مقالات الرأي

هل تشكل “منظمات المجتمع المدني” رافعة للوطنية السورية

لا يزال مفهوم المجتمع المدني ملتبسًا في ثقافة السوريين، الذين تلقفوه “من الآخِر” أو مما بعد البداية، أي من استعادته إلى المجال التداولي، في البلدان المتقدمة، موضوعًا لنقد فلاسفة ما بعد الحداثة، وعلَمًا على حركات اجتماعية، منها حركات احتجاجية سلمية على تغوُّل النظام الرأسمالي، وزيادة معدلات الفقر والتهميش، ودكتاتورية السوق، التي أرادتها العولمة الاقتصادية المبتورة بديلًا من المجتمع المدني، مدعَّمة بفلسفة نيوليبرالية مبتذلة، واحتجاجًا على غطرسة الدول الكبرى واستهتارها بحياة البشر وحقوقهم وحرية الشعوب وسلامة البيئة.

 

ومع ذلك، انتهى بعض نقاد الحداثة -والمجتمع المدني من أهم معالمها– إلى “وجوب الدفاع عن المجتمع المدني”، على نحو ما انتهى إليه ميشيل فوكو. وعدَّه بعض علماء الاجتماع، من أمثال روبرت بوتنام وجون رولز، مصدرًا رئيسًا من مصادر رأس المال الاجتماعي والثقافي، علاوة على رأس المال المادي، وأساسًا معرفيًا وأخلاقيًا وماديًا لعقد اجتماعي يقوم على مبادئ المساواة والحرية والعدالة، وتوسيع خيارات البشر وتمكنهم من التمتع بحرياتهم الأساسية وحقوقهم المدنية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، في ظل شروط متساوية وفرص متكافئة.

 

المجتمع المدني، في اعتقادنا، ليس مجرد “مجموعة من الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنتظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة” كما يعرفه بعضهم، وليس مجموعة من المنظمات غير الحكومية التي تسترخي خارج السياسة، بل هو التجسيد العياني للأمة، بمعناها الحديث، حين نتحدث عن الأمة الفرنسية أو الهندية أو السورية، لا كما تأولها القوميون والإسلاميون.

 

اللافت أن الذين يختزلون المجتمع المدني إلى مجرد منظمات غير حكومية، يتكئون على التعريف الإجرائي الذي اقترحه سعد الدين إبراهيم لمنظمات المجتمع المدني بأنها “مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة؛ لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي”، ويعتدونه تعريفًا للمجتمع المدني، في حين يعرف سعد الدين إبراهيم المجتمع المدني بأنه “فضاء من الحرية”، نفهم من ذلك: حرية العمل والنشاط والمبادرة الفردية، حرية الأفراد والجماعات والمنظمات والنقابات والأحزاب السياسية، حرية التفكير والتعبير وحرية الرأي والضمير، حرية التواصل الاجتماعي والإنساني، حرية الإضراب والتظاهر، وحرية تشكيل المنظمات والنقابات والأحزاب السياسية.. إلخ، ولا سبيل إلى ممارسة هذه الحرية المدنية، على نحو يحد من تجاوز السلطة على الحريات والحقوق، ويؤثر في بنية الدولة، إلا في إطار التنظيمات والمؤسسات الحرة التطوعية، التي في بنية الدولة وسلطاتها ومؤسساتها التشريعية والتنفيدية والقضائية، وفي وظائفها وسياساتها، بصور مباشرة، سواء من خلال الانتخابات المحلية والتشريعية عن طريق الأحزاب السياسية وجماعات الضغط، أو من خلال مراقبة أداء المؤسسات ونقد السياسات والعمل المباشر على تحسينها أو تغييرها، بإثارة الرأي العام والعرائض والاعتصامات والإضرابات والمظاهرات .. إلخ، وهذا من أهم رهانات تنظيمات المجتمع المدني المعنية بحقوق أعضائها وحقوق المواطنات والمواطنين عنايتها، بتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية والإسهام في التنمية الاقتصادية والثقافية وبناء القدرات.

 

وعلى غرار تعريف سعد الدين إبراهيم جاء تعريف الإسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا)، الذي يفيد بأن المجتمع المدني “مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها أو منافع جماعية، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف”. المهم في تعريف الأسكوا وتعريف سعد الله إبراهيم، هو فكرة “المجال العام بين الأسرة والدولة”، الذي يعني -بالحديد- المجال الفاصل/ الواصل بين الطبيعي والاجتماعي – السياسي. وهذا ما لم يتنبه إليه جميع الباحثين الذين يختزلون المجتمع المدني في “المنظمات غير الحكومية، التي تسترخي خارج السياسة”.

 

إن فكرة الفضاء العام، الذي يفترض أنه فضاء من الحرية، أقرب إلى ماهية المجتمع المدني وعلاقته الجدلية بالمجتمع السياسي أو الدولة السياسية أو الدولة الوطنية، بصفتها فضاء حقوقيًا وسياسيًا وأخلاقيًا عامًا. وفكرة العمومية، التي تنطوي على فكرة المساواة هي الفارق التاريخي بين المجتمع المدني والمجتمعات ما قبل المدنية والجماعات الطبيعية وشبه الطبيعية، التي تتقاسم فضاء جغرافيًا واحدًا، لا وطنًا واحدًا، كما هي الحال عندنا.

 

على هذا الأساس؛ يمكن أن نعرف المجتمع المدني إجرائيًا بأنه مجال عام أو فضاء عام مشترك بين الأفراد والجماعات، تشغله تنظيمات اجتماعية، اقتصادية وسياسية وثقافية، تطوعية حرة ومستقلة، تتوسط بين الأسرة والدولة، أي: بين المؤسسات التي تقوم على مبدأ القرابة النسلية والانتماء الديني، وبين الدولة ومؤسساتها، التي تقوم على مبدأ المواطنة العلماني، ويمارس فيها الأفراد -إناثًا وذكورًا- حياتهم النوعية العامة، الاجتماعية والإنسانية، على قدم المساواة، وتعمل في ميادينها المختلفة، مستقلة عن سلطة الدولة؛ من أجل تلبية الحاجات الاجتماعية وتقديم الخدمات، التي لا تلبيها الدولة، لأي سبب من الأسباب، وتسهم في صنع القرارات التي تتخذها مؤسسات الدولة، ونقدها وتقييمها ومراقبة تنفيذها ومحاسبة صانعيها، فتسهم، من ثم، في التنمية الإنسانية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبناء القدرات وتحفيز إمكانات الابتكار والإبداع ورعايتهما. تنشأ هذه التنظيمات التطوعية الحرة؛ لتحقيق مصالح أفرادها أو لتقديم خدمات للمواطنين، أو لممارسة نشاط إنساني متنوع، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.

 

يتناول هذا التعريف المجتمع المدني وتنظيماته معًا، على نحو يعيِّن الفارق بين الكل وأجزائه، والكل أكبر من جميع أجزائه، ويراعي واقع الأفراد الذين لا يتطوعون للعمل في المنظمات التطوعية، فلا يخرجهم من فضاء المجتمع المدني والدولة السياسية، أو المجتمع السياسي. وهذا لا يتعلق بحقوق المواطنة المتساوية فحسب، بل يتعلق بالديمقراطية كذلك، والتي يحمل المجتمع المدني جميع أجنتها الفكرية والثقافية والسياسية والأخلاقية، بحكم طبيعته العلمانية.

 

كما أنه يعدّ فكرة المجال العام هي الفكرة المركزية، التي تعين الحد الفاصل/ الواصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، على أنهما -معًا- الفضاء العام المشترك، مع الفرق؛ إذ لا مجتمع مدنيًا بمعزل عن الدولة السياسية الحديثة (الدولة الوطنية)، ولا دولة سياسية بمعزل عن المجتمع المدني. المجال العام هنا، أو الفضاء العام، هو فضاء اجتماعي – اقتصادي وثقافي وسياسية وأخلاقي مشترك بين جميع الأفراد والجماعات، ونسيج تاريخي من المعاني والقيم والرموز والعلاقات والمؤسسات. من هنا عدَدنا الوطنية مرادفة للعمومية، التي تنطوي على معنى المساواة والمشاركة الحرة، وأخذنا مؤسسات المجتمع المدني على أنها المجالات التي يمارس فيها الأفراد المتطوعون حياتهم النوعية. أما غير المتطوعين، فيمارسونها من خلال ممارسة حرياتهم وحقوقهم المدنية والسياسية، مستفيدين من نشاط المنظمات المدنية وخدماتها، وهؤلاء هم المستهدفون من نشاط هذه المنظمات.

 

من هنا ينطرح السؤال: هل التنظيمات التي أقامتها السلطة بعد عام 2000، إضافة إلى ما كان قائمًا قبل ذلك، من اتحادات ونقابات و”منظمات شعبية” وأحزاب سياسية، والمنظمات التي نشأت في الخارج وبعض الداخل، بعد عام 2011، بعنوان “منظمات المجتمع المدني”، أو المنظمات غير الحكومية، والتي لا تستهدف الربح، ولكنها لا تعمل في إطار مجتمع مدني، عملت السلطة بكل ما في وسعها على تدميره واستلحاق قواه الأساسية، هل يمكن أن تكون هذه التنظيمات رافعة لتشكل مجتمعًا مدنيًا سوريًا، وبناء السلطة من تحت إلى فوق، وتشكل وطنية سورية؟ السؤال برسم الجميع ورسم المنظمات القائمة والممكنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق