قضايا المجتمع

صورة واحدة تفضح عورة الإنسانية

ومضى عام على تلك الصورة التي شغلت الإعلام والرأي العام، إنها صورة الطفل السوري إيلان وهو ممدد على الشاطئ، وقد قذفته الأمواج بعد أن غرق أثناء محاولته العبور من الشاطئ التركي إلى الشاطئ اليوناني بقارب تهريب مع أسرته، فشاءت الأقدار أن يعود جثة إلى تركيا، ويسافر صورةً إلى كل أنحاء العالم بقاراته الخمس.

منذ أيلول/ سبتمبر 2015، تسبح صورة الطفل إيلان شنو، ابن ثلاثة الأعوام في الفضاءات الإعلامية، إلى أن جاء فيديو الطفل عمران دقنيش، ابن ستة الأعوام، في آب/ أغسطس 2016، وبينهما جاءت مئات الصور والفيديوهات الموثّقة، لأطفال سوريين فقدوا حياتهم بطرق مختلفة، ومع مرور كل صورة أو فيديو مؤلم من سورية، كان بعضهم يقول: عسى أن يجد سبيله إلى ضمائر قادة الدول الفاعلة، وأصحاب القرار في مجلس الأمن؛ كي يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية تجاه الشعب السوري.

الطفل إيلان الذي هزّت صورته -حينئذ- المشاعر الإنسانية بلغاتها المتعددة، كان من المفترض أن تشكّل مرحلة فاصلة بالنسبة لما يجري في سورية، وخاصة أنه كان يحاول العبور نحو القارة الجارة التي تتصدر قائمة المدافعين عن حق الإنسان في الحياة والحماية، وقد وصل إلى أرضها، عبر البحار، آلاف الأطفال الهاربين من جحيم الحرب أو الجوع أو غيرهما، مما فرضه النظام السوري على شعبنا، بل إن مشاهد القوارب المطاطية وغيرها في عرض البحار، حين تقاذفتها الأمواج، وعلى متنها العشرات، قد صوّرت بكاميرات أوربية وُسجّلت آلاف النداءات لدى خفر السواحل، وهي تصرخ، وتتصل، وتطلب النجدة، كما اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي، على أعلى مستوى؛ لدراسة موضوع اللجوء نحو القارة الباردة، ولم تحرّك جارتنا الباردة دورة دماء دافئة للضغط؛ كي يتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاه شعب أعزل، استقوى عليه النظام بآلته العسكرية، مستعينًا بميليشيات طائفية متطرفة.

أمّا المفارقة الأهم أنه في أيلول/ سبتمبر 2015، تاريخ صورة الطفل إيلان، وعوضًا عن أن تحرّك المجتمع الدولي الجاد لنجدة أطفال سورية، جاءت الأمور مغايرة تمامًا، إذ في نهاية الشهر ذاته، أعلنت القيادة الروسية أن طائراتها ستُعين الأسد على المزيد من الدمار والقتل، وابتدأت جولاتها في سماء سورية، وحممها تغتال المزيد من الأطفال، إنه عام على صورة إيلان، لنسجّل -أيضًا- مرور عام على العدوان الروسي، فأين يبحث الأطفال عن بقية ضمائر إنسانية، تعينها على قضاء بقيّة عمرها، فقد صرّح ويليامس بيندلر، الناطق باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في الأمم المتحدة، أن العام الجاري (2016) سيكون “الأكثر دموية في التاريخ”، بالنسبة لمن يحاولون عبور البحر للوصول إلى أوروبا بحثًا عن الأمن، مضيفًا أن 11 شخصًا هو الرقم المتوسط لمن “يغرقون كل يوم على مدار الشهور الاثني عشر الماضية”.

لا يمكن وصف ما يجري من تجاهل دولي رسمي، وحتى شعبي، لما يجري في سورية، سوى أنه استخفاف بأرواح البشر لم يسبق له مثيل، كونه لا توجد طرق لتبريره، فإذا عدنا إلى تلك الصورة المشهورة للطفلة الفيتنامية (كيم فوك)، التي كانت تركض وهي عارية، بعد قصف طائرات كوريا الجنوبية، بتعليمات من القوات الأميركية لبلدتها بالنابالم الحارق، عام 1972، في أثناء العدوان الأميركي على فيتنام، فقد استطاعت هذه الصورة أن تكون سببًا لوقف تلك الحرب، لكن -في المقابل- ومنذ عدّة أشهر والصور تخرج من عدّة مناطق سورية عن استهداف الناس بالنابالم الحارق، وظهرت قبل عدّة أيام صور لأطفال بعمر شهور، من حي الوعر الحمصي، وقد احترقت أجسادهم بالنابالم، وكانت صور فيديو حيّة، أي أكثر ملامسة للوجدان من الصور الجامدة، والتي كانت بالأسود والأبيض، قبل أكثر من أربعين عامًا من عمر تلك الصورة الفيتنامية، وكان النظام السوري قد قصف شعبه بالسلاح الكيماوي، وانتشرت صور مؤلمة لعدد كبير من ضحايا ذلك السلاح الفتاك، جلّهم أطفال، ولم يتم التعاطي دوليًا مع هذا الموضوع بشكل جاد وحاسم، ثم جاءت صور قاسية من السجون السورية لحالات تعذيب حتى الموت، مع شهادات وتوثيق بالأرقام، وانتشرت في كل أنحاء العالم، لكن بقي الأمر عبارة عن استعراض للصور لا أكثر.

لا شك في أن صور الحروب كلها مؤلمة ومؤثرة في العاطفة البشرية السويّة، وأن الأسف الذي يتم التعبير عنه، في بعض التصريحات المحتجّة عليه، في كافة أنحاء العالم كافة، يحمل بداخله ليس أسفًا على من كان ضحية تلك الحروب فحسب، بل على من لا يزال يستسهل القتل، وعلى من يُشاهد ويصمت، بل ربما يُشجع على ذلك، وإن صورة الطفل إيلان وغيره، هي جزء من وثائق ستبقى في التاريخ الإنساني، كورقة اتهام لمرحلة هي الأكثر إيلامًا، وذلك أن الحرب العالمية الثانية، كانت سببًا في خروج نظام عالمي جديد، يُعنى بحقوق الإنسان، ويفضح جرائم الحروب. ومن جانب آخر، فإن ثورة الاتصالات لم تعد تسمح لأحد بتزوير الحقائق، وإن تدفق الصور اللحظي عبر وسائل الإعلام المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي، المبثوثة من داخل البيوت والحارات والمدن، تُلغي أي تبرير لمن بيده القرار أن يدفن رأسه في الرمال، كما يحدث مع مأساة السوريين، ويدّعي عدم معرفته.

سيبقى السوريون ينظرون إلى صور ضحاياهم الغرقى في المياه، على أنها محاولة لإغراق حضارة كاملة، هي حضارة شرقي البحر الأبيض المتوسط، وأن ذلك الصمت المشبوه على براميل النظام الأسدي وصواريخه، وهي تدمر معالم المدن، يصُب في هذا الاتجاه، باستكمال دفن تلك الحضارة ببشرها وحجرها، لكن من الواضح أن السوريين قرروا أن يبقى إيلان وغيره من أطفالهم، رُقمًا منقوشة عليه هذه الأسطورة السورية، التي نُقلت على الهواء مباشرة، وهي ستبقى أيضًا أيقونة شعب، قرر ألا يترك ضحاياه أرقامًا عابرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق