا لمعابر الضوء والهواء، هناك في وطن قريب بعيد اسمه سورية، وشعب صرخ بأحرف مدوّية: حريّة؛ فإذا بالقاتل يجعل الوطن كله بلا حرمات أو أبواب، ويقذف السوريين بكل ما يمكن أن يعرّي ذاكرتهم، أو يجعلها خيط دخان، أو بقايا رماد.

دقائق وعاد سامح صامتًا هادئًا، لكن ابتسامته التي ألِفناها، كانت قد سقطت خلف الباب، على الرغم من أن أحدًا لم يسمع صريره! فأين ذهب سامح، وماذا جرى له؟

“استُدعيت لاستجوابٍ”، قال سامح.

في زمنهم الغريب العجيب حمل السوريون الملامح الباقية من ذاكرتهم زوادةً، تعينهم على شقاء الزمن الذي وُضعوا فيه؛ حيث أصبحت كلمة استجواب -مع مرور الزمن- تشبه كلمة مفقود، تشبه صورة “الأسد” في غرفة مدير المدرسة، وفي أروقة مكاتب الإدارة في جامعاتنا؛ تشبه وزراءنا ومديرينا، وسائقي سياراتهم، وتشبه مختار الضيعة والحارة، ومكتب حزب البعث، وحتى الحمّامات العامة، إن وجدت.

الاستجواب الذي جعل “حيطاننا” تركّب أذانًا لها، وجعل الرفيق الطليعيّ، كما الأكاديمي، يقف منتظرًا نتائج استجوابه؛ ليعبر نحو لحظةٍ أو يوم أو غدٍ، فيه شيء من الطمأنينة المغلّفة بابتسامات خادعة لمحققٍ مفترض. كان الاستجواب يبدأ بالتفاصيل التي تحدث في البيوت، حين يقف الأولاد أمام آبائهم متهمين؛ حتى بفاتورة الماء، أو بنسيان مصباح الغرفة مُضاءً، أو الواجب المدرسي غير منجَز، ثم كان الاستجواب بسبب طريقة النظر إلى تمثالٍ أو صورةٍ أو لوحة، تحمل اسم حديقة أو مستشفى أو ساحة؛ فقد أمضينا العمر نعتقد أن تلك التماثيل والصور، كانت تنظر نحونا لتتفحصنا وتستجوبنا، فنسير بجوار الجدُر كخيوط دخان، منبعثة من تلك الذاكرة الهشّة.

استجواب سامح، كان مثل عقدة استجواب السوري على الحدود، أو في “بلم” معرض لخطر الأمواج والغرق، أو في غابات أوروبا، وفي المطارات والمنافذ الحدودية وغرف التحقيق التي تمنح الإقامة، أو في لحظة ترتجف فيها اليد؛ لتسلّم جواز سفرٍ لقنصل أو موظف أو “آذن” أو بواب؛ في تركيا يستجوبك ناطور البناية، ثم مدير البناء، فصاحب المنزل، فبائع الأثاث المستعمل، حين تبحث عن مسكن للإيجار، وكذلك رجل الأمن، إن سافرت من محافظة إلى أخرى، ويستجوبك السوري الذي يوزع إغاثة للسوريين، والسوري المستجوَب قبلك حين يستقبلك عند باب مؤسسته، ذات الغرفتين؛ أسعفه التمويل بأن يمتلك فيهما بضعة كراسٍ، وصلاحية استجواب السوري، التي تبدأ بسؤال: من أين لك كل هذا القلق؟

استُجوب سامح لتأخره عن موعد دوامه، في بلاد لا يعرف لغتها؛ إذ خذله الباص، بلاد لا تستطيع فيها أن تستقل سيارة أجرة، لأن دخلك مستجوب -هو الآخر- قبل أن تقبض عليه، وفي بلاد لا خيار لك فيها أمام أشقائك السوريين، أصحاب القرار، إلا أن تكون مستجوَبًا حتى آخر العمر. لقد استطاع الأسد أن يأسرنا في متعة استجواب بعضنا بعضًا؛ حتى وإن كان المستجوِب والمستجوَب لا يملكان سوى ذاكرة مستنزفة، من هول الاستجواب وفرطه، لدرجة أنْ أصبحت دخانًا مبعثرًا.

عاد سامح إلى طاولته، وتناثرت بقايا ذاكرته، عندما تسربت من بين أصابعه ألوانُ قوسَ قُزح، وتلاشت عند مدخل جيرون؛ ليحل محلّها بابٌ مشرع على وطن يركب “البلم” في بحر مكتظ بالأمواج، ومزدحم بعواصف لن تهدأ حتى تُلغى غُرف الاستجواب الأولى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق