مقالات الرأي

مجازية نوبل وحقيقة الموت

“تاجِر الموتِ مَيت: الدكتور ألفرد نوبل، الذي أصبح غنيًا من خلال إيجاد طرق لقتل المزيد من الناس أسرع من أي وقت مضى، توفي بالأمس”. بهذه الكلمات نعت إحدى الصحف الفرنسية العالم السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل عام 1888. ولكن هذا النعي كانت عن طريق الخطأ، فالمتوفى في مدينة “كان” الفرنسية آنذاك لم يكن ألفريد نوبل، بل كان أخوه “لودفيج”؛ هذا الخطأ سمح لمخترع الديناميت أن يرى ويسمع ما يُكتب وما يُقال عنه بعد وفاته. ومن هول ما رأى وسمع في شهادات “نعيه”، قام الرجل بتخصيص ثروته التي جناها من اختراعه للديناميت؛ لتمويل جائزة نوبل، وذلك وفق وصيته التي أودعها في النادي السويدي – النرويجي.

 

لقد قام نوبل بعملين كبيرين: الأول مضمونه الموت، حيث اخترع الديناميت، والثاني مضمونه الحياة، حيث خصص ثروته التي راكمها بسبب هذا الاختراع؛ لدعم العلم والسلام، ولم يكن نوبل ليهتدي إلى الحياة والسلام، وإلى القيم التي يحملها العمل الثاني، لو لم يكن قد اقترف عمله الأول، وكأن مسيرته تؤكد أننا إذا ما أردنا أن نعرف الحياة أكثر، علينا أن نختبر الموت أكثر؛ فالحياة والموت نقيضان متصالحان، لا يكتمل أحدهما من دون الآخر، وكأن العقل البشري بقدر ما هو نعمة على الإنسان، بقدر ما هو نقمة عليه.

 

كان نوبل -بهذا المعنى- مثالًا أنموذجيًا للتجريبية في العلوم الاجتماعية، أي أنه كان قد جرّب بيع الموت، ثم اختبر شكل السمعة السيئة التي كوّنها بسبب ذلك؛ ليخرج بحصيلة تجربته بعملٍ ثانٍ، مضمونه صناعة الحياة، بدلًا من صناعة الموت. لقد صنع نوبل الخلود لنفسه؛ لأنه ساهم في صناعة القتل حقيقةً، وأتبع ذلك بالمساهمة في صناعة السلام مجازًا.

 

ما دور العقل إن كان عليه أن يهب القتلَ مادته الأولى؛ ليهتدي إلى أهمية السلام؟ بالطبع ليس في هذا تقليلٌ من أهمية الفعل النبيل الذي قام به الرجل، بتخصيص ثروته للخير والعلم والسلام، وإنما في ذلك محاولة لرؤية المشهد متكاملًا؛ سعيًا خلف عبرةٍ ما، وخصوصًا أننا -السوريين- لدينا الكثير الذي يدفعنا للتفكير في تجربة نوبل، ليس ترشح “أصحاب الخوذات البيضاء” لجائزة السلام هذا العام فحسب، بل -أيضًا- والأهم كونه مخترع الديناميت الذي يحصد أرواحنا.

 

نحن نستذكر نوبل الحقيقة قبل نوبل المجاز، حيث يقف السوريون عمومًا، وأصحاب القبعات البيضاء خصوصًا، في قلب المفارقة. وهم على العكس من نوبل وجائزته: هم من يساهم في صناعة الحياة حقيقةً وليس مجازًا؛ هم من حملوا على عاتقهم “سلام الحقيقة” في زمن “سلام المجاز” الذي يحمله باراك أوباما، كمثالٍ حائزٍ على جائزة نوبل للسلام. هم سلام الحقيقة في زمن الموت الهمجي الذي تقوم به منظومات الموت الحقيقية، كمنظومة فلاديمير بوتين، ومنظومة الولي الفقيه، والفراعنة جميعهم الذين لم يوجد من يردعهم؛ فازدادوا “فرعنةً”.

 

لم يعد يطيب لنا المجاز يا نوبل؛ فنحن أصحاب حقٍ وحقيقة، ولم تعد تطيب لنا صناعة المجد من أرواح البسطاء، هذا لسان حال الثورة المتميزة في شجاعتها، الواضحة في محبتها، الفريدة في حقيقتها، والمتفردة في وحدتها من دون انكسار؛ إنها من سعى خلف الحقيقة فجلاها، نقّاها من الغموض، قدّمها بيضاء ناصعة، ووضعها على رأسه؛ من فعل ذلك كان ضحية الحقيقة التي قمت بها -يا نوبل- ولم يطاله حتى مجازك، من فعل ذلك كان ضحية ما يقبع خلف مجازك، وخلف حقيقة كثيرين ممن نالوا جائزتك.

 

بعض الحقائق صادمة، وإن الإنسان نزّاعٌ إلى ذكر صفات الطيب والخير أكثر من ذكر صفات السوء والشر، وخصوصًا بعد وفاة الموصوف. ولكن للتاريخ حكمته: لن يستفيد المظلومون من قاتلٍ فاء إلى النبل تكفيرًا عن خطيئةٍ مضت، إلا إذا ضمَّنها عبرةً للتاريخ. ومن دون ذلك سيبقى صدى النشيج يباغت نُبلَ المقاصد، ويزعج المجاز المتكئ على الأسطورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق