هموم ثقافية

لماذا نكتب

بداية لست في وارد نعي الثقافة والكتابة والفن والأدب -بكل تنويعاتها وتلويناتها- وإعلان وفاتها وانتهاء دورها الريادي والتنويري في مجتمعنا. الكتابة لم تكن أبدًا -ولن تكون- مجرد حالة من الترف والرومانسيات والأحلام، بل هي فعل إنساني كاشف للقبح الذي يعتري الإنسانية، ويشوه توجهها وأهدافها السامية، وإظهار الوجه الإنساني الإيجابي والإشادة به.

وقد تحولت -أمام واقع الدمار الإنساني في سورية- إلى ضرورة ملحة وواجبًا فرديًا؛ لتعرية الواقع والأحداث، وكشف المتغيرات، وإسقاط الأقنعة البراقة التي أسهمت في إطالة أمد معاناتنا، وتوثيق أسماء وأفعال كل من وقف مع ثورتنا، ومن ساهم في القتل والتدمير.

في زمن طغى فيه صوت السلاح وقصف الطائرات والتشرذم والحقد والأنانية ومحاولة الاستئثار بكل شيء، وإلغاء الآخر والسعي لإفنائه؛ نحن أحوج ما نكون إلى عودة العقلاء والكتّاب والمفكرين، ليأخذوا دورهم في التخفيف من حدة الحقد والكراهية، وإقامة السدود في وجه طوفان مفهوم الثأر، وقتل الآخر؛ لأنه يخالفنا بالرأي.

كثيرون يتساءلون عن جدوى الكتابـة في هذا العصـر الذي سادت فيه قيم كثيرة مغايرة، وبرزت فيه الثقافـة الاستهلاكية بحللٍ برّاقـة، وأساليبَ أكثر إغـراء وفتنة، وجعلت كثيرين ينصرفون عن القراءة والكتابـة، وينخرطون في إفنـاء ذواتهم خلف جماليات زائفـة، ويبادر بعضهم للتقليل من أهمية  الثقافـة والكتابة؛ متصورًا أن متغيرات الحيـاة قد عصفت بكل القيم الإنسانية التي أصبحت ذكرى لزمن مضى، وأن القيم التي تربينا عليها، وتمسكنا بها، باتت من المنقرضات التي لا تتلاءم -حاليًا- مع ما يحدث على أرض الواقـع، من صراعات وتبدلات وتشبه بعادات غربية أكثر رقيًا وحضارة، كما يدعون. بعضهم يعلل سبب عزوفه عن المتابعة إلى حاجاته اليومية الملحة من أجل استمراره في الحياة، واضطراره للبحث عن أكثر من عمل، وبدوام يستنزف قدراته على التفكير في أي شيء آخر، يصرفه عن تأمين الحد الأدنى من القوت، لاستمرار الحياة وتأمين اكتفاء عائلته من الفاقة والعوز، مع الإحساس القاتل بخذلان الجميع للشعب السوري واستغلال حاجاته الإنسانية. ‏

قد يكون في هذا شيء من الصحة، وقد يكون مقبولًا حاليًا، لكنني على يقيـن بأن الكتابـة لن تفقد بريقها. وأنا مؤمن بأننا سنظل نحنّ إليها، وإلى الكتـاب الذي يحمل بين دفتيه روحًـا ودفئًـا، يصعب تجاهلهما، ومن المستحيل مقارنتـه بالإنجـازات العصرية المتلاحقة، لأن الحميمية التي تنشأ بين المبدع والمتلقي لا يمكن تحقيقها ضمن البدائل الحاليـة، ولأن قيم الصدق والوفاء والإيثار والبذل والمحبة، لا يمكن لها أن تنقرض ما بقيت الحياة، فهي العصب الرئيس فيها، ومن دونها ستغدو الدنيا بلا لون ولا طعم ولا رائحة. الحاجات اليومية مهمة، وتتطلب منا بذل الجهد لتأمينها، ولكن مع ضرورة عدم الإخلال بحاجاتنا الإنسانية والروحية الأخرى. ‏

الكتابـة تعني مخاطبـة العالَم بتلك اللغة النقية التي يجب تداولها، تعني محاصرة الخوف والحقد والحزن وجميع الانهيارات والانكسارات الداخلية والخارجية. والكتابة هي الخلاص، الفرح، التوق إلى صنع المستقبل المشرق، وبناء الإنسان القادر على الإسهام في إزالة السلبيات من حياتنا. وهي الحلم الذي يندفع نقيًا؛ ليكسو الموجـودات بتلك الخضرة الجميلـة، وهي لحظة الصدق المطلوبة مع الذات، ومن خلالها، نستطيع إيصال مشاعرنا الصادقـة إلى كل الذيـن نحبهم، ونقـاتل من أجل تمسكهم بإنسانيتهم التي يتقاسمون فيها الأفراح والأوجاع معنا. ‏

الكتابة لحظة بـوح للوطن بكل المشاعر الفياضـة التي ندخرها له، وهي انتظارنا للغد المشرق في سمائه المزينة بأنوار العشق، وقد تحقق حلمنا بالرجوع إليه؛ كي يضمد جراحنا ويوقف نزف أرواحنا. هي بحثنا عن فردوسنا المفقود فوق ترابه، وهي إرادتنـا في التشبث به وتقديسه وإعطائـه كل ما نملك من أحاسيس صادقـة، ومشاعر نبيلة تليق به، وهي إفناء ذواتنا من أجل أفراحه وبهجته وتحرره.‏

سنستمر في الكتابـة؛ لأننا نراها سلاحًا يمكننا من مواجهة الأخطـاء والعمل على تلافيها، وهي -بالنسبة لنا -على الأقل- سهرنا وجهدنا وحلمنا وأملنا بغدٍ مقبل أكثر جمالًا وعذوبة، على الرغم مما يحيط بنا.

نكتب؛ لأننا بحاجة إلى إثبات إنسانيتنا، وتأكيد وجـودنا، ولأننا أدمنا الكتابة، وما عدنا نستطيع الحياة من دونها.‏

نكتب من أجل غدنا الذي ننتظره، ومن أجل وطننا الذي ينتظرنا، وطننا الحر الذي نحلم أن نغمض أعيننا فوق ترابه الطاهر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: drug addiction
إغلاق