أدب وفنون

المراسم التشكيلية المفتوحة ومجزرة الكيماوي في أعمال خالد عارفه

ثمة تقليد ثقافي ألماني جميل. عايشته في مدينة ” فايمر”؛ مدينة الشاعرين: “غوته” و”شيلر”، يُطلق عليه يوم: المراسم التشكيلية المفتوحة؛ حيث يشرع فنانو المدينة في هذا اليوم أبواب محترفاتهم أمام الجمهور الذي يتجول بين المراسم بفضول وشغف.

 

يهدف هذا التقليد الذي لا مثيل له -للأسف- في المدن العربية، إلى تفعيل التواصل بين المتلقي والفنان التشكيلي في مكان عمله؛ في مطبخه، حتى يتسنى له مشاهدة اللوحة أو المنحوتة -وهي في عريها- من غير رتوش العرض في الصالات؛ ما يتيح الاقتراب من الفنان، واكتشاف شخصيته، ليس من خلال عمله الفني وحسب، بل –أيضًا- من خلال أجواء مرسمه، حيث يمكن تلمس الاختلافات بين فنان وآخر، كما تسهم تلك الفعالية -في الوقت ذاته- بتسويق أعمال الفنان وانتشاره، وتخلق جوًا احتفاليًا في المدينة.

 

هناك فعالية مشابهة هي: “المتاحف المفتوحة” التي تشرع أبوابها مرة في السنة -مجانًا- أمام الزائرين. ويبدو أن مثل تلك الفعاليات هي سياسة ثقافية معتمدة في ألمانيا، تهدف إلى الجذب والتغيير، ونشر الوعي الثقافي والفني.

تفتخر مدينة ” فايمر ” بمكتبتها (مكتبة الدوقة آماليا)، بوصفها أشهر مكتبة كلاسيكية في أوروبا، وتشتهر جامعتها العريقة (الباو هاوس) بالعمارة والفنون ومعاهد الموسيقا، إضافةً إلى مسارحها ومتاحفها، وهي تُعدّ من أهم مدن السياحة الثقافية في ألمانيا؛ اختيرت عاصمة للثقافة الأوربية في العام 1999.

 

التعبيرية الألمانية

كان يدور في ذهني -في أثناء تجوالي بين المراسم- ما قرأته حول خصوصية “التعبيرية الألمانية” التي تأثرّ بها ابن بلدنا، الفنان السوري- الألماني مروان قصاب باشي، وكتب عنها صديقه الروائي الراحل عبد الرحمن منيف، وحرّض لدّي فضول السؤال: ماذا بقي منها -خاصة- حينما تجد أن الأرض باتت مفتوحة على كل الاتجاهات؟!

الإجابة كانت عند فنان سوري آخر، مغترب منذ سنوات في ألمانيا، هو خالد عارفه، الذي يقع محترفه ضمن مجمّع كبير لعدد من رسامي مدينة فايمر. يقول عارفه: مرّ زمن طويل على التعبيرية الألمانية التي تأسست مع مجموعة “الجسر” في مدينة درسدن عام 1905، وتطورت مع مجموعة “الفارس الأزرق” التي تأسست في مدينة ميونخ عام 1911، على يد فاسيلي كاندينسكي، وفرانز مارك، وانضم إليها -بسرعة- أوغست ماكي، وبول كيلي وآخرون، ثم نشّط الحركة في فيينا النمساويان: أوسكار كوكوشكا، وايغون شيليه، وأخيرًا استقرّ روّاد الحركة في برلين؛ حيث تطورت بعد الحرب العالمية الأولى إلى اتجاه “الموضوعية الجديدة”.

 

لم يسع روّاد التعبيرية إلى تصوير الواقع كما هو، بل إلى التعبير عنه وإخضاعه لحالة الفنان النفسية، وبالتالي؛ هي إسقاط لذاتية تعيد تركيب الواقع بحسب انفعالات الفنان وردود فعله العاطفية. طورت مجموعة “الفارس الأزرق” فنًا روحيًا، اختزل جمال الطبيعة إلى حدّ التجريد، وعدّ كاندينسكي الرسم واقعًا آخر قائمًا بذاته، بينما طالب بول كيلي الفنان بـ “الاختلاط بقوى الطبيعة”؛ كي تُقبل ابتكاراته بالطريقة نفسها التي تُقبل فيها الظواهر الطبيعية.

 

يضيف الفنان عارفه: لم يعد اليوم ثمة خصوصية، أو هوية لمكان، أو مدينة معينة، ليس هناك مدرسة محددّة، أو نمط قديم؛ الكل يتجه إلى الحداثة بتنويعاتها المتعددة، بيد أن أهم ما يميز اللوحة الألمانية هو الألوان الباردة، التي تعكس المناخ، ونمط الحياة السائد في ألمانيا.

 

تتنوع أعمال الفنانين الألمان التي شاهدتها في مراسم فايمر، بين الغرافيك والتصوير والنحت، لكن الغرافيك يكتسي أهمية خاصة، تتوزع خاماته بين الحفر على الخشب والحجر والمعدن…إلخ والموضوعات بين الطبيعة وقصص الخيال الشعبي، إضافة إلى موضوعات معاصرة متنوعة. لفت انتباهي -خصوصًا- أعمال الفنان فالتر زاكس الغرافيكية، ومنحوتاته التي تنتشر في عدد من ساحات وحدائق المدينة، والمدن المجاورة. أعتقد أن أعمال زاكس لا تخلو من تأثيرات التعبيرية الألمانية، وإن أخضعها لرؤيته الخاصة. في هذا السياق يعلق الفنان عارفه: يعتمد زاكس التقشف والاختزال في الخطوط، وهو يستطيع توصيل فكرته بأسلوب بسيط، بيد أن جرأته تلك تتكئ على خلفية عميقة، وتراث إبداعي طويل له حضوره، لذلك؛ لا يحتاج إلى إبراز عضلاته الفنية.

 

يعتمد زاكس الحس الساخر في التعبير عن مفارقات الحياة، وتناقضاتها الوجودية، وهو صاحب رؤية إنسانية تنتصر للإنسان والجمال. بين أعماله لوحة تقارب آلام اللاجئين في رحلة هجرتهم نحو المجهول، على شكل رتل يسير على غير هدى في فضاء مفتوح. يقول عارفه: الإحساس باللون متفاوت بين الفنانين الألمان؛ تعود تلك المسألة إلى تأثيرات مختلفة، فالفنان روجيه بونار -مثلًا- ألوانه حارّة، لكن يمكن أن نحيل ذلك إلى أصوله الفرنسية. الإحساس باللون البارد هو الطاغي لدى الفنانين الألمان، وهذا بتقديري يعود إلى أسباب بيئية ونفسية مركبّة.

 

مجزرة الكيماوي:

الوجع السوري، وحلم السوريين بالحرية والكرامة حاضران -بقوة- في جداريات ومنحوتات السوري خالد عارفه، بدت أعماله بألوانها الحارّة وكأنها تحلّق خارج السرب، بالمقارنة مع أعمال زملائه الألمان، على الرغم من مرور أكثر من عقد على إقامته في ألمانيا، يطغى تأثير الحدث السوري المأسوي على معظم أعماله، لكن على الرغم من قسوة المشاهد، لا تغيب الوجوه الحالمة بالمستقبل والحرية والكرامة.

 

بيد أن فاجعة مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، كانت الأكثر قسوة وجمالًا بين أعماله التي عُرضت في معرضه (الكيماوي) عام 2014، حيث طغى اللون الأصفر على معظم الأعمال، ولاسيما مجسمات الـ “ريليف” (جبس وإسمنت).

عمل عارفه -قبل أن ينتقل إلى محترفه الجديد- لعدة سنوات في مكان لا يصلح -ربما- إلّا لركن سيارة؛ مكان مظلم، بلا نوافذ، وبلا إضاءة طبيعية. كانت الأوضاع المادية صعبة؛ لذلك اضطر إلى تحويل ذلك المكان إلى مرسم.

 

هناك في سورية

يقول عارفه: اشتغلت – على الرغم من ضيق المكان ونقص المواد والألوان- جداريات على ورق؛ مكان ضيق يتسع للوحة على الأرض، مبني عليها جسد يتحرّك ويرسم، تلك الصعوبات قد تدفع إلى “اللا رسم” مع ذلك كان يدفعني الوجع للمتابعة، بواسطة رافعة يدوية، كنت أرفع العمل إلى الجدار كي أشاهده.

 

يضيف: أنا نحّات أولًا، ومصوّر ثانيًا، لكني شخص يحب التجريب، لذا؛ لا أعتمد على خط، أو أسلوب، أو اتجاه بعينه، ولا أبحث عن الخصوصية، بل مثل مرآة أنقل إحساسي بالأشياء والأحداث، لذلك؛ تجد تنوعًا في أعمالي، وهذا له مدلوله؛ كل لوحة ترمز إلى زمن اشتغلت فيه بهذا الاتجاه أو ذاك. هناك تداخل بين فترة وأخرى. يمكن لي أن أرسم شيئًا رسمته منذ ثماني سنوات، ويمكن اليوم أن أرسم شيئًا جديدًا. في معرضي (دمشق لا تنام) عام 2010، تلمس حالة عدم الاستقرار، حيث جئت إلى ” فايمر” عام 2006، وكنت عالقًا في دمشق، وفي حالة شوق غامر لسورية، كانت تعكس أعمال المعرض الحالة النفسية التي أعيشها، هي تضاد “كونترست” بين الهدوء والضجيج، بين الضجيج والحياة. هناك في سورية أحاول أن أجد سكونًا داخليًا لنفسي؛ للخروج من حالة الضجيج، بينما هنا في “فايمر”، حيث الهدوء، أخلق ضجيجًا داخليًا لنفسي حتى أستعيد التوازن، عندما أرسم في شتاء “فايمر” الطويل، أشتاق للون الأزرق. لون السماء الصافي. في الصيف ألجأ إلى الألوان الباردة، بعدها يأتي الأزرق (التضاد). الصيف هنا لا يشبه صيف دمشق، الصيف هنا عابر وخفيف الظل، أرسم دائمًا الاشتياق والتضاد.

 

أخيرًا، يمكن القول: إن أعمال الفنان عارفه لا تخلو من تأثيرات التعبيرية الألمانية، ولو بشكل غير مباشر، سواء بسبب اطلاعه على الثقافة الألمانية، أم بسبب انفعالاته الداخلية، وردود فعله على المآسي التي خلفتها جرائم النظام السوري على البشر والحجر في بلده، بالتالي؛ إذا كانت التعبيرية الألمانية انعكاسًا لانفعالات أربابها على مآسي الحرب العالمية الأولى، فإن المأساة السورية التي هزّت ضمير العالم، سوف تترك آثارها، ليس على الفنان عارفه وحده، بل على جيل كامل من الفنانين السوريين، ولأجل غير مسمّى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق