قضايا المجتمع

التحديات المعاصرة والعقل الإسلامي

تعيش الأمة العربية والإسلامية -اليوم- أسوأ لحظاتها التاريخية منذ نشوئها؛ إذ تعاني من أزمات في مفاصل شتى من المعاصرة؛ وتقف في نهاية سلم الإبداع والتقدم والتنمية؛ علاوة على هزائم عسكرية؛ وحروب أهلية، وفشل في التنمية والرقي.

والسؤال: ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك والتراجع الفكري والتخلف الحضاري؟

لا شك في أن هناك عوامل ذاتية وأخرى موضوعية؛ وسأكتب -اليوم- عن الذاتي. أما الموضوعي، فهو نتيجة من نتائج الذاتي. أعتقد أن ذلك يعود إلى اعتمادنا واستسلامنا لأنموذج القرن الثالث الهجري، وهيمنته على منهجية التفكير الإسلامي المعاصر؛ وعدّه الأنموذج الأمثل، والمرجع، لنا في مواجهة أزماتنا؛ وهذا خلل.

صحيح أن ذلك العصر هو العصر الذهبي إسلاميًا؛ ولكن أن نجعل أدواته المثال في كل مقاربة لأزمة نواجهها؛ هنا يكون الخلل! وهذا ما دفع كل مَنْ جاء بعد ذلك العصر ليقلد نمطه في التعاطي مع أزماته؛ ويقيس عليه، متجاهلًا الفارق التاريخي بين شروط ذلك العصر وعصره؛ وأدوات ذلك العصر وأدواته.

طرق المعالجة والفهم كانت صالحة لزمانهم؛ ومجيبة عن أسئلة ملحة واجهتهم؛ ولكن المشكلة بمَنْ عدّ تلك الصياغة والمنهجية هي المعنى الحقيقي والوحيد للإسلام، وأن أي خروج عنه خروج عن الدين ومروق منه، وهذا ليس صحيحًا.

أولئك الأئمة كانوا عمالقة ومعاصرين حقيقيين لواقعهم؛ فحلوا كل المشكلات التي واجهتهم؛ ونجحوا بامتياز؛ فاستحقوا تلك الرمزية التاريخية؛ ولكن استحضار حلولهم وأقوالهم كأدوية لعللنا؛ يُعدّ خللًا كبيرًا، أوصلنا إلى ما نحن فيه، وشفاؤنا ودواؤنا لا وجود له في صيدلياتهم.

دولتهم آنذاك كانت الأقوى عالميًا، وليس لديهم مشكلات كمشكلاتنا، وبالتالي؛ فمقاربة عصرنا مع عصرهم مقاربة فاسدة، ونتائجها وخيمة؛ إذ إنك تقيس -في مقاربتك- مجتمعًا فاشلًا على مجتمع متطور؛ وفكر مبدع على فكر مقلد.

كما أنَّ تحديات عصرهم ليست كتحديات عصرنا؛ فـ “تحدياتهم كانت تتعلق بعالَم الغيب، وتحدياتنا بعالَم الشهادة”؛ تحدياتهم كانت معرفية لفهم السماء والإله؟ جاءت نتيجة اختلاطهم بالفكر اليوناني التجريدي، والهندي العرفاني، والفارسي التأويلي؛ فأوجدوا الإجابات المتحدية للعقل العربي آنذاك.

أما نحن، فالتحديات التي تواجهنا مختلفة تمامًا؛ فهي متعلقة بعالم الشهادة، لدينا تحديات في التنمية وحقوق الإنسان وفهم وظيفة المجتمع المدني، وعلاقة الدين بالسياسة، والحرية بمفهومها المعاصر، وصولًا إلى الديمقراطية، كمبدأ في معالجة الخلافات السياسية، وثقافة للتعامل في ما بيننا؛ ووسيلة ووظيفة لوأد الاستبداد المعشعش في بلداننا. في عصرهم دخلت الثقافة اليونانية مدار البحث، وولدت العلاقة مع المجتمع الهندي العرفاني والفارسي التأويلي أسئلة مهمة في العقيدة.

لما وصلوا الهند اصطدموا بمفهوم “وحدة الوجود”، وكان ذلك خطرًا على العقيدة، ففندوه؛ وفرقوا بينه وبين وحدة الشهود، وفي تلاقحهم مع التجريدية اليونانية؛ واجهتهم أسئلة في كيفية الذات الإلهية فأجابوا عنها؛ ولما اتصلوا مع الفرس، ظهر المعنى الظاهر والباطن للنص؛ فتصدوا له؛ وكانوا متميزين في الذّود عن الدين والاعتقاد؛ مقنعين لمجتمعهم؛ ووضعوا منهجًا للمعرفة، كان البلسم لتحديات عصرهم؛ حتى لا يتورط المسلمون في هرطقات وسفسطات هندية أو يونانية أو فارسية؛ وتمثل منهجهم المعرفي باعتماد القرآن الكريم على فهم السلف الصالح؛ والحديث الصحيح؛ وتقديم النقل على العقل من خلال اللغة العربية؛ فكان ذلك سدًا لذريعة تغلل تلك الهرطقات والسفسطات. حتى هنا لا مشكلة.

ولكنّ مقلديهم وقعوا في خطأ منهجي؛ إذ اعتمدوا كل ما نتج عنهم في التطبيقات والهيئات والفروع ملزمًا لنا؛ وهذه الأشياء قائمة على العُرف والعادات، وليس الدين؛ ثم أعطوا تلك التفريعات منحى القدسية؛ وأصبح مجرد نقاشها زندقة ومروقًا من الدين؛ حتى غدونا ملزمين بزي معين؛ وهيئات محددة؛ بحجة المحافظة على السُنة وتحريم تقليد الآخر، كما جعلوا منهجهم في المعرفة والمواجهة والفهم؛ منهجًا لازمًا لنا؛ حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ بحيث لا يجوز الخروج عنه.

حتى السلفية المعاصرة التي ترفض التقليد المذهبي ظاهرًا؛ غدت مقلدة بشكل كامل، فابن تيمية اجتهد لعصره لا لعصرنا؛ وعندما نعتمد على آرائه في حل مشكلاتنا، فهذه ردّة معرفية وتقليد غير جائز.

إنّ عصرنا وتحدياته ومشكلاته تختلف تمامًا عن أزمات وأسئلة ومشكلات عصرهم، ولذلك؛ كل ممانعة للعلمانية ممانعة فاشلة؛ لأنك تواجه العصر الحديث بأدوات ومنهجية مضى عليها ألف سنة؛ وكل رفض للديمقراطية على أنها شرك، هو شرعنة للاستبداد.

لدينا مشكلات حقيقية، لا عقاقير لها في صيدليات السلف (مع احترامنا لهم)، مشكلاتنا عناوينها واضحة؛ الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والحرية والمجتمع المدني والتنمية والأمم المتحدة؛ هذه لا وجود لها في قواميسهم؛ ولا يعرفون عنها شيئًا، وهذا ليس عيبًا فيهم؛ إنما عيب علينا؛ إذ إننا نبحث في المكان الخطأ.

لذلك نحن نعيش بعقلية محافظة ترفض المعاصرة؛ ولا تعترف بشروطها ومصطلحاتها؛ مكتفية بنفيها وتبديعها ورفضها؛ فرفض الديمقراطية يعني استمرار زواج المتعة مع الاستبداد؛ وليس القول بأن المجتمع المدني بدعة يكفي لإلغائه وانتفاء الحاجة إليه؛ وليس عدّ الحرية تحللًا كاٍف لمنع المطالبة بها؛ ولا الأممية بديل عن المواطنة في ظل تطور شكل الدولة؛ فلكل زمان دولة ومفكرون، وعلينا أن نعي تحدياتنا؛ لنضع لها سبل العلاج من خلال الواقعية والعقلانية وقانون حركة التاريخ، أما إن بقينا على ما نحن عليه؛ فمصيرنا أن نبقى خارج الحراك الحضاري، متخاصمين مع المعاصرة، وفاشلين في القدرة على التعايش معها.

إن العقل الإسلامي أمامه تحديات حقيقية يحتاجها المجتمع؛ كحاجته للتدين؛ وربما أكثر. هناك تحدي مفهوم المواطنة في ظل تعدد المكونات، وهناك تحدي حقوق الإنسان في ظل رقابة المنظمات الحقوقية على المجتمعات، وهناك مبادئ وثقافة الديمقراطية في السلوك السياسي، وهناك الدستور الوطني التعايشي الذي يضمن حقوق الجميع من كل المِلل والنِحل، وهناك المجتمع المدني ومؤسساته، وهناك العلاقات الدولية التي يقف منها مفهوم الولاء والبراء معاديًا، وهناك تسلط وكهنوتية “رجال الدين)” على الإبداع ومنعه، وهناك العلمانية بمعناها الحيادي وليس بمعنى معاداتها التدين، هذه تحديات وغيرها كثير، تواجه العقل والفكر الإسلامي، عليه الإجابة عنها بوضوح وشفافية، وإلا فإن مصير الإسلاميين خارج حركة المجتمع، إما محاربون له؛ لتبقى دورة التكفير والدماء والقتل والتفجير دائرة، وإما اعتزال المجتمع والعيش على هامش الفعل الاجتماعي والسياسي. إنها تحديات إنسانية الطابع؛ لا تقف حقيقة الدين ضدها؛ ولكن بعض العقول المتأسلمة تعاندها؛ وهي بذلك تعاند صيرورة اجتماعية حقوقية سياسية إنسانية؛ لن تستطيع هزيمتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: fazele lunii 2024
إغلاق