أدب وفنون

أنا والله في القارب

لا تصدقوني، على الرغم من أنني لا أكذب عليكم، كل ما في الأمر أني نجوت من موت محتَم حين تعرفت على الله في القارب، لا تصدقوني لأن رفاهية النجاة تفسح لمثلي رفاهية الكتابة عن الموت، فثمة لاجئون قبلي ماتوا غرقًا في البحر الأبيض المتوسط، ولم تتح لهم فسحة النجاة والكتابة، من مات قبلي في البحر يحق له الكتابة، وليس أنا، ولو أمام السماء.

كان الله معنا في القارب يحمي طفلتي، طفلتي التي أعيش لأجلها، بجانبي تمامًا تلهو وتنظر في عيني، أنا العاجز تمامًا عن حمايتها من أي غرق؛ فكيف بالبحر!

دموعي عنها لم أخبئها أبدًا، كنت معها أحاور الله، وما تبقى من أقوال خيَرة في هذا العالم المرعب، أزرق طويل عريض، وهواء غامض، وقلبي تابوت مؤجل، ولا معنى لأي شيء، لا معنى لأي شيء في تلك اللحظات، حتى صراخنا -قبل الموت- كان سيضيع في هواء البحر، كان كل شيء يوحي بالموت، ولم نمت.

الدمعة كانت قصيدة، خيمة، أنفاس من حولي، صراخ الألم، تكومت الأجساد على الأجساد

لا يهمَ، كان الله معنا، ومعه بعض الخير الباقي في هذا العالم.

أنا لا أهرب معك يا طفلتي، أنا أهرب لأجلك، أنا لك بحر وأنت نجاتي، كم أحبَك يا ابنتي!

ماج الماء والعمر، وتسرب ما تيسر منه إلينا، ماء الموت هذا لا ماء البحر، صرخنا جميعًا: يا الله..، أحد ما -ربما أنا- صرخ: فليسقط الطغاة جميعًا، وصمت الجميع، أيعقل وجود فروع استخبارات في البحر تتبع الطاغية!

في تلك اللحظات صرت بلا ذاكرة، لا أريد شيئًا شخصيًا من الحياة، أريد الحياة لابنتي أريد لها هواءً نظيفًا وحياة بكرامة.

تجمد قلبي، مال القارب، لا بل كان يرقص، دعاء الناس -هنا- بوصلة السائق، تجمد قلبي، تنفست الملح والبكاء، كان القهر دمًا في شراييني، نظرت إلى طفلتي وعاودت الإصغاء للرعب والله، كانت تبتسم وتراني نجاتها، وكنت أبكي العمر الذي جعلني أغامر بكل شيء؛ من أجل أن تصل إلى بلد آمن.

قال -مرةَ- أبو العلاء المعري:”ما أقَل العالم وأقَلني فيه”، وبرفقة الماء تدرك كم نحن نقاط صغيرة في هذا الكون، تتجمد الروح، ومع كل دقيقة سير في البحر تبدأ شمس الحياة بالعودة مجددًا إلى المخيلة.

في القارب المطاطي المعروف بـ “البلم”، تنظر إلى روحك في ضياعها الكبير، وتطلق صرخات النجدة وحيدًا، تتنفس وتتفقد جلدك، يديك، تحاصر بالأجساد، إنه اختبار وجودي محض، لم يكتب عنه سارتر ولا حتى إيريك فروم، أما وسائل الإعلام العالمية فرأت فيه خبرًا مشوًقًا.

تُرى من مات في البحر وأكلته الأسماك من سيكتب عنه، أيعقل أن هذا العالم فيه كل هذا العبث والقهر والموت، أيعقل أن تحتمل الكرة الأرضية كل هذا الرعب!

فكرة تراودني وأنا في القارب، أنا لا شيء، أنا كل شيء، أتفلسف، كمثقف فرنسي خرج من الحرب العالمية الثانية على قيد الحياة والحرية، أنا لاشيء، لكن ابنتي معي هي بالنسبة لي كل شيء.

ذاك النهار كان أول أيام عيد الأضحى، ومع لحظة تذكري للعيد، قال لي الهارب السوري، الذي تولى دور السائق: أرجو أن تركع لتتيح لي فرصة الرؤية أكثر، ركعت في أرض القارب، بعد دقائق تضاعف ألم الرجلين، هي عقوبة إضافية، ولكن تحملت مجبرًا كمعتقل؛ صرت أقرب من ابنتي؛ عيناها لمعتا أمامي كحياة جديدة.

قطعنا المياه الإقليمية التركية، هكذا قال أحد رفاق القارب، أنا أكره الجغرافيا والرياضيات والطغاة، دخلنا في المياه الإقليمية اليونانية، في كل هذا الماء لا توجد نوارس، لا طيور، صوت الموج ونور الشمس ونحن.

اتضحت معالم جزيرة “ليسبوس” اليونانية أكثر، تنفسنا الصعداء، جاري أبو مالك رمى دولاب النجاة في الماء، تبعه آخر بالفعل نفسه، سننجو، لا بل نجونا.

مخنوق، دمعي في حلقي يصرخ، نزلت محملًا بكل تاريخ القهر، حملت ابنتي ونزلنا معًا، نزل الجميع، نجوت مع أسرتي، زوجتي تحملت كل التعب، وترنحت على الشاطئ، إعلامية فرنسية وطبيبة نرويجية وكثير من الفيض الإنساني معهما، بكيت، بكيت، وصرخت كعاجز وحيد: يسقط الطاغية والطغاة.

لملمت دموعي، وتنفست الحياة، وبقي صوت الموج في الروح يعيدني إلى مرمى الحياة، نجونا يا ابنتي، كان الله معنا في القارب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق