مقالات الرأي

العنف اللغوي ودلالاته في المؤسسة العسكرية السورية

تشتهر المؤسسة العسكرية السورية ببذاءة الألفاظ التي يستخدمها الضباط في مخاطبة الجنود؛ إذ لا يمكن لأي سوري دخل هذه المؤسسة، إما عن طريق أداء خدمة العلم الإلزامية (الآن تجاوزت الأربع سنوات)، أو عن طريق التطوع، إلا وتعرض لعشرات الإهانات التي تنال من شخصه وكرامته وشرفه، وحتى من انتمائه لمدينته أو عشيرته، في بعض الأحيان. أما الشكل العام لتوجيه الألفاظ القذرة، فهو إما فردي يوجه للشخص مباشرة، في أثناء الدروس والتدريب، أو جماعي (وهو الشكل السائد) الذي يتحول إلى أسطوانة متكررة، تشكك بشكل دائم في عقل وأخلاق وكرامة العساكر؛ وحتى إنسانيتهم.

سنتوقف عند دلالات انتشار هذه العنف اللغوي في المؤسسة العسكرية السورية، والوظيفة التي يقوم بها، وتفسير الخلفيات التي أدت إلى بدهنته، ولا سيما أن هناك تواطؤًا مسكوتًا عنه، بين الضباط، على الاستخدام العنيف للغة التي يُخَاطب بها العساكر، يخفي نوعًا من التوجيهات غير المباشرة للتمادي فيها؛ حتى أن مستوى العنف اللغوي وصل في تلك المؤسسة إلى مستويات قياسية، قد لا نجد مثيلًا له في جيوش العالم اليوم.

كثيرًا ما يتندر الشباب السوري بعدد كبير من الإهانات التي تعرَّض لها في بداية خدمته العسكرية، في أثناء فترة التدريب في الكليات والمدارس العسكرية، أو ما يسمى بـ “فترة الدورة العسكرية”، من قبيل: ( اعتز بنفسك يا واطي)، ( أرفع رأسك يا ساقط)، (شغل عقلك يا جحش)… وهنا نجد أن الألفاظ القذرة المتداولة تنقسم إلى قسمين: الأول أسماء للحيوانات، مع التركيز على الحيوانات (الغبية) التي يسخِّرها الإنسان لخدمته (جحش، بغل، ثور، حيوان، بهيمة..)، وأسمائها الشعبية (فدّان، كِر..)، بالإضافة إلى أسماء الحيوانات السمينة أو ثقيلة الحركة (بطريق، دُب…)، أو الحيوانات والحشرات التي تعيش في الجحور والمجارير (جرذون، صرصور…). أما القسم الثاني فهو الألفاظ التي يُنادى بها العسكري وتنال من شخصه وكرامته واحترامه لذاته، من قبيل: (يا مسطول، يا واطي، يا سافل، يا منحط…). يضاف إلى هذا وذاك الكلمات التي تصف العسكري بالغباء، من قبيل (تنبل، لوح، مسطول…)، فضلًا عن بعض الإهانات الجنسية التي تستخدم ضد العساكر المجندين ذوي الرتب المتدنية.

على العموم، يمكن تحديد ثلاث سمات يمتاز بها العنف اللغوي المستخدم داخل مؤسسة “الجيش العربي السوري”:

أولها أنه بديهي، أي: تحوله إلى لغة طبيعية، تُستخدم من الضباط بشكل عادي ومُسلَّم به، بحيث لم يعد يفكر أحد في مشروعيتها، أو يتحسس منها، أو يحاول الرد عليها. أما الغاية الأساسية من بدهنة تلك اللغة، فهي تعويد الآخرين على تقّبل الإهانات، وتحويل قِلَّة القيمة إلى جزء من شخصية العسكري، لا مفكر فيه، بحيث يصبح من “طبائع الأمور”، إذا ما استخدمنا مصطلحات ابن خلدون في هذا المقام، يضاف إلى ذلك أن تبطين العنف اللغوي داخل لا وعي الناس، وإظهاره بوصفه أمرًا مُسلَّمًا به وبديهيًا، يعني -في النهاية- التسليم بشرعية صاحب خطاب العنف؛ لأن الهدف النهائي من العنف -عمومًا- هو “اكتساب الشرعية”، أي الاعتراف لصاحب العنف بالمكانة والسيطرة، والخضوع له خضوعًا يتناسب مع قوته وقدرته على استخدام العنف، وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية عندما تستخدم العنف اللفظي، فإنها تريد أن تثبت شرعيتها وسلطتها في أذهان المستمعين. فالقبول في النهاية بالألفاظ القذرة والمسبَّات، يعني -في النهاية- التسليم بهيمنة المتلفظين بتلك الألفاظ. يذكر أن هذا البعد الفلسفي والنفسي للعنف اللغوي غالبًا ما يغيب عن ذهن الجنود البسطاء، الذين يتعرضون له، فيظنون أن الأمر لا يتعدى الأخلاق السيئة للضباط وعنجهيتهم، فيلجأ غالبيتهم إلى تقديم الرشاوى لتحاشي غضبهم، وهو الأمر الذي يجعل الضباط يربحون مرتين؛ ولذلك، هناك قناعة لدى غالبية الضباط أنك كلما لجأت إلى العنف –المادي واللغوي– بالقدر المسموح به، كلما جلب لك ذلك مزيد من المنافع.

ثانيها الديمومة؛ لأنها لغة تُستخدَّم بشكل دائم، وألفاظها على لسان الضبّاط، من الصباح حتى المساء، بحيث أخذ هؤلاء الضباط تعويد أنفسهم عليها، والاقتناع بأنها اللغة الملائمة لمخاطبة الجنود في الكليات والمدارس العسكرية في أثناء التدريب، وتعود خطورة ذلك إلى أن العنف اللغوي المستمر، بالنسبة للضبّاط والجنود، يعيد تكوين الشخصية من جديد –كما يقول اللسانيّون وعلماء النفس– ويؤدي -في النهاية- إلى تلبُّس الشخص لتلك الألفاظ، بحيث يصبح العنف اللفظي العامل الأساسي الذي يتم التعامل من خلاله مع الآخرين والمحيط الاجتماعي، إلى أن ينتهي  الأمر بهم إلى العجز عن التواصل مع الآخرين خارج هذه اللغة وتنميطاتها؛ وإذا ما علِمنا أن بنية اللاوعي مكونة من اللغة –كما يقول جاك لاكان– أمكننا التسليم بأن الألفاظ البذيئة ستصبح جزءًا أساسيًا من فكرتنا عن ذواتنا أولًا، مثلما أنها ستكون جزءًا من علاقتنا بالآخرين ثانيًا. ولعل هذا ما يفسر –أيضًا- كثرة الألفاظ النابية التي يتداولها الضباط في الحياة المدنية، مثلما يفسر كثرة “النكت” الإباحية لديهم من جهة ثانية.

نشير هنا، إلى أن العجز اللغوي مزدوج، فهو يبدأ بعجز الضباط عن التواصل العقلاني والمنطقي مع الجنود، لأنه يحتاج إلى جهد عقلي وتدريب أخلاقي، لم يتلقوه أو يتدربوا عليه (وقد يكون هذا مقصودًا)، ولذلك تجدهم يستسهلون السب وعبارات التحقير والإذلال، ولا سيما أن لديهم صلاحيات توجيه الإهانات، ثم إن ذلك العجز يعود ويسيطر عليهم، ويطبع حياتهم، بحيث يتحول العنف اللغوي إلى أنموذج عام يتحكم بنظرتهم إلى الحياة، وهي نظرة تتمثل باحتقار المدنيين عامة، والاستعلاء عليهم، ثم يأتي العنف اللغوي ويزيد تلك النظرة تعجرفًا.

والثالث ترويضي، أي أنه لغة مخصصة لاستقبال المجندين عند دخولهم المؤسسة العسكرية. فاللغة البذيئة ترتفع وتيرتها وكثافتها عند بداية العسكرية، بغية تحقير القادم الجديد واستلاب أي استقلالية يحملها معه، وإحياء ما في داخله من نزعة حيوانية، سواء من جهة التوقف عن التفكير حتى في أبسط الأمور والقضايا التي تستدعي التفكير، أو من جهة السلوك وفق سلوك الحيوانات، واستخدام الأيدي والأرجل والصياح كطريقة للتعامل مع المحيط، ونسيان كل ما له علاقة بالأخلاق والتهذيب والعقلانية. هكذا يصبح العسكري بعد أشهر قليلة إنسانًا آخر، لدرجة أن كثيرًا من العساكر يتحدثون عن سحر البدلة العسكرية، وكيف أنهم بمجرد ما يلبسونها يتحولون إلى أشخاص مختلفين تمامًا عما كانوا عليه، وأنهم يعودون إلى إنسانيتهم بمجرد العودة الحياة المدنية ورمي البدلة العسكرية.

وإذا ما عدنا إلى تحليل ماهية العنف اللغوي، فإننا نجد أن أهمية الإهانة تعود إلى أن الشخص المُهان يكون أمام خيارين لا ثالث لهما، فهو إما أن يرد الإهانة وينتصر لكرامته ويتحمل العواقب، وإما أن يقبل الإهانة ويتخلى عن كرامته. والمشكلة -هنا- أن الخيار الأول ليس له أي قدرة على الاستمرار، لأن الشخص في هذه الحالة سيتعرض لإهانة ثانية وثالثة إلى أن يسلم كرامته ويرتاح بعدها؛ فالنتيجة في الحالتين هي تعوّد المجندين على استدماج تلك الإهانات داخل ذواتهم والتعايش معها، بل والتفكير في مزايا تقبل الإهانة، واستغباء كل من لا يسير في هذا الطريق.

على العموم، تُذكّرنا هذه اللغة التي يُخاطَب بها الجنود بلغة عصور الإقطاع والعبيد، حيث يُخاطَب العبيد والفلاحون بوصفهم أشياء وليسوا بشرًا؛ الأمر الذي يدفعنا إلى التدقيق في طبيعة المؤسسة العسكرية السورية ونظرتها إلى لسوريين المدنيين عمومًا؛ فمن الواضح أن تلك اللغة تنم عن نظرة العسكر الفوقية (عززها الأسد منذ السبعينات)، التي ترى أن الشعب السوري بحاجة للوصاية عليه من المؤسسة العسكرية، وأن هذه المؤسسة هي سيدة الموقف تمامًا، وما على الفئات الأخرى سوى الطاعة العمياء والخضوع التام؛ فهذه اللغة هي إحدى تجليات حرب حقيقية –خفية وعلنية– أعلنها حافظ الأسد على المجتمع السوري عمومًا، منذ توليه السلطة، ونجاحة في موجة الاغتيالات التي صفّى من خلالها كل منافسيه الآنيين والمحتملين آنذاك، وتربعه على عرش سورية حاكمًا مطلقًا، لم يعد له من عمل سوى الإشراف على تدجين وإفقار السوريين؛ لكي لا تقوم لهم قائمة.

وجد التنظيم الأسدي ومؤسسته العسكرية أن العنف اللغوي من الوسائل المهمة في القضاء على فردية الناس وتدجينهم وخفض مستوى كرامتهم، ودفهم للخضوع والخنوع، وتشييئهم (أي تحويلهم إلى أشياء والمصطلح لهربرت ماركيوز)؛ فاللغة من أهم وسائل التدمير المعنوي والروحي، كما تؤكد الدراسات النفسية والعصبية المعاصرة، بل إن تلك الدراسات اكتشفت أن تأثير اللغة القذرة لا يختلف عن تأثير الضرب المبرح على الإنسان؛ لأن كل من الألفاظ القذرة والضرب المادي يؤديان إلى التأثير العصبي نفسه على الإنسان، والتغيرات نفسها في الشرايين والضغط الدموي؛ فاللغة –كما تعتقد المدارس النفسية الحديثة– هي صلة الوصل بين الجسم والعقل، وهذا يعني أن لها تأثيرًا جسديًا، على دماغ وشرايين وأعصاب الشخص، يتعدى مجرد الحديث عن التأثير المعنوي أو الرمزي، مثلما هو الاعتقاد الشائع، يضاف إلى ذلك، أن اللغة – كما يقول (فتجنشتين) هي الفكر متجسدًا، أي: القالب الحسي للعقل، وهذا يعني أن اللغة هي التي تكوِّن عقولنا وتفكيرنا ومشاعرنا وعوطفنا، أي: أنها هي التي تشكل شخصياتنا ككل؛ ولذلك فإننا نعتقد أن تحديد دور اللغة، ومن ثم العنف اللغوي، أمر لم ينل ما يستحقه من التحليل، ولا سيما أنه واسع الانتشار في سورية.

يضاف إلى ذلك أن العنف اللغوي يمتاز بقلة تكاليفه وقوة تأثيره، فهو بعكس العنف المادي الذي يحتاج إلى أعمال قتالية مكلفة، لا يحتاج سوى للسان بذيء (وسخ)، طالما أن ميزان القوة يسمح بممارسته، وهذا يعني أن العنف اللغوي ليس أقل تكلفة من العنف المادي وآثاره التدميرية على الصحة النفسية للناس فحسب، وإنما يعني أنه أسهل أيضًا، لأنه لا يحتاج لأي تدريب أو تأهيل، فـ “أي شخص” يمكن أن يقوم به، وهذا ما يفسر بالنسبة لـ (بورديو) و(فوكو) انتشاره وصعوبة اقتلاعه.

يُعدّ الضباط والقادة العسكريون من الفئات المستعدة، اجتماعيًا وسياسيًا، للقيام بهذا العنف اللغوي، والتمادي فيه إلى أقصى درجة يريدها التنظيم الأسدي.

ويعود الاستعداد الاجتماعي هذا إلى أن العسكر من الفئات السورية غير المتعلمة في الجامعات، ودرجاتها في الثانوية العامة غالبًا ما تكون متدنية، وعلمها يقتصر على الكليات العسكرية، وهي كليات شبه أمنية، لا تقدم أي نوع من التعليم العسكري الحقيقي، إلا في حدود ضيقة تقتصر على تلقين بعض الدروس، وتداول الكراسات المهترئة من كثرة تداولها، والتدريب على بعض الأسلحة التي كانت تستخدم في الحرب العالمية الثانية، حتى أن غالبية الضباط ينظرون إلى تلك الكليات على أنها أماكن للتعرّف على بعض المتنفذين، والتخطيط لمستقبلهم عبر بناء شبكة من العلاقات المصلحية، تضاف إلى ذلك البنية الطائفية “الحاضرة ضمنيًا” للجيش “السوري” التي تزيد من احتقار الأكثرية.

كل تلك العوامل مجتمعة، جعلت العسكر حاقدين على باقي المجتمع، الذي “حرمهم” من الجامعة، ومن الحياة المدنية السهلة والناعمة، بالقياس على الحياة العسكرية القاسية، ولا سيما أنهم يعرفون -في قرارة أنفسهم- أن المجتمع المدني لا يحترمهم، بل يخافهم.

زاد من حقدهم وتوترهم أنهم يعرفون تمام المعرفة، أنهم دون غيرهم، فهم المسؤولون المباشرون عن هزائم عام 1967 و1973، وزاد الأمر تعقيدًا شعورهم بأنهم السند الرئيس لنظام قمة في الفساد والظلم، وأنهم مرغمون على خدمته ورفع شأنه وتثبيت دعائمه؛ ولذلك لم يجدوا ما يمنع من متابعتهم للدور الذي يمررون من خلاله توبيخهم وتتفيههم للمجتمع المدني، خاصة أنهم يعلمون أن كل مدني ذَكر، لا بد أن يأتي إليهم؛ لأن الخدمة العسكرية إلزامية في سورية.

أما الاستعداد السياسي، فيكمن في أن لدى غالبية العسكر قناعة متأصلة في لا وعيهم، تقول: إن السياسة وقيادة المجتمع يجب أن تكون لهم، أيًا كانت الوسائل، وهذه قناعة راسخة متأتية من أن غالبية الأنظمة في الدول الدكتاتورية الحديثة والقديمة هي أنظمة عسكرية.

منذ بداية الثورة في ربيع 2011 لجأت المؤسسة العسكرية والأمنية إلى استثمار العنف اللغوي المتداول داخل تلك المؤسسة، وإعادة توجيهه باتجاه المدنيين والمتظاهرين لتخويفهم، فانتشرت الألفاظ القذرة على أوسع نطاق، وفي مراكز احتجاز المتظاهرين كافة، بحيث وصلت قذارة العبارات إلى مستويات غير مسبوقة، تناولت الأعراض والمذاهب الدينية والانتماءات المناطقية والعشائرية. كما ظهرت عبارات من قبيل: “الأسد أو نحرق البلد”، “مطرح ما بدوس نحنا نركع ونبوس”…إلخ، في حرب كلامية أخرجت ما في النفوس إلى العلن، وأماطت اللثام عن نيات كان السوريين يعرفونها، ولكنهم كانوا يتجاهلونها، أو يؤجلون التفكير فيها بينهم وبين أنفسهم.

في النهاية، يتضح لنا أن التنظيم الأسدي شجع على العنف اللغوي، وحوَّله إلى منهج عام لزرع التمييز والشقاق بين مختلف الفئات العسكرية أولاً، وهي إحدى الأسس التي حكم التنظيم الأسدي من خلالها البلاد (فرق تسد)، وثانيًا لتدمير البعد الأخلاقي والإنساني والعقلاني لدى العساكر، وتحويلهم إما إلى عبيد، لا يعرفون سوى الطاعة والخضوع والخوف لرؤسائهم، أو إلى وحوش ومجرمين مأجورين إرضاء لرؤسائهم، بحقيقة أن قيمتهم ومكانتهم أصبحت تأتي من رضا رؤسائهم عنهم ومدى تقييمهم ايجابيًا أو سلبيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. تنبيه: mooie blote borsten
  2. تنبيه: view publisher site
إغلاق