قضايا المجتمع

العَلمانية في تركيا بين أردوغان وأتاتورك

ثمة قناعة راسخة لدى أنصار العلمانية في تركيا، بأن أردوغان يحتفظ بأجندة إسلامية، ويسعى، ضمن خطة محكمة، لتصفية العَلمانية في تركيا، وأسلمة الدولة، وتحويلها مجددًا إلى دولة الخلافة.

يسوق أصحاب هذه القناعة أدلة عديدة تدعم رأيهم، منها السماح بارتداء الحجاب في المدارس والدوائر الرسمية، ومنها إعادة التعليم الديني إلى المدارس العامة…. وآخرها تلك التصريحات التي أطلقها -في نيسان الماضي- رئيس البرلمان التركي، إسماعيل كهرمان، ودعا فيها إلى شطب العلمانية من الدستور واعتماد دستور ديني لتركيا. وقد عدّ معارضو أردوغان تلك التصريحات دليلًا على ما يخطط له حزب العدالة والتنمية، دون أن يكترثوا بتوضيحات أوغلو وأردوغان، التي تؤكد تمسكهم بالعلمانية في دستور تركيا الجديد، وبأن التعديلات الدستورية لن تطال هذا الجانب إطلاقًا.

على الرغم من أن أردوغان لم يعد يخشى من تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم، حيث استطاع، بكفاءة تُحسب له، وضع حد لتلك المؤسسة التي طالما أُنيطت بها مهمة حماية الدستور والنظام العلماني وقيم الجمهورية، كما حدّدها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، والتي طالما مارست سلطتها وانقضَّت على كل من سوّلت له نفسه المساس بتلك المبادئ، بدءًا بعدنان مندريس، وصولًا إلى نجم الدين أربكان وما بينهما، وعلى الرغم من تمكنه من إبطال مفعول المحكمة الدستورية العليا، كخط دفاع ثان عن العلمانية ومبادئ الجمهورية، والتي قامت بحل العديد من الأحزاب بتهمة الاعتداء على الدستور ومبادئ الجمهورية، على الرغم من كل ذلك، فإنني -شخصيًا- أستبعد أن يكون لدى أردوغان خطة لأسلمة الدولة وتصفية النظام العلماني فيها؛ حتى لو افترضنا أن عواطفه في هذا الاتجاه، وذلك لأسباب ثلاثة على الأقل:

الأول، أن عموم الشعب التركي المسلم المتدين بطبيعته، أصبح متصالحًا مع العلمانية، ومقتنعا أنها من أسباب نهضة تركيا وتقدمها، وأنها من أسباب تحسن مستوى حياته الاقتصادي والاجتماعي، ومقتنعًا أنها ليست ضد تمسكه بدينه ومعتقداته وممارستها، خاصة في عهد أردوغان، حيث أُزيلت بعض متعلقات العلمانية المتطرفة التي كانت تستفز شريحة من المتدينين، كمسألة الحجاب في الدوائر العامة والمدارس، والتركي النمطي هذا يحب مؤسس الدولة أتاتورك لدرجة القداسة، ولا يتساهل -ببساطة- مع من يريد النيل من مبادئ النظام الجمهوري العلماني التي أرساها أتاتورك، وتعبئته في هذا الاتجاه سهلة جدًا، ولا أعتقد أن أردوغان يرغب في خوض اختبار من هذا النوع، يكون فيه أتاتورك هو الخصم المقابل.

أما السبب الثاني، فهو أن العلمانية مبدأ “فوق دستوري”، غير قابل للتعديل بموجب الدستور، ولا يمكن المساس به من أي سلطة مهما بلغت أغلبيتها البرلمانية، فالمادة الثانية من الدستور تقول: إن “الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون؛ في حدود مفاهيم السلم والعلم والتضامن الوطني والعدالة، مع احترام حقوق الإنسان، والولاء لقومية أتاتورك، وتقوم على المبادئ الأساسية الواردة في الديباجة“. ثم تأتي المادة الرابعة لتمنح المادة الثانية المذكورة، مع مادتين أخريين، صفة السمو والثبات، وتحظر تعديلها، كما تحظر حتى اقتراح ذلك، “لا يجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور التي تحدد شكل الدولة كجمهورية، وأحكام المادة 2 بشأن سمات الجمهورية، وأحكام المادة 3، ولا يجوز التقدم بمقترح لذلك“.

طبعًا، يمكن إيجاد حلول لأمر التعديل، من زاوية أن الدستور الحالي (دستور 1982) هو دستور غير ديمقراطي أصلًا، ولم تضعه جمعية تأسيسية، بل وضعه العسكر بعد انقلاب كنعان إفرين عام 1980، لكن تبقى مقاربة المسألة، بمنتهى الحساسية والتعقيد، وتحتاج إلى توافقات سياسية يستحيل توافرها.

السبب الثالث، هو اهتمام أردوغان البالغ بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وسعيه لمواءمة بلاده مع متطلبات الأوروبيين، على الرغم من كل الصفعات التي تلقاها في هذا الملف، ولا يمكن تخيل أن من يسعى لدخول الاتحاد الأوروبي، يفكر في أسلمة الدولة والتراجع عن العلمانية.

من زاوية أخرى، إذا استبعدنا مقولة النوايا الخبيثة (نوايا أسلمة الدولة)، ونظرنا -بموضوعية- إلى إجراءات أردوغان تجاه العلمانية، نرى أنها لا تصب في إطار النيل من العلمانية بقدر ما تصب في إطار تحويل العلمانية المتطرفة إلى علمانية معتدلة، وهذا خير خالص لتركيا، كما أراه، فالشعب التركي متدين ومحافظ بغالبيته العظمى، وفرض علمانية متطرفة عليه يؤدي إلى تشكل حالات رفض ومقاومة، تؤدي بالنتيجة إلى هزات عنيفة في المجتمع التركي، وتودي باستقرار البلاد.

هذا بالضبط ما حصل في تركيا مرات عديدة، فلو راجعنا تاريخ الانقلابات في تركيا لوجدناها جميعًا في هذا الإطار، فما إن تحصل انتخابات ديمقراطية تأتي بممثلين حقيقيين وحكومات من خارج المؤسسة العسكرية، وتبدأ تلك الحكومات بإجراءات لتخفيف وطأة العلمانية المتطرفة عن الناس؛ حتى ينقلب العسكر على تلك الحكومات ويطيحون بها، ويأتون بحكومات من طرفهم، بذريعة الاعتداء على الدستور، والانقلاب على نظام الحكم العلماني. هذا ما حصل في انقلاب عام 1960 على عدنان مندريس الذي أعاد بعض المظاهر الدينية الممنوعة كالأذان باللغة العربية، وتدريس الديانة في المدارس العامة؛ ما تسبب بإطاحته وإعدامه مع اثنين من وزرائه!! وهذا ما حصل أيضا في انقلاب كنعان إفرين عام 1980، والذي أعقبته حوادث دموية مؤلمة، ويأتي إسقاط حكومة نجم الدين أربكان الائتلافية، عام 1997، ضمن هذا السياق أيضًا.

لم تقتصر علمانية أتاتورك المتطرفة على تحييد الدين عن الدولة، وفصل المجالين وحيادية الدولة تجاه الأديان، بل أرادت فرض مفهوم خاص للتدين على الناس، وحشر الدين في البيوت وأماكن العبادة، وإبعاده عن الفضاء العام. وهذه المغالاة بالذات كانت موضع مقاومة مجتمعية دائمة، على الرغم من مكانة الزعيم المؤسس في قلوب الأتراك.

علمانية متطرفة في بيئة متدينة محافظة تعني مزيجًا قابلًا للانفجار على الدوام، ولا بد -بالتالي- من إيجاد نمط من العلمانية المعتدلة، كالعلمانية الأنغلوساكسونية، تلائم الشعب التركي، وتراعي مشاعره وعواطفه الدينية، وتحقق الانسجام والاستقرار في البلاد، وهذا ما أراه يحصل على يدي أردوغان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: see this website
إغلاق