قضايا المجتمع

يبرود أقدم استيطان للإنسان في التاريخ

يبرود، التي تبعد نحو 80 كيلو مترًا إلى الشمال من العاصمة السورية دمشق، واحدة من أهم وأقدم المواقع الأثرية السورية الأصيلة، ذات التاريخ المتنوع على امتداد عمرها الزمني، دلت الحفريات الأثرية التي أُجريت فيها على أنها أقدم سكن للإنسان في سورية؛ ما دفع بكثير من الباحثين المختصين بالتاريخ، وعلماء الآثار لدراستها، والبحث فيها عن دلائل توضح تاريخ الاستيطان في سوري خاصة، وفي الشرق الأوسط عامة.

الحضارة اليبرودية

اكتشف العالم الأثري الألماني، ألفرد روست، حضارة إنسان ما قبل التاريخ في يبرود، وتحديدًا في وادي “اسكفتا”، حيث وجد ثلاثة ملاجئ، فيها دلائل على سكن بشري كثيف ومتواصل، استمر أكثر من 200 ألف عام، أي: منذ العصر الحجري القديم الأدنى (الباليوليت الأدنى)، وحتى العصر الحجري الحديث (النيوليت).

أهم هذه الملاجئ، ذاك الذي يحتوي على 25 مرحلة حضارية، أقدمها المُميّزة بأدواتها الصوانية الفريدة، والتي أطلق عليها روست تسمية “الحضارة اليبرودية”. والتي استمرت لأكثر من 50 ألف سنة، قبل الانتقال إلى العصر اللاحق، وتبين من خلالها أن مستوطني يبرود لم يعتمدوا كثيرًا على الفأس اليدوية، بل استعاضوا عنها بأداة صوانية جديدة، هي المتحف اليبرودي متعدد الأشكال.

اكتشف روست أيضًا، أن إنسان يبرود كان أكثر تطورًا من إنسان “نياندرتال” الذي عاش في الحقبة الزمنية نفسها، وقد استوطن إنسان وادي “اسكفتا” في مغاور وكهوف، حفرها في الصخور الكلسية بأشكال هندسية، معظم سقوفها على شكل أقواس.

الشروط المناخية والجغرافية الملائمة للحياة البشرية، ساعدت في استيطان إنسان ما قبل التاريخ في يبرود، وأثبتت بعثة تابعة لجامعة كولومبيا عام 1964، وأخرى يابانية عام 1987، أن إنسان يبرود أقام أقدم حضارة حجرية صوانية في التاريخ البشري، استنادًا إلى مكتشفات أثرية عُثِر عليها، من بينها مقابر جماعية وفردية محفورة في الصخر إلى جانب الملاجئ، وتتمتع بأشكال هندسية مميزة، تدلّ على ذوق فني، وخصوبة فكرية، ومعتقدات دينية كانت موجودة في تلك الفترة.

التسمية

يعود أصل تسمية يبرود، إلى اللغة الآرامية، وتعني البرد، وورد ذكرها في كتاب “البلدان” للجغرافي اليوناني (بطليموس القلوذي) الذي عاش في القرن الثاني للميلاد، وفي العهد الروماني، صارت المدينة مركزًا عسكريًا مهمًا، وعُرفت باسم “يبرودا” أيضًا، وفي بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، تحولت يبرود إلى مركز لإحدى أهم الممالك الآرامية في بلاد الشام، وترافق هذا الصعود، مع ازدهار ملحوظ على المستوى السياسي والاقتصادي، ولا سيما أن معبد (إله الشمس) الذي أقامه الآراميون في وسطها، عُدّ الأضخم في تلك الفترة، وصار معبدًا لأكبر الآلهة الرومانية (جوبيتر)، ثم تحوّل مجددًا إلى كاتدرائية باسم القديسين: “قسطنطين” و”هيلانا” عام 331، ثم بُنيت فيها ست كنائس، أكبرها كنيسة القديس نيقولا.

خلال الثورة السورية، صارت يبرود مركزًا من مراكز الثوار في منطقة القلمون، وتسبب موقعها الاستراتيجي، على الطريق المطل على الطريق الدولي الذي يربط دمشق بوسط سورية والمنطقة الساحلية، إضافة إلى قربها من الحدود السورية – اللبنانية، بتعرضها لحملات عسكرية عديدة من النظام الأسدي، وسيطرت عليها قوات النظام، وقمعت المتظاهرين والثوار، كما دخل حزب الله اللبناني إليها في آذار/ مارس 2014، وتعرضت المدينة لأعمال تنقيب عشوائية، ونهب لبعض آثارها، خاصة في مواقع جبال اسكفتا، والقبع، وقرينة، وعقوزا الأثرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: see
إغلاق