هموم ثقافية

الهروب إلى الصمت ومنه!

(1)

لم أعد أذكر تمامًا الأسباب المباشرة التي دفعتني، منذ أشهر عديدة، في لحظة يأس وعجز وشعور مرير بالا جدوى، إلى الصمت المر، لكن مرارة تلك اللحظة المأسوية مازالت مقيمة في كياني، بل تزداد مرارة مع كل يوم؛ حتى أنني لم أعد أسعى للهروب من الآخر، وحسب، وإنما بت أبحث عن طريقة ما للتهرب حتى من الذات!، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلًا، ما جدوى العودة إلى الكلام والكتابة، خاصة، وأنني مقيم الآن في عين العاصفة، في دمشق، حيث حقل الكتابة كحقل الألغام، لا تعرف متى تنفجر بوجهك الحروف ومقاصد الكلم، ثم ما الجديد لدي لأقدمه سوى تكرار مواقف وأفكار، فشلت -سابقًا- في ترجمتها إلى فعل إيجابي في الواقع الموضوعي، وأنا الآن أكثر عجزًا وعزلة من أي وقت مضى؛ إذن، قد تكون هذه العودة مجرد تعبير عن القلق الذاتي، فالصمت ضاق صبرًا بانفعالاتي المكبوتة، ولم يعد يطيق وجودي، لقد استقبلني كزائر موقّت لفترة محددة، ألملم فيها جراحي وخيباتي وفشلي، وآن وقت المغادرة، لكن إلى أين؟ إلى المجهول مرة أخرى.

 

لقد مللت من محاولات التطهر الذاتي، ومن إعلان البراءة من الجرائم والمجرمين والقتلة والمنافقين والفاسدين والمافياويين والناعقين والمرتهنين لأجندات خارجية، ومللت من تكرار الدعوة؛ لتأسيس مشروع حامل لأهداف الأمة على أسس راسخة، ومن منطلقات الأصالة والمعاصرة، وباتجاه غائية واضحة ومحددة، وفي كل مرة كان يتم النكوص بدواعي: أن الأحوال الموضوعية لا تسمح، وتلك الأحوال الموضوعية الآن، بالضبط الآن، أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لكن متى نفهم، ومتى نرتقي بالوعي إلى إدراك أن الأحوال الموضوعية بقدر ما تبتعد قوى التغيير الإيجابية عن الفعل فيها، بقدر ما يتيح ذلك للقوى السلبية أن تبث في تلك الأحوال الموضوعية سموم التخريب والفساد والممانعة والمقاومة، لكل ما هو إيجابي وتقدمي وإنساني، فالأحوال الموضوعية تكون -دائمًا- ملائمة لمن يفعل فيها، وبالتالي المشكلة كامنة فينا.

 

(2)

لقد اعتاد العرب تمجيد التراجع والعودة عن السلب والانعزال والخطأ، وحتى غفران الخطايا،  بتعبير: “والعود أحمد”، وهكذا، لا بد من الاعتراف بأنني -في الفترة الأخيرة- كنت أنتظر دعوة لهذه العودة عن الصمت؛ حتى لا أبدو وكأنني هُزمت مرة أخرى، وتراجعت من تلقاء ذاتي عن قرار اتخذته، ولعل ذلك كان تعبيرًا عن الذاتية المتورمة والمتفشية بين أبناء جيلنا الهرم، فعندما هُزمنا من قبل أجهزة الاستبداد المديد، وتم قمع مؤسساتنا التنظيمية التي كان من المفترض أن نعطيها ذواتنا، تراجعنا للانزواء داخل الذات التي كان عليها أن تحتوي المشروع موضوعيًا، وتحافظ عليه بسرية مطلقة، ولا تبوح به إلا في دوائر ضيقة، فباتت تلك الذات المفردة هي الموضوع، وهي القضية، وكأنها مركز الكون، ولعل ذلك يُفسر تلك الشخصانية المرضية المدمرة التي كشفت عن وجهها القبيح، مع بداية انطلاقة رياح الربيع العربي، لدى كوكبة واسعة من المناضلين والكوادر الذين قارعوا الاستبداد عقودًا طويلة، ودفعوا جل أعمارهم في السجون والمعتقلات والتخفي والأقبية السرية، هؤلاء الذين وقفوا مشدوهين، كل على طريقته، أمام مشهد ميادين الربيع العربي، كان من المفترض أن يتداعوا لتشكيل مظلة له، أن يكونوا بوصلة له، لكنهم -للأسف- حاولوا اقتسامه كل على مقاس شخصيته المتورمة السامية، يتبادلون الاتهامات، ويفتعلون صراعات أين منها داحس والغبراء؛ فضاعوا وضيّعوه، وكانوا -بدراية منهم أو بدون دراية- طرفًا إضافيًا مع الطغاة والغزاة على الربيع العربي، وليس مع الربيع العربي، على الرغم من كل هذا النعيق الإعلامي الذي ساهم في تشويه أنبل ظاهرة إنسانية، شهدها التاريخ الإنساني المعاصر، اعذروني لقد أخذتني مشاعري بعيدًا عن موضوع هذا الحديث، فالاستمرار قد يعيدني إلى قرار الصمت من جديد. المهم أنه، على الرغم من ذلك كله، كان قرار العودة عن الصمت محكومًا بعاملين مُلحين:

عامل ذاتي: تمثل بهذا الحنين المكبوت للحوار، وحتى للمناكفات، مع أعزاء غمروني -خلال فترة الصمت- بمشاعر نبيلة من الود والسؤال، والتخوف من أن يكون قد حدث لي مكروه ما، خاصة في هذا الوضع العصيب.

 

عامل موضوعي: فقد اكتشفت -من خلال الممارسة- أن للصمت عيوبه أيضًا؛ فهو في جانب منه محاولة لتعطيل الديالكتيك الإنساني، وهذا موقف سلبي.

 

(3)

هكذا، أرجو أن تكون هذه العودة “أحمد”، وهكذا أعود لتكرار محاولاتي بالاستقواء على المحن، من خلال ترديد عبارة: “إنها محنة وستمضي”، على الرغم من أن هذه المحنة النسبة إلينا، نحن -مواليد النصف الأول من القرن العشرين- باتت وكأنها مقيمة، رافقتنا منذ الولادة، وعلى ما يبدو نحن الذين سنمضي، وستبقى هي مقيمة، فعلى مدى تلك العقود المنصرمة كلها، كلما توهمنا أننا بتنا على أبواب النصر، نكتشف أننا نطرق أبواب هزائم جديدة؛ لذلك، غلبت علي تلك المشاعر الحزينة، بأننا سنورّث تلك المحن إلى أجيال عربية مقبلة؛ وبالتالي، قد يكون الصمت هو الأجدى، والأكثر تعبيرًا عن تلك المرحلة التي يحلوا لي أن أطلق عليها مرحلة المخاض، مع ما تحمله من نوبات ألم وصراخ، تسبق بريق عيون المولود ورنين صوته.

 

(4)

أقول ذلك حتى لا يظنن أحد -للحظة واحدة- أنني فقدت الأمل بغد عربي مختلف واعد، حتى عندما غبت، أو غيبّت نفسي في غياهب الصمت، ولكنني أعترف بأنني، وربما جيلي، فشلنا، وأن علينا أن نَصدُق الأبناء والأحفاد القول؛ كي يهجروا الطرق والأساليب الفاشلة التي سلكناها، كي يتغلبوا على المحن التي تغلبت علينا، نعم، لقد فشلنا في أن نضع قاطرة النهوض والتحرر والحرية على السكة، وفشلنا في بناء المشروع الذي ينقلنا من واقع المأساة المريرة التي كنا نساهم بتعميقها، عوضًا عن النضال للخروج منها إلى الحلم الذي راودنا، فسلكنا الطرق المسدودة كافة، باتجاه الغائية النبيلة، وسلكنا الطرق التي فُتحت لنا كافة، باتجاه الفتن والتناحر والتوحش، وباتت أرضنا وبحارنا وسماؤنا مسرحًا، يرتع فيه كل قراصنة الأرض، ونحن كأباطرة أثينا، عندما كانوا مشغولين بجنس الملائكة عن مواجهة الغزاة الذين يدقون أبواب مدينتهم، نحن أيضًا كنا ومازلنا مشغولين عن مواجهة الطغاة والغزاة الذين يدمرون حاضرنا، ويصادرون مستقبلنا بصراعات دونكيشوتية حول صراعات مضت عليها قرون من الزمان، أين كان الحق، وأين كان الباطل، منذ ألف وخمسمائة عام، ومن قتل من، ومن ولي الدم للأخذ بالثأر، وكيف نعثر على القاتل بعد ألف وأربعمائة عام، ومن كان أحق بالسلطة في ذلك الزمان، بينما نمارس كل صنوف الباطل في الحاضر الذي يسرح ويمرح فيه الغرباء والغربان، من كل أصقاع الأرض.

 

تلك كانت مشاعر اللحظة المرة التي دفعتني إلى الصمت، فأركان بيتي تهتز بفعل القنابل والانفجارات والصواريخ، لا أعرف من يطلقها، ولا أعرف إلى أين، فما فائدة الكلام إذن. نعم، هناك فائدة مرجوة، تتمثل في مخاطبة الجيل الجديد الذي عليه أن يخرج من تحت عباءتنا، وإذا كنا قد ورثنا مقولة: على الأبناء السير على خطى الآباء؛ نناشد الآن الجيل الجديد، وبرجاء أن يهجر الأبناء خطا الآباء، ويبحثون بأنفسهم عن الطريق القويم إلى الحرية الذي ضل الآباء سواء السبيل عن السير عليه؛ وبالتالي، نعتذر أمام هذا الجيل الجديد، ونقر بالفشل، ونترك له الأمر، علّه يمتلك الإرادة والقرار؛ لمصارعة المحن الموروثة والحاضرة والمستقبلية، وكل ما نستطيعه هو أن نطلب منه الغفران، ونضع ملفات تجاربنا بين يديه؛ ليتجنب الأخطاء والخطايا التي ارتكبناها.

 

(5)

لقد كانت أبرز دروس الصمت أن الإنسان لا يملك الاستقالة من مواجهة المشكلات والأفراح والأتراح والمحن، متى قرر ذلك، قد يحتاج -بين الفينة والأخرى- إلى خلوة شرعية مع الذات، لكن إلى حين، عليه بعدها أن يستأنف مواجهة المشكلات من جديد، بغض النظر عن الفاعلية والأثر لتلك المواجهة؛ وذلك حتى اللحظة التي يصدر فيها قرار الإقالة من هذه الحياة الدنيا، يأتي من حيث لا يحتسب.

 

هكذا أعود للبوح بما يُتاح لي البوح به، قبل أن تأتي ساعة الرحيل، بغض النظر عن الأثر الذي يحدثه ذلك البوح، فلعل ذلك يضع حدًا لجلد الذات، حتى لو رافقني الفشل إلى اللحظة الأخيرة، فلست الأول، ولن أكون الأخير الذي يغادر، وهو يئن تحت أوزار الفشل، ثم أن الفشل ليس سلبًا بالمطلق، فربما كان تراكم الأساليب الفاشلة مقدمة لإنارة الدروب المؤدية إلى النجاح أمام أجيال لاحقة، ثم أن الفشل يعني أنك حاولت وكسبت شرف المحاولة، المهم ها قد عدت، وكل ما أرجوه أن يكون هذا “العود أحمد”، لقد كانت أيام الصمت بالغة القسوة، وربما يكون الكلام والتحكم بالمشاعر أشد قسوة، لكن هنا، قد تشعر -على الأقل- بأن هناك من يشاطرك همومك وأحلامك بالتوافق مع أفكارك، أو بالتعارض معها، ثم -ربما- قد يؤدي هذا الجدل، أو يُساهم، من يدري، في إنارة طريق الخلاص.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق