قضايا المجتمع

المحكمة الميدانية العسكرية – شهادة حيّة

استطعت -بعد محاولات عديدة- مقابلة اللواء عمر الجباوي، قائد الفرقة العاشرة في جيش النظام، في استراحته في قطنا، والذي تحدّث إلى العميد محمد كنجو حسن، رئيس المحكمة الميدانية العسكرية؛ لأقابله في اليوم التالي في مكتبه في القابون، كان ذلك في شتاء العام 2012.

وصلت إلى القابون، فرع الشرطة العسكرية، حيث توجد أسوأ محكمة عرفتها سورية منذ ستينيات القرن الماضي، وأخبرت الحارس بموعدي مع القاضي، فخرج إليّ مدير مكتب القاضي ويدعى خالد العليان، من أبناء الجولان السوري المحتل، وأدخلني إليه، كان استقباله جيدًا، جلست في مكتبه، وجلب لي ملف أخي، المرفق معه من فرع التحقيق العسكري، المعروف بالفرع رقم (248)، وبدأ يتلو على مسامعي التهم الموجّهة إليه، كانت كثيرة، ومعظمها ملفقة كما يفعلون دائمًا مع المعتقلين.

حاورته ساعةً كاملةً، حاولت خلالها إقناعه بأن أخي لم يحمل السلاح، كما جاء في ملفه، وأنه سلمي وإعلامي فحسب، وفي النهاية قال لي: “سأخبرك أمرًا واحدًا فقط، لن يُعدم أخوك”، ولكن بعد ذلك بعامين قتل في سجن صيدنايا العسكري؛ نتيجة التعذيب المستمر والمرض.

المحكمة الميدانية العسكرية

أنشئت المحكمة الميدانية العسكرية، بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968، وهي من المحاكم الاستثنائية، ويُعين قضاتها من وزير الدفاع، وهم مسؤولون عن نتائج أحكامهم.

كان مرسوم إنشائها من أجل النظر في الجرائم المرتكبة زمن الحرب، أي الأفعال الجرمية التي يقوم بها أفراد الجيش في أثناء الحرب مع عدو خارجي، ويُحال الموقوفون إليها عن طريق وزير الدفاع.

شملت أحكامها في عهدي الأسدين، الأب والابن، العسكريين والمدنيين على حد سواء، على عكس ما كان الغرض منها، كما جاء في مرسوم إنشائها، وهو التعامل مع جرائم العسكريين فحسب.

يقع مقر المحكمة في فرع دمشق للشرطة العسكرية، في حي “القابون”، وتُنفذ أحكام الإعدام الصادرة عنها، إما في مقر الشرطة العسكرية، بواسطة سرية خاصة، تدعى “سرية الإعدام”، أو في أماكن التوقيف التي يوجد فيها المعتقلون الذين صدرت ضدهم أحكام الإعدام، كسجن صيدنايا العسكري، أو سجن عدرا.

بعد الثورة

بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان معظم يُحولوا إلى المحكمة الميدانية، من الناشطين السلميين، والذين يعملون في مجالات إنسانية، إغاثية، وطبية، وإعلامية، وسياسية.

رئيس المحكمة -حتى نهاية العام 2014- هو العميد محمد كنجو حسن، والذي أصدر خلال توليه رئاسة هذه المحكمة ما يزيد عن خمسة آلاف حكم بالإعدام، ورُقّي لاحقًا إلى رتبة لواء، وعُيّن مديرًا لإدارة القضاء العسكري.

تقوم الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، بعد الانتهاء من التحقيق مع المعتقلين، بتحويلهم إلى المحكمة الميدانية، بناء على توصية من رئيس كل فرع أمني مباشرة، بعد دراسة ملف المعتقل، ويُرفق ملف المعتقل كاملًا معه.

إذلال المعتقلين

عندما دخلت إلى المحكمة، وفي ساحة صغيرة أمام باب المحكمة الميدانية، تشبه الحديقة، جلس المعتقلون، حليقي الرؤوس، بثيابهم الممزقة، يجثون على ركبهم، ورؤوسهم تكاد تلامس الأرض، دخلت إلى القاضي وخرجت خلال ساعة، وهم في الوضع نفسه، لم أعلم حينها كم من الساعات سيبقون على هذه الحال، لم أشاهد في حياتي إذلالًا لبشر كما رأيت في ذلك اليوم.

يقول محمد، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا العسكري: “دخلنا إلى الشرطة العسكرية، وحين نزلنا من الباص أمام المحكمة، استقبلنا مساعد في الأمن، برفقته عناصره، وبدؤوا بضربنا بأيديهم وأرجلهم، ثم استدعوا عناصر من الشرطة العسكرية، وأخبروهم أننا السبب في تأخير تسريحهم من خدمتهم الإلزامية، فضربونا بشدة حتى سالت الدماء منا”.

عند دخول المعتقلين إلى القاضي ليس هناك محاكمة بالمعنى الحقيقي، حيث تكون الجلسة سريعة فقط لإقرار التهم الموجودة في الملف المرفوع من فرع الأمن، كما يقول محمد: “بدأ محمد كنجو يقرأ التهم علينا، وكنا ننكر، كان يكلمنا كخصم، وليس كقاض يفترض تمتعه بالحيادية، كان تعامله سياسيًا وليس قانونيًا”.

يعلم القاضي ما يفعله عناصر الأمن خارج المحكمة، لكن ينكر ذلك صراحة، يتابع محمد: ” كانت الدماء تنزف من صديقي، بسبب ضربه خارج المحكمة، فسأله كنجو عن سبب نزفها، فقال له اسأل عناصرك في الخارج، هم من فعلوا بي هذا، فقال له كنجو أنت هنا في محكمة، وهذا لا يحصل، فقال له الشاب، الذي استشهد -لاحقًا- في سجن صيدنايا، لست أدري إن كنت في محكمة أم فرع أمني”.

لا قوانين ولا إجراءات للتقاضي

يُمنع في المحكمة الميدانية أن يُدافع المتهم عن نفسه، كما يمنع أن يقوم بتوكيل محام للدفاع عنه، وتصدر الأحكام خلال فترة قصيرة، وتنفذ خلال أيام بمجرد إقرارها من وزير الدفاع.

كذلك، لا تلتزم المحكمة بالقوانين والتشريعات السورية، كقوانين العقوبات، وأصول المحاكمات، أو حتى القوانين المتبعة في القضاء العسكري العادي، كما لا تلتزم بأبسط المعايير القضائية التي نصت عليها القوانين الدولية وهي:

1- ضمانات إلقاء القبض.

2- ضمانات الاستماع والاستنطاق (التحقيق).

3- ضمانات الحجز والتفتيش.

4- مدة الحراسة النظرية والتدابير الاحترازية.

5- أن تكون المحكمة مختصة وغير استثنائية وأن تكون مستقلة ومحايدة.

6- علنية المحاكمات وشفوية المرافعات.

7- الأصل هو البراءة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

8- أن تكون هناك آجال ومدد محددة للبت في القضايا.

9- أن يكون هناك محامون للدفاع عن المتهمين، وهي أبسط الحقوق.

10- وجود عدة درجات للتقاضي، بحيث لا يصدر القرار من محكمة واحدة بشكل مبرم، إضافة إلى اتباع مبدأ عدم رجعية القوانين في المحاكمات.

هو القضاء الاستثنائي، والذي يعد إنشاؤه أسلوبًا شاذًا من أساليب أنظمة الحكم الشمولية، التي لا تقبل اختصاص القضاء العادي في جرائم أو منازعات بعينها، محكمة الميدان العسكرية، نقطة قانونية مظلمة في تاريخ سورية القضائي، فقد تسببت بإزهاق آلاف الأرواح دون ذنب حقيقي، غالبية من أصدرت بحقهم أحكام الإعدام كانوا ناشطين سلميين لم يحملوا سلاحًا قط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: Allergan Botox
إغلاق