مقالات الرأي

مفهوم الزعيم حول العالم

التقيت الزعيم نلسون مانديلا، رئيس جمهورية جنوب أفريقيا، في دولة الإمارات، عندما كنت أعدُّ وأقدّم برنامجًا بعنوان “المنعطف”، وكان ذلك في الشارقة في أيار/ مايو 2001، وملخص الحوار الذي أدرته بشغف، قال فيه مانديلا: “كنت أنتقل من سجن إلى آخر، ولمدة 27 سنة لم أشعر خلالها بفقدان الأمل، كانت العنصرية البغيضة التي يمارسها السكان البيض على السكان الأصليين السود، هي القضية التي شغلتني طوال الوقت، وكنت أتساءل: لماذا لون جلدنا يميز بيننا وبينهم، إنّ لون جلدنا ليس له علاقة مطلقًا بقدراتنا العقلية، ولا بأجهزتنا البيولوجية، إن الفرق بيننا وبينهم هو في أنهم سبقونا في المعرفة؛ بسبب أحوال لا علاقة لنا بها، ولا يجب أن تكون ميزة لهم علينا، بل كان عليهم أن يأخذوا بأيدينا لامتلاك المعرفة؛ إذ ليس المعلم أفضل من الطالب الذي يعلمه، لم أفكر يومًا في مستقبلي الشخصي، وإنما في مستقبل الشعب الذي أنا مجرد فرد فيه، وقد أموت قبل خروجي من السجن، لا أحب كلمة زعيم أو قائد، كان حلمي أن أسترخي في المنزل ذات يوم، وأقرأ الكتب التي أحبها بهدوء، وأشمَّ رائحة الطبخ الذي يغلي في القدر، ولقد تحقق لي ذلك، وأنا حاكم لجنوب أفريقيا، التي انتصرت -أخيرًا- على العنصرية، بفضل نضال الشعب وصبره، وأصبحت أذهب مع زوجتي وأبنائي إلى الأماكن البسيطة التي تربيت فيها، وأستمع هناك إلى الرجال والنساء العجائز، وهم يروون قصص ما قبل الاستعمار والفصل العنصري، أنا مجرد شخص عادي أتيحت له الفرصة؛ ليقود بلده إلى الديمقراطية، ثم عليه أن يُخلي الكرسي لقيادة أخرى، ينتخبها الشعب.

التقيت -في المقابل- حافظ الأسد في قصر المهاجرين عام 1980، وكنت يومها أُعدّ وأقُدّم برنامجًا اسمه “السالب والموجب”، وعلى مدى ساعة ونصف، حدثني عن انشغاله بقضية فلسطين، وقال: “إن إيران هي وحدها الصادقة في معاداة إسرائيل، ولذلك أقف إلى جانبها ضد صدام حسين، الذي زعم أنني تآمرت مع بعض وزرائه على قتله، فقذفهم من نافذة الطابق الثالث إلى الأرض”، وتحدث عن صلاح البيطار الذي تآمر عليه -أيضًا- مع الدول الغربية؛ فاضطر إلى إرسال من يقتله، وعندما رويت له وحشية ضباط الأمن وفسادهم، ضحك، وقال: “هؤلاء شباب، ولهم أمزجتهم المختلفة عنا نحن الكهول”، سألني: “لماذا لم تنتسب لحزب البعث؟” قلت: “كي لا أكون مُقيّدًا كصحافي يبحث عن الحقيقة”، مرة أخرى ضحك، وقال: “لكنك بعثي، وإن لم تك حزبيًا، قلت له: “الناس فقراء وينتظرون منكم ضرب الفساد، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة؟”، أجاب: “لابد أن نشدّ الحزام على بطوننا؛ من أجل التصدي لإسرائيل والغرب وعملائهم في الداخل، وخصوصًا عصابة الإخوان المسلمين!!” وقال أيضًا: “لقد أنهكت الانقلابات والمؤامرات سورية، ولن أسمح بانقلاب جديد الآن، وإلى الأبد”، وقال كذلك: “إنني أوصي ضباطي بأن يُربّوا أولادهم على الولاء للوطن، ليحلوا محلهم، كما أفعل مع أولادي”.

سألته عن حرية الصحافة، وكيف يعرف حقائق ما يحدث وأحوال الشعب، أجاب: “إن لكل بلد ظروفه، ونحن في سورية لدينا ديمقراطية أفضل من الغرب، من خلال منظماتنا الشعبيية، يستطيع أي عامل أو فلاح أو طالب أو عسكري رفع طلباته ومظلوميته عن طريق منظمته إلى القيادة القطرية؛ فيصلني كل ما يريده باعتباري الأمين العام”، ولم أجرؤ -بالطبع- على سؤاله “هل أنت باق إلى الأبد؟”.

رئيس وزراء بريطانيا، دايفيد كاميرون، قدم استقالته طوعًا في حزيران/ يونيو العام الجاري، بعد أن أظهرت النتائج النهائية لاستفتاء الشعب البريطاني فوز معسكر “الخروج” من الاتحاد الأوروبي، بنسبة 51.9 بالمئة، مقابل 48.1 بالمئة، من الأصوات لصالح البقاء، وهو مثال على سلوك زعماء الدول التي يحكمها دستور ديمقراطي، وليس مزاج زعيم.

وبالعودة إلى زعماء تاريخيين، غيّروا تاريخ شعوبهم، نختار الزعيم الهندي الشهير، المهاتما غاندي، المولود عام 1869، والراحل عام 1948، والذي كان سياسيًا بارعًا وزعيمًا روحيًا للشعب الهندي، فترة حركة الاستقلال؛ هذا الرجل اكتسب شعبيته من خلال نضاله اللاعنفي الدؤوب في بلاده الهند، ومن قبل في جنوب إفريقيا، حيث عمل هناك مع مئات آلاف العمال الهنود الذين هاجروا طلبًا للرزق، وتعرّضوا، كما أصحاب البشرة السوداء من أصحاب البلد، وكما بقية الجاليات الإفريقية والآسيوية، للاضطهاد العنصري من المستعمرين الإنكليز.

في جنوب إفريقيا استغل معرفته بالقوانين البريطانية، كونه محاميًا دارسًا في إنكلترا؛ للمطالبة بحقوق تلك الأقليات، وخاصة الجالية الهندية، وهو لم يترك جنوب إفريقيا إلا بعد أن ضمن العدالة للهنود هناك، وبعد عودته إلى الهند عام 1915، قام بتنظيم احتجاجات للمزارعين والعمال، ضد ضرائب الأراضي المفرطة والتمييز في المعاملة، وبعد توليه قيادة المؤتمر الوطني الهندي عام 1921، قاد حملات وطنية مستمرة ضد الممارسات القمعية لسلطة الاستعمار، وعمل على تمكين السلم الأهلي، وإشاعة روح التسامح والمحبة بين مكونات الشعوب الهندية، متعددة القوميات والأعراق والأديان، وقيادتهم في العصيان المدني والإضراب عن العمل والتظاهر والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين، بادئًا بنفسه كأنموذج للقائد الزاهد في لباسه وطعامه وسكنه، وقد قرر الصيام عن الطعام حتى الموت في سبيل أن لا تتجزأ بلاده إلى باكستان والهند، لولا المظاهرات العارمة التي أجبرته على وقف الإضراب، وأخيرًا قتله أحد الهندوس المتعصبين عام 1984، وهو في سن 78 عامًا، لم يجلس خلالها على كرسي الحاكم.

في معجم اللغة العربية، تعني كلمة زعيم “الضامن والكافل لغيره”، ولاتعني بالمطلق “المستبد الطاغي على غيره”، وعليه، فإن الزعامة تليق بأشخاص قادوا بلدانهم وشعوبهم إلى الحرية، ومهّدوا لها وبها سبل التقدم والرفاه والكرامة، ولا شك في أن الزعامة لا تُورّث، ولاتكون إلى الأبد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

إغلاق