تحقيقات وتقارير سياسية

بعد “فرقة كربلاء” سيل الجنازات قد يُجبر طهران على سحب “ميليشياتها” من سورية

تواجه إيران في سورية صعوبات كبيرة، في دفاعها عن نظام الأسد، فقد تحولت المعارك هناك إلى مقصلة، حصدت عددًا كبيرًا من رؤوس ميليشيات الحرس الثوري وحزب الله، والميليشيات العراقية والأفغانية الشيعية التابعة لهما؛ ما أجبر السلطات الإيرانية قبل أشهر ، لسحب بقية الناجين من “فرقة كربلاء” التي تكبدت خسائر كبيرة، ويدفع بالاعتقاد بأنها ستُجبر على سحب بقية مرتزقتها من سورية في وقت قريب.

 

تتكتم السلطات الإيرانية على العدد الحقيقي لأعداد قتلاها في سورية، وترفض نشر أي إحصاءات، لكنها تعدّ الثمن الذي تدفعه هناك “صغيرًا”، مقارنة بالمكاسب الاستراتيجية من قتالها إلى جانب نظام الأسد.

تحوّل تشييع جنازات الإيرانيين الذين يُقتلون في سورية، إلى مشاهد يومية في المدن الإيرانية التي تستقبل عشرات القتلى من عناصر الحرس الثوري والمقاتلين الآخرين. وتشهد يوميًا مدينة قم، المقدسة عند الشيعة، تشييع جثامين مقاتلين من عناصر “لواء فاطميون” و”لواء زنيبيون”، إلى جانب إيرانيين من عناصر الحرس الثوري.

 

يتكون “لواء فاطميون”، من عناصر شيعية من الجالية الأفغانية التي تُقيم في إيران، ينتمون إلى أقلية الهزارة الأفغانية، وتم تشكيل هذه اللواء بإشراف فيلق القدس الذي يقوده الجنرال، قاسم سليماني، بينما يتكون “لواء زينبيون”، من عناصر باكستانية شيعية، يتم استقطابها عن طريق الإغراءات بالإقامة والعمل والمنح الدراسية، بعد الانتهاء من القتال في سورية.

 

تزايد عدد القتلى الإيرانيين في الآونة الأخيرة باضطراد، خاصة بعد المعارك في مدينة حلب السورية، التي فقد فيها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، عددًا كبيرًا من مقاتليهم، إلى درجة أطلقوا فيها وصف “الجحيم” على المعارك التي جرت هناك مع الثوار السوريين، وأسفرت عن مقتل عدد من ضباطهم الكبار، منهم الجنرال داريوش درستي، الذي وصفه التلفزيون الإيراني بـ “البطل الذي سقط دفاعًا عن مزار السيدة زينب، ودفاعًا عن الأمن القومي الإيراني المهدد من “التكفيريين” في سورية”، والجنرال أحمد غلامي، أحد قادة لواء “سيد الشهداء” الذي قُتل دفاعًا عن “المقدسات”، إضافة إلى عدد آخر من الضباط الكبار.

وتتفادى الصحف الإيرانية نشر أي إحصاءات شاملة لعدد القتلى الإيرانيين في سورية، وتفرض السلطات ستارًا من السرية، وتمنع تداول الأخبار المتعلقة بالخسائر دون إذن منها.

 

وكان معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قد كشف في أيار/ مايو الماضي عن جانب من خسائر المقاتلين الشيعة غير الإيرانيين في سورية، ووصفهم في تقرير أصدره، بـ “اليائسين” الذين يقاتلون مقابل وعود إيرانية، بتوفير فرص العمل ومنحهم الجنسية الإيرانية، إضافة إلى قلة من الذين يقاتلون بدوافع دينية وعقائدية.

 

وبحسب التقرير، فإن معارك حلب تحولت إلى كابوس للإيرانيين وحلفائهم، وتفرض أعباءً نفسية كبيرة على عناصر الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، والمليشيات الشيعية العراقية والباكستانية والأفغانية، وقال التقرير: إن عدد قتلى هذه المليشيات كبير جدًا، مقارنة بخسائرهم في المناطق السورية الأخرى، وإن إيران عمدت إلى الزج بالعناصر غير الإيرانية؛ لتقليل خسائرها في منطقة حلب، خشية إثارة الرأي العام الإيراني.

أحصى تقرير معهد واشنطن “مقتل 1987 عنصرًا شيعيًا، بما فيهم عناصر من الجيش الإيراني، في الفترة ما بين كانون الثاني/ يناير 2012، وآب/ أغسطس 2016، اعتمادًا على إشعارات الوفيات الرسمية والتقارير الرسمية”، ما يفوق كثيرًا الرقم المعلن وهو 408 قتلى الذي تم الاعلان عنه رسميًا، منهم 229 قتلوا في ضواحي حلب، التي استنزفت المعارك فيها الإيرانيين وحلفاءها الشيعة.

وبحسب تقرير المعهد، فإن “خسائر معركة خان طومان أثرت على الرأي العام الإيراني، وشكلت نقطة فارقة، إذ كانت أغلبية الإيرانيين الذين قتلوا في تلك المعركة من أبناء محافظة “مازندران”، في شمالي إيران، وكانوا ينتمون إلى “فرقة كربلاء” الـ 25 في الحرس الثوري”، وقد أثارت هذه الخسائر موجة من الاحتجاجات في إيران؛ ما دفع الحرس الثوري إلى الاعلان عن سحب كافة أفراد “فرقة كربلاء”، إلى إيران، وهي المرة الأولى التي تلجأ فيها السلطات الإيرانية إلى سحب قوات لها من سورية بهذا الشكل، فالخشية من تفاقم غضب الرأي العام في محافظة مازندران، دفعتها إلى هذه الخطوة غير المسبوقة.

تعتبر طهران أن قتال جنودها وميلشياتها في سورية، قضية استراتيجية، لا تراجع عنها، وبحسب العميد أيراج مسجدي، كبير مستشاري “فيلق القدس” الإيراني، فإن القتال في سورية والعراق يهدف إلى الدفاع عن حدود البلاد، وإيجاد عمق أمني لها! وأشار إلى أن ما سماها بالتيارات التكفيرية) “تستهدف سورية والعراق؛ للاقتراب من الحدود الإيرانية”. مؤكدًا أن حلب والفلوجة، وبقية المناطق السورية والعراقية، “تُعدّ الخطوط الأمامية” لما وصفها بـ “جبهة المقاومة الإسلامية”، وهدد بأن قوات “الحرس الثوري” والباسيج (قوات التعبئة الشعبية) “ستبقى في ساحات القتال حتى القضاء على آخر عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية”.

وكان رجل الدين الإيراني مهدي طائب، الذي يترأس مؤسسة “عمّار الاستراتيجية”، لمكافحة الحرب الناعمة الموجهة ضد إيران قد قال في شباط/ فبراير 2013 “لو خسرنا سورية، لا يمكن أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان (الأهواز)، سنستعيده ما دمنا نحتفظ بسورية”، فسورية “هي المحافظة الإيرانية رقم 35، وهي محافظة استراتيجية بالنسبة لنا، فإذا هاجمَنا العدو بغية احتلال سورية، أو خوزستان، فالأولى بنا أن نحتفظ بسورية”.

أما قائد “الحرس الثوري” الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، فقال: “إن هدف القتال في سورية هو الدفاع عن (جبهة المقاومة الإسلامية)، والوقوف في وجه التهديدات قبل أن تصل إلى الحدود الإيرانية”، لافتًا إلى وجود رغبة لدى قوات الحرس الثوري البرية؛ للتوجه إلى سورية، وقال: إن عدّ البعض الحرب الدائرة في سورية شأنًا داخليًا هو “سذاجة كبيرة”، زاعمًا أن ما أسماه “الدفاع عن سورية”، سيمنع بلوغ التهديدات إلى أرض إيران.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق