قضايا المجتمع

المؤسسات التعليمية في ولاية أنطاكيا (هاتاي) بين الرفض الاجتماعي وضيق ذات اليد

تبرز من بين المشكلات الكثيرة التي يعاني منها السوريون اليوم في تركيا، مشكلة التعليم بمراحله المختلفة، وتعود الأسباب إلى البون الشاسع بين ثقافة السوريين المقيمين، وثقافة المجتمع التركي المضيف.

 

فعلى الرغم من أن الحدود بين آخر قرية سورية، وأول قرية داخل الأراضي التركية، لا تتعدّى بضعة أمتار، إلا أن التباين جليّ في تفاصيل الحياة المتنوعة؛ وهذا التباين ألقى بظلاله على الواقع التعليمي للسوريين في تركيا؛ وتحديدًا في ولاية أنطاكيا (هاتاي) التي لديها إشكالياتها الخاصة مع هذا الملف بالذات.

 

تُعدّ مشكلة المدارس المختصة بتعليم السوريين واحدة من أهم هذه المشكلات، فالمدارس السورية في (هاتاي) غالبًا ما تكون مرتبطة بمنظمات خيرية داعمة؛ بالتالي، فهي تسير بحسب ما يريده الداعم –ذو التوجه الإسلامي في الغالب- وهو ما لا يروق لأهالي (هاتاي) بشكل عام، بمختلف طيفهم الديني.

 

(كانتونات) سورية في المحافظات الحدودية التركية

خلال السنوات الخمس الأخيرة، ونتيجة تنكيل النظام السوري بالأهالي، اضطرت أعداد كبيرة للنزوح من مدنها، وبشكل جماعي في غالبية الأحيان، خاصة حين يتركّز القصف على مناطق معينة، وهذه الموجات التي استوطنت المناطق الحدودية، ونتيجة لضخامة الأعداد، لم يكن من الوارد -قط- صهرها في المجتمع المحلي، فلا الخدمات المتاحة –التي هي أصلًا أقلّ من مثيلتها في الداخل التركي- قادرة على استيعاب هذه الأعداد الضخمة، ولا معظم النازحين السوريين لديه الرغبة في هذا الاندماج أصلًا!

 

هذه المعطيات، أدّت إلى ظهور مدارس خاصة بالسوريين، كوادرها من السوريين، كانت في البدايات بعيدة -تمامًا- عن إشراف الحكومة التركية، وكانت إدارتها منوطة بالقائمين عليها والممول (الداعم)، وهم من كانوا ينتقون كوادرها من مدرّسين وإداريين، ما أدّى إلى حالة من الفوضى في أداء هذه المدارس، خاصة مع انتشار المحسوبيات التي يفرضها الداعم، من جهة، وظاهرة بيع الشهادات المزورة التي أتاحت لأيٍّ كان، العمل في حقل التدريس. كلّ هذه الإشكاليات، دفعت بالحكومة التركية إلى فرض رقابتها جزئيًا، من خلال فرض مندوبين عن وزارة التربية التركية، في المدارس السورية، غير أن ذلك لم يفِ بالغرض، لأسباب عدة، من بينها تعارض ذلك مع رغبة الداعم.

 

بدأت الحكومة التركية بدفع رواتب شهرية للمدرّسين السوريين، مقدارها 900 ليرة تركية، وبتمويل من منظمة (يونيسيف)، تبقى سارية خلال أشهر الصيف، مقابل فرض مُدرّسين أتراك لتدريس اللغة التركية، حيث تُلزم الحكومة التركية المدارس بتعيين مُدرّسَين على الأقل مع المدير المنتدب، يتقاضون رواتب أعلى من زملائهم السوريين، فضلًا عن إلزام المدارس بتعيينهم، حتى لو توافر من المدرسين السوريين من هم قادرون على تدريس اللغة التركية.

 

طرأت تغيرات كبيرة على أسلوب إدارة المدارس، ولكن أجندة الداعم (الإسلامية) بقيت قائمة، كما أن بعض المدارس أهملت المواد العلمية والأدبية، لينصبّ اهتمامها على تدريس اللغة العربية ومادة التربية الإسلامية، فتراجع مستوى تعليم الطالب السوري وقلّت معارفه، في تجربة أشبه ما تكون بتجربة الكتاتيب، على الرغم من إمكانات أهالي معظم الطلاب المتفقة على ما يقدّم لأبنائهم من مادة علمية في المدارس!

 

رفض المجتمع المحلي وعدّها بؤرًا للتطرّف

بينما يحرص السوريون على الإبقاء على هذه المدارس لأسباب عدة، تتزايد مخاوف المجتمع المحلي في ولاية أنطاكيا (هاتاي) من انتشار هذه المدارس، خاصة إذا عرفنا أن أغلبية سكان الإقليم هم من العلويين، الذين يخشون من تمدّد التنظيمات الإسلامية في منطقتهم.

من أهم الأسباب التي تدفع السوريين للتمسك بهذه المدارس، هي الحاجز النفسي الرافض لتَقبّل فكرة البقاء خارج سورية، ما يعيق عملية اندماجهم في المجتمع التركي؛ حالة عدم الاستقرار هذه انتقلت إلى أبنائهم الموجودين في هذه المدارس، فباتوا يتعاملون مع الدراسة بحالة من عدم الجدّية، وأحجموا عن تعلّم اللغة التركية، كون نزوحهم موقتًا في نظرهم، وبقاؤهم في تركيا لن يطول.

هذه الفكرة، بحدّ ذاتها، لا تروق للأتراك، ويعدونها عائقًا في وجه سَرَيان القوانين التركية على “الضيوف” السوريين بشكل كامل، وتدهورًا في مقاييس علمانية الدولة التركية، كما أنهم يعدونها “بؤرًا للتطرف”، كونها تركّز على تدريس الديانة الإسلامية، دون خضوع هذه المناهج لرقابة الحكومة التركية.

من هذا المنطلق، يسعى الناشطون الأتراك لكسب تأييد الحكومة في دمج الأطفال السوريين في المدارس التركية، وهو ما بدأت الحكومة التركية العمل عليه، من خلال إلزام السوريين بإلحاق أبنائهم بالمدارس التركية، وجعل تدريس الصف الأول الابتدائي حكرًا على المدارس التركية.

 

الجامعات التركية حلم معظم السوريين

كثيرون هم الشبان والشابات الذين اضطروا إلى ترك دراستهم الجامعية، ومغادرة سورية على عجل، نظرًا لأن النظام صبّ جامّ حقده على هذه الشريحة العمرية، فالملاحقة الأمنية والسجن والتنكيل والاعتقال، وحتى الموت تحت التعذيب، كانت في الأعم الأغلب من نصيبهم؛ لهذا كان لابدّ من التضحية بحلم الدراسة الجامعية.

ولاختلاف نظام التعليم في سورية عنه في تركيا، بات من شبه المستحيل استئناف تحصيلهم الجامعي، حيث تبلغ تكاليف السنة الجامعية في الجامعات الحكومية قرابة 2500 دولارًا أميركيًا، وهو مبلغ باهظ، بالنسبة لأي عائلة سورية، خاصة أن الاعتماد على الذكور، ممن تزيد أعمارهم على 18 عامًا في إعالة أهاليهم، فهم -في هذه الحالة- سيخسرون دخلهم الذي ينفقونه على معيشتهم في تركيا، كما أنهم سيضطرون لدفع مبالغ باهظة كأقساط لجامعاتهم.

تبرز أمام الإناث مشكلة أخرى، وهي اتساع رقعة تركيا الجغرافية، وتوزع الجامعات على امتداد هذه الرقعة، فتتضاعف العقبات؛ حيث أنّ مقاعد السوريين في المفاضلة الجامعية محدودة، وهم متركّزون في الشريط الحدودي، ما يجعل فرص القبول في الجامعات الموجودة عند المناطق الحدودية تتضاءل، وبالطبع يصعب على الأهالي ترك بناتهم يلتحقن بالجامعات في مدن أخرى، قد تقع على البحر الأسود على سبيل المثال، لأن الموضوع يشكل عبئًا ماديًا إضافيًا،  علاوة على الأبعاد الاجتماعية لهذه المسألة، المرتبطة بالذهنية الشرقية لدى المواطن السوري، وحتى أعباء أجور النقل والسكن في ولايات بعيدة.

بين خوف الأهالي، والتكلفة المادية، حرمت الفتيات، بشكل عام، وخاصة أولئك اللواتي يعشن في إقليم “هاتاي”، نظرًا لكون معظم سكانه من ذوي الدخل المحدود؛ حرمت هذه الفتيات من حلم الدراسة الجامعية؛ ما أدى إلى انخفاض عتبة سن الزواج، خاصة مع حالة فقدان الثقة بالمنظومة التعليمية القائمة.

عقبات كثيرة تعترض سير العملية التعليمية، في شتى دول اللجوء، وبينها تركيا، وقد أتى تقرير اليونيسيف الأخير صادمًا حول وجود 2.6 مليون طفل سوري، خارج المنظومة التعليمية، غير أنّ الرقم مرشح للازدياد في الأعوام المقبلة مع بلوغ أعداد كبيرة من الأطفال “المكتومين” سن الدراسة في المرحلة الابتدائية..

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق