قضايا المجتمع

اليزيديون في ألمانيا: خوف تاريخي لا يزول بسهولة

هاجم (تنظيم الدولة الإسلامية – داعش) في الثالث من آب/ أغسطس 2014 مدينة سنجار، التي كان يسكن فيها قرابة النصف مليون يزيدي، ثم احتلّ الموصل، وفي ذلك اليوم، وقبله أيضًا، كان هناك كثير من الناس لم يسمعوا عن تلك الجماعة الدينية العرقية التي تُدعى (اليزيدية)، والتي يبلغ تعدادها في كل العالم حوالى مليون نسمة، وتتمركز بشكل رئيس في العراق وسورية، ولها وجود محدود أيضًا في دول أخرى، كتركيا وأرمينيا وروسيا وغرب أوربا، ولا سيما ألمانيا.

جاءت شهادة ناديا مراد، اليزيدية العراقية القادمة من جحيم سجون (تنظيم الدولة الإسلامية)، أمام مجلس الأمن؛ لتزيد من تسليط الضوء على اليزيديين ومآسيهم، خاصة مع استمرار وجود نحو ثلاثة آلاف من النساء والأطفال مختطفين لدى التنظيم، الذي قتل عددًا كبيرًا من الرجال في أثناء سيطرته على مناطق سكناهم.

تشير بعض التقديرات إلى أن عدد اليزيديين في ألمانيا يبلغ نحو أربعين ألفًا، يتمركز العدد الأكبر منهم في مدينة (سيل) التي تقع في ولاية (ساكسونيا السفلى)، ويميل هؤلاء إلى التجمّع مع بعضهم في مدن معينة، كشكل من أشكال الحفاظ على البقاء، خاصة أنهم لا يتزوجون من غيرهم من الطوائف أو الأعراق، ويرون في هذا التقليد حماية لهم من الذوبان في مجتمعات أكبر، ويُساهم حذرهم تجاه الغرباء والميل للعزلة، قولهم بأنهم تعرّضوا خلال تاريخهم لـ 72 إبادة جماعية.

وحول ما إذا كان هناك تغّير في النظرة تجاه الانغلاق في موضوع التزاوج والاختلاط، قال “روك” السوري اليزيدي، لـ (جيرون): “هذا الأمر مطروح للنقاش ضمن أوساطنا، وثمة حالات قليلة من الزواج حصلت مع أشخاص من غير اليزيديين”، وهذا ناتج ربما عن البيئة الجديدة التي يعيش فيها هؤلاء، فالحقوق الأساسية في ألمانيا تنص على حماية الحرية الفردية، كما أن الأطفال يدرسون في المدارس مع غيرهم من الألمان والأجانب، ويتشربون القيم الحضارية والثقافية الغربية، ويكبرون مع نظرائهم دون تفريق.

لا يمتنع اليزيديون من التزاوج مع غيرهم فحسب، إنما أيضًا يمنعون التزاوج بين الطبقات الدينية الثلاث، التي تشكل بنيتهم الدينية التراتبية، وهي طبقة (الشيخ)، و(البير) وطبقة (المريد)، وكل طبقة تتزوج فيما بينها فحسب.

قبل الثورة السورية، كان اليزيديون يهاجرون، لكن بأعداد قليلة، وكان العامل الاقتصادي الدافع الأكبر لهذه الهجرة، فالمهاجر اللاجئ كان يساعد أهله ماليًا، ويجد فرصًا لتأمين مستقبل أفضل، فضلاً عن الهجرة التي تنتج عن الدراسة في الخارج، ومن ثم القرار بالاستقرار، أما بعد الثورة، ومع اشتداد العنف، وتوسع حرب النظام، وتعدد فصائل المعارضة، جاءت حادثة خطف (جبهة النصرة) لشابين من الطائفة اليزيدية، ومن ثم قتلهما، في قرية (أسدية) الواقعة غرب رأس العين، في الشهر الخامس عام 2013، لتجعل التوجه نحو الهجرة أمرًا مستعجلًا ومصيريًا بالنسبة لليزيديين، تلتها حوادث أخرى، شكلت دافعًا مباشرًا للهجرة، ولم يبق منهم في ريف الحسكة أكثر من ثلاثة آلاف شخص.

كان عدد اليزيديين في سورية خمسين ألفًا، يقطن غالبيتهم في ريف الحسكة والشمال السوري، وهاجر الآلاف منهم إلى ألمانيا، فيما بقي بين 6 و7 آلاف في مخيم (نيروز) في المالكية في ريف القامشلي.

وفي العراق، لجأ آلاف منهم إلى مخيمات في ريف دهوك، وإلى تركيا، كما وصل الآلاف إلى ألمانيا خصوصًا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى عمومًا، عبر طريقين، الأول طريق الكفالة، والثاني طريق التهريب.

لكن إسماعيل، الشاب اليزيدي، الذي يعيش في مدينة (سيل) الألمانية، يطرح قضية سياسية – أمنية متداولة، من المفترض بحثها، وقال لـ (جيرون): “مازلنا نتساءل عن الأسباب التي جعلت مسعود برزاني يسحب القوات العسكرية (البشمركا) التي أرسلها بنفسه لحماية سنجار، وذلك قبل دخول تنظيم (داعش)؛ لأن هذا الأمر بالذات هو الذي جعل الطريق مفتوحًا أمام (داعش)؛ لترتكب جرائمها في سنجار، خاصة في كوجو أكثر القرى تضررًا”.

يُقدَّر عدد النساء والأطفال اليزيديين المختطفين الباقين عند تنظيم (داعش) بنحو ثلاثة آلاف، وتقول بعض التقارير إن هذا التنظيم يقوم بتدريب الأطفال وتهيئهم ليكونوا جزءًا من قواته، ويتاجر بالنساء كالعبيد، وقد هرب عدد منهن، كما أطلق التنظيم -في الآونة الأخيرة- نحو 200 يزيدية ويزيدي.

يتجه اليزيديون في ألمانيا نحو تعلم اللغة الألمانية بسرعة، بوصفها أهم عوامل الاندماج في الحياة الجديدة، ويتابعون حياتهم، حاملين معهم تاريخهم القديم والحديث، بكل ما يحمل من مآسي، ويرون أن خيار معظم الباقين في سورية أو في العراق هو الهجرة.

يرى اليزيديون أن شعبهم ودينهم قد وُجِدا منذ وجود آدم وحواء على الأرض، ويتحدثون اللغة “الكرمانجية”، إحدى لغات الأكراد الأربعة، قبلتهم ومركزهم الديني “لالش” في العراق، وأهم شخصيتين مقدستين عندهم هما عدي بن مسافر وطاووس ملك، وهم مثنيون، يواجهون الشمس في صلواتهم، التي تتضمن أدعية بالخير والحماية لهم ولباقي الطوائف في العالم، ويؤمنون بتناسخ الأرواح وبسبع ملائكة، ويصومون أربعين يومًا في السنة.

حين ألقت الناجية من الموت نادية مراد، أمام مجلس الأمن شهادتها، قدّمت أيضًا مطالبها للمجتمع الدولي بتوفير الحماية لقومها، وطالبت الدول الأوربية بفتح أبوابها أمامهم، وذكّرت أن ما تعرضت له مع قومها إبادة جماعية، وأشارت إلى وجود 16 مقبرة جماعية لهم، وطالبت المجلس بتحويل جميع مرتكبي الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية، وانتهت إلى أن تطالب أيضًا بإنهاء داعش نهائيًا.

عاش اليزيديون السوريون حقبة العهد البعثي، دون أي اعتراف بحقوقهم الدينية والقومية والثقافية، وكانت تُفرض عليهم دروس التربية الإسلامية في المدارس، وعانوا من التمييز العرقي والقومي في المدارس وفي الحياة اليومية، ما جعل أعدادًا منهم تمتنع عن إرسال الأولاد إلى المدارس.

يحرص عموم اليزيديون على التحدث بلغتهم في البيت والشارع، من باب الحرص على الإحياء الدائم لأحد مكونات الهوية اليزيدية، ويؤكد لطيف، وهو سوري يزيدي، من قرية في ريف الحسكة، كانت تضم عشرات البيوت، أن غالبية أهل القرية “هاجروا إلى ألمانيا، ولم يبق هناك سوى أمي وأبي، وهما عجوزان، ومعهما أقل من خمسة أشخاص في كل القرية، وأخشى على مصيرهما عند بزوغ فجر كل يوم”.ال

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق