قضايا المجتمع

أين الخلل؟

نحن ننتمي إلى مجتمع لا يفكر بحل شجاع ومبدع للمشكلات التي تواجهه؛ فيتّبع ولا يبتدع؛ مستسلمين لمقولة تراثية (اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم)، وهي مقولة مكبلة لكل اجتهاد وتجديد وإبداع في حلِّ المشكلات المعاصرة التي تواجهنا. وتُعدّ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) دعوة ليكون عقلنا قياسيًا تقليديًا متواكلًا، ينتظر تدخلًا إلهيًا مباشرًا لحل مشكلاته؛ وهذا لن يحدث؛ لأن الله سبحانه وتعالى وضع قانونًا غير قابل للخرق:

{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا}. (النساء:123)

أضف إلى ذلك، الاعتقاد أن هناك مُخًلّصًا سيظهر عندما تمتلئ الأرض جورًا؛ ليخلص المستضعفين مما حاقَّ بهم؛ إنه دعوة للتواكلية، ولا يحث على إرادة التغيير؛ ويختلف مع المبدأ القرآني للتغيير:

{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. (الرعد:11)

كذلك الاعتقاد بأننا نحتاج إلى المنقذ الفرد فكرة عفا عليها الزمن؛ فعصرنا ليس بحاجة إلى “كاريزما” الفرد، وإنما إلى “كاريزما” الفكرة والعقلية المؤسساتية؛ فبها ننهض. ويتشارك العقل العربي العَلماني واليساري والقومي في عيب من نوع آخر، يتمثل باستلابه من الغرب؛ حيث يعتقد أن التجربة ذاتها التي نجحت في الغرب من الممكن أن تنجح لدينا.

إن الفشل العربي فشٌل إسلامي علماني يساري قومي؛ لأنه غير مبدع في الأزمات؛ ويريد استيرادًا استلابيًا؛ إما تاريخي، كما هو في العقلية الإسلامية، أو غربي، كما هو الحال علمانيًا وقوميًا ويساريًا، ولم يبحث الطرفان -في إبداع- عن الحل من خلال خصوصيتنا.

حتى خطاب النهضة للأفغاني وعبده والكواكبي وسواهم، على أهميته، إلا أنه كان توصيفيًا تشخيصيًا دفاعيًا؛ لكنه لم يؤسس لنظريات في النهضة؛ ورفضَ الاستغرابَ دون أن يقدم بديلًا؛ خصوصًا أن الشيخ محمد عبده كان على رأس المؤسسة الدينية؛ ويستطيع أن يؤسس لأشياء مهمة، تنقل الإسلاميين نقلة نوعية في التعامل مع المعرفة ومناهج وطرائق التفكير.

ولادات أجهضناها

إنّ نظرية المقاصد للشاطبي، كانت من الممكن أن تحدث فارقًا كبيرًا في منهجية التفكير؛ ومقدمة ابن خلدون كان من الممكن أن تؤسس لعلم اجتماع إسلامي، يرتقي بالعقل العربي؛ وملاحظات الطهطاوي، واجتهاداته في موضوع المرأة والحريات وتداول السلطة؛ كان من الممكن أن تحدث تلاقحًا عربيًا غربيًا وإسلاميًا علمانيًا؛ بدلًا من ذلك الصراع مع “انطون فرح” الذي استمر حتى اللحظة بين الأحفاد، كان -ولا يزال- المستفيد الوحيد منه هو الاستبداد الذي شغل الإسلاميين بالعلمانيين والعلمانيين بالإسلاميين؛ حتى زرع ثقافة الانقسام العمودي الحدّي بينهما، ولما جاء الربيع العربي وجدت المعارضات العربية نفسها تحمل فيروسات الاستبداد ذاتها؛ ما جعلها تُدخل البلادَ في فوضى خطِرة.

كانت لدينا ومضات مبدعة، لم يُسمح لها بالحياة؛ فرفاعة الطهطاوي أول من وضع نشيدًا وطنيًا لمصر؛ وهذه معاصرة ممدوحة؛ واجتهد لتحديث مجتمعه؛ الذي كان يقرأ البخاري كلما تعرض لغزوة خارجية؛ متناسيًا أن بواخر الغزو تبحر بالبخار ولا تُصدُّ بالبخاري! بقي جهد الطهطاوي يتنامى ترجمًة وتخطيطًا وإشرافًا على التعليم والصحافة؛ فأنشأ أقسامًا متخصِّصة للترجمة في الرياضيات والطبيعيات والإنسانيات. وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد، ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية؛ وهو أول مَنْ طرح مفهوم المواطنة وأسماه “المنافع العمومية”، إلا أن استبداد الخديوي عباس ضاق بمشروعات الطهطاوي، ورآها خطرًا على ملكه؛ فنفاه إلى السودان، وماتت مدرسته بموته؛ وسطوة عقلية التقليد.

لا ننسى إبداعات عبد الرزاق السنهوري في المعاصرة؛ إذ كان أول من وضع القانون المدني وشرحه؛ وهو مَنْ أنشأ كلية الحقوق عام 1935، ووضع القانون المدني لسورية عام 1944، وكذلك للعراق وليبيا ودستور دولة الكويت والسودان والامارات العربية المتحدة؛ وبعد كل ذلك الجهد؛ اتُهم السنهوري بالجهل والجنون والخيانة! واعتُدي عليه لقوله: العبادات لا اجتهاد فيها؛ أما المعاملات فهي محل اجتهاد بما يتوافق مع العصر.

إذن؛ العقل العربي قادر على الابداع؛ وما هؤلاء الأعلام إلا غيظ من فيض؛ لكن يجب أن تتوافر البيئة لذلك، ويتوقف التقليديون عن شغبهم؛ فاستبداد التقليد وأبواقه؛ وأد عقولًا كبيرة وكثيرة، والعقل العربي ليس عاقرًا؛ إنما المجهضات من حوله كثيرة.

إنّ غلبة العقلية الفقهية التقليدية؛ وتحالف المؤسسة الدينية مع الاستبداد؛ أجهض تلك الابداعات؛ لترتدَّ العقول تراثيًا نحو التقليد؛ وتحرَّم الخروج عنه! ولو أنّ الإسلاميين المعاصرين تابعوا في طريق الحداثة كما بدأه الطهطاوي؛ وكتبوا في المجتمع المدني والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ كما كتبوا في فقه العبادات والعادات والخلافات المذهبية؛ لأسسوا لتنمية اجتماعية وسياسية يُبنى عليها؛ ولتعاونوا مع الآخرين على تأطيرها، كثقافة مجتمعية تؤسس لوعي جمعي؛ يجعلنا نتخطى ونحرق مراحل مهمة.

إنّ الحديث النبوي: “إنّ من أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر”، المنسجم مع روح الإسلام، سخرناه لثقافة الموت، ولم نفكر فيه كثقافة للنهضة، كان من الممكن البناء -من خلاله- على نظرية الجهاد المدني؛ لمقاومة الفكر الاستبدادي؛ أو لمناهضة كل استبداد سياسي أو اجتماعي أو مشيخي؛ حتى أهدرنا حقوقًا مدنية، كانت من الممكن أن تؤسس لنهضة حقيقية، بمعنى آخر كان من الممكن أن نبني ونؤسس نظريات حقوقية كثيرة؛ تساهم في نهضة المجتمع؛ أوسع بكثير مما صغره الشارحون لنصوص قرآنية ونبوية؛ حتى أفرغوها من محتواها الإنساني الواسع.

أين الخلل؟

يقع الخلل في منظومة التفكير التي وضعت معوقات أمام الإبداع بشتى أنواعه التي تبحث عن نص ديني لكل فعل مدني! وتزندق كل فكر مجتهد؛ وتغلّبُ ثقافة الموت على ثقافة الحياة؛ واستهانت بالفقه السياسي مقابل التشدد في الفقه العبادي، وجعلت التراث حاكمًا على صحة اجتهاداتنا؛ حتى اعتقد الإسلاميون أنّ من حقهم الوصاية على المجتمع؛ لأنهم يمتلكون الصواب المطلق، فحرموا النقد والمراجعات والعمل على إصلاح الفكر الديني، ونظروا إليه على أنه جزء من المؤامرة على الدين والمجتمع.

 

إن قوانين الاجتماع لا تُخرق؛ وقانون حركة التاريخ وسنن الله في خلقه لا تتبدل؛ ولا تحابي مجتمعًا على آخر، ولكل عصر شروطه وأزماته ومصطلحاته. إن مشكلة مجتمعنا الحقيقية؛ ليست في عالم الغيب؛ إنما في عالم الشهادة.

وعالم الشهادة اليوم تتمثل أزماته -بالنسبة لنا- بمحددات واضحة، الاستبداد وكيف نقضي عليه، وليس في الوصول إلى السلطة؛ لاستبدال استبداد علماني باستبداد ديني؛ فللمجتمع كل الحق في اختيار شكل وطريقة ومن يحكمه، كما أنه يتوق إلى الحرية أكثر من توقه إلى التدين؛ والعدالة الاجتماعية حلمه الذي يستحق التحقيق؛ وكل تقدم عددي بنسبة المتدينين هو تقدم مغشوش، ما لم يحقق للمجتمع هذه المتطلبات المعاصرة والعاجلة، ولذا؛ يجب أن نسارع إلى مراجعات حقيقية لمفاهيم تديننا؛ وتوظيفها لخدمة المجتمع؛ فالدين لخدمة الإنسان وليس العكس، كذلك على العلمانيين والقوميين وغيرهم أن ينجزوا مراجعاتهم، وأن ينقدوا تجاربهم؛ كما ننقدها كإسلاميين.

إن المقاربة الصائبة أن نقترب من عصرنا ومفاهيمه وأدواته؛ ونخرج من مساكنة التاريخ أو الاستلاب للغرب؛ فالتقليد هو إعلان غير مباشر للفشل في الإبداع، كما أن شرعية أي تيار في قيادة المجتمع؛ ليست الشرعية التاريخية، ولا التغلُبية ولا الأيديولوجية، إنما شرعية الإنجاز، ومرهونة بحل مشكلات المجتمع؛ والأخذ بيده نحو تنمية تؤسس للعدالة الاجتماعية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: a knockout post
إغلاق