قضايا المجتمع

انتشار الصيدليات غير المرخصة في إدلب

في ظل الفوضى التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وغياب الرقابة الطبية والصحية          للصيدليات، فتح عدد من تجار الأزمات صيدليات عامة، يزاولون فيها مهنة الصيدلة، وهم لا يملكون       شهادات تُخوّلهم العمل في هذا المجال، وكان لهذا الأمر آثاره السلبية الخطِر على أبناء ريف إدلب الذي انتشرت فيه هذه الظاهرة انتشارًا لافتًا.

أخطأ عامل في إحدى صيدليات ريف إدلب في قراءة وصفة طبية، فأعطى (أبو محمد)، وهو أحد مواطني ريف إدلب في المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة، دواءً مُميعًا للدم، بدلًا من أن يعطيه دواء للكليتين، من أجل طفلته المريضة ذات السنوات الثلاث، فتناولت الطفلة الدواء الجديد واحمرت عيناها للتو، وساءت حالتها، وبعد رحلة شاقة إلى حماة، اكتشف طبيبها خطأ الصيدلي، وتمكّن من تلافي مأساة كان يمكن أن تحدث.

حالة طفلة (أبو محمد) ليست الوحيدة في ريف إدلب، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة حالات عدم التزام الصيادلة أو العاملين في الصيدليات، سواء بتبديل الدواء الموصوف بوصفة طبية بدواء آخر، أو بإعطائه بدون وصفة   طبية أساسًا، وخاصة مع ظهور الصيدليات غير المرخّصة، والتي تدار غالبًا من أشخاص ليسوا صيادلة ولا مختصين.

ينتقد مدير المستشفى الميداني في كفر تخاريم، الطبيب ربيع جبس، ظاهرة فتح صيدليات من أشخاص غير مختصين، أو غير مرخّص لهم بذلك، مؤكدًا أنها تنعكس سلبًا على المواطن، الذي عادة ما يكون هو        الضحية إذا أخطأ بائع الدواء.

وقال جبس لـ (جيرون): “الصيدليات غير المرخصة ظاهرة جديدة، تُمثّل خرقًا لمهنة الصيدلة، لم تكن معروفة قبل الثورة”، ولكنه ينظر إلى ظاهرة تبديل الدواء، سواء عن قصد أو بغير قصد، على أنها ظاهرة غير جديدة، ويقول: “كانت هذه الظاهرة موجودة قبل الثورة أيضًا، وأخطاء الصيادلة والعاملين في الصيدليات نفسها تتكرر من حين لآخر، وإن بزيادة ملحوظة عما كان الوضع عليه قبل الثورة”.

يعتقد جبس أن كثيرًا من الصيادلة والعاملين في الصيدليات “غير مُلمّين بالتركيبات والاختلاطات الدوائية      والأعراض الجانبية للأدوية، وبالتالي؛ عليهم التقيد بوصفة الطبيب، خاصة وأن حوالي 80 بالمئة من الأدوية لا يحق لهم بيعها بدون وصفة طبية”.

وقال أيضًا: إنه لاحظ “غرورًا” لدى بعض الصيادلة، يصل بهم إلى حد تجاوز الأطباء وتخطئتهم، فهم “يُبدّلون الدواء أو يمتنعون عن بيعه عن قصد، معتقدين أنهم أكثر فهمًا ودراية من الأطباء”، ويضرب مثلًا على ذلك بامتناع صيدلاني عن إعطاء دواء لحامل، كان هو نفسه قد وصفه لها.

من جهته، يحصر الصيدلاني نور الدين الأحمد المشكلة في ممتهني مهنة الصيدلة الجدد، الذين لا يحملون شهادة في الصيدلة، معتقدًا أن هدفهم من وراء ذلك هو “الربح، دون الاكتراث بقيم المهنة”.

وقال: “يمكن أن نُعطي الدواء دون وصفة من طبيب، إذا كان المرض بسيطًا، كالرشح والتهاب اللوزات     والإسهال والإمساك، حيث أن القانون يسمح بذلك، أما إذا لم يكن المرض بسيطًا؛ فنمتنع عن ذلك، وننصح المريض أو ذويه بالذهاب إلى طبيب”.

ويقول الأحمد لـ (جيرون) عن مساعده في الصيدلية، وهو رجل ليس بصيدلاني: “هذا الرجل عندما يكون    لوحده يمتنع عن إعطاء أي دواء دون وصفة طبية، كما أنه في حال وجود الوصفة لا يُعطي الدواء إلا إذا   كان الخط واضحًا تمامًا بالنسبة له”، ويقترح أن يجتمع صيادلة ريف إدلب الجنوبي تحت تجمع أو تنظيم ما، هدفه إعادة تنظيم مهنة الصيدلة، ومكافحة الخروقات والتجاوزات التي تلحق بها.

غياب الرقابة الصحية للصيدليات

في ظل استغلال الانفلات الأمني، انتشرت ظاهرة افتتاح الصيدليات غير الشرعية أو المرخصة، والتي لا تحمل ترخيصًا لا من نقابات الأسد التي لا تعترف بالمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، ولا من المكتب الطبي التابع للمجالس المحلية في تلك المناطق، ولا من منظمات الصحة العالمية.

في مدينة سلقين في ريف إدلب، تبرز هذه الظاهرة، حيث يعمل بعض الأشخاص، سواءً كانوا من الممرضين أو طلاب جامعات، ممن لم يُكملوا دراستهم في مجال الصيدلة، وممن لا يُتقنوا اللغة الإنكليزية، بالعمل في هذه المهنة الحساسة، التي تمس حياة المواطنين وقد تؤدي أخطاؤها إلى أثمان تمس حياتهم.

يقول الصيدلي في ريف حارم، وجدي جمعة، لـ (جيرون) “منذ أعوام الثورة السورية الماضية انتشرت ظاهرة      افتتاح الصيادلة غير الشرعية في منطقتنا، وتجاوز عددها نحو 6 صيدليات، والقائم عليها منهم من درس   معاهد تمريض، ومنهم من أخذ تلك المهنة مصلحةً، وأصبحوا يضاربون علينا بالأسعار، حينها اجتمع صيادلة المنطقة كافة؛ لوضع حٍد لهم، فتقدمنا بشكوى ضدهم لدى المحكمة الشرعية في المنطقة؛ ليُحاسَبوا، وتُغلق صيدلياتهم، لكن دون جدوى”.

وبحسب إحصائية المكتب الطبي في حارم، فإن الصيدليات غير الشرعية، فاقت عدد الصيدليات المرخصة   في المدينة؛ إذ يبلغ عددها أكثر من 20 صيدلية، ويعدّ الرقم كبيرًا جدًا، قياسًا على حاجة منطقة صغيرة نسبيًا، كما أصبحت الأدوية تباع عشوائيًا، وهذا يؤدي إلى عواقب وأخطاء قد يقع فيها بائعو الدواء، دون الأخذ في الحسبان وجود وصفات طبية، يصرفها الصيدلي للمريض، ولوحظ الأمر عبر بيع الأدوية المخدرة       (البالتان والترامادول)، فضلًا عن صرف النظر عن مدة صلاحية الدواء، وفحصه قبل إعطائه.

وقال رئيس المكتب الطبي في مدينة أرمناز، الصيدلي أحمد حوسو لـ (جيرون): “السبب المباشر لظاهرة افتتاح الصيدليات غير المرخصة، غياب الرقابة وعدم وجود جهة مسؤولة لضبط هذه المخالفات والحد منها، ونحن شكلنا المكتب الطبي لمكافحة الخروقات؛ لأنها أمرٌ خطِر يهدد حياة كثير من الناس، كما أنها انتهاك لشرف المهنة، لتحقيق المكسب المادي البحت، دون الاكتراث لخطورة الأمر، كما سيعمل المكتب الطبي على مراقبة كل الجوانب الطبية، وضبط المخالفات التي تحصل في المستشفيات أو العيادات، بوجود قوة عسكرية سيُعلن الإفصاح عنها قريبًا”.

استغلال انعدام الرقابة الصحية

بالمرور في شوارع مدينة حارم، يمكن ملاحظة أن عدد الصيدليات أكثر من عدد بائعي الخضروات، فلم يعد غريبًا أن تفتتح صيدليتان في يوم واحد؛ لأن من يريد العمل بهذه المهنة، ما عليه إلا أن يُحضِّر الرأسمال المطلوب، ويشتري الدواء من المخازن المتوفرة في المنطقة، ويعرض صنوف الأدوية بأسعار منافسة؛ ليصبح هدفاً للمشترين.

وعن هؤلاء، يقول منير بكور، مدير المكتب الطبي في حارم لـ (جيرون): “الفئة التي استغلت الوضع الراهن، معظمهم طلاب جامعات لم يكملوا تعليمهم إضافة إلى الممرضين، الذين يملكون مبادئ أساسية عن الدواء، بسبب الممارسة، ولا يعني ذلك أن يعملوا بها، لأن الصيدلة بحر من العلم، ولا تقتصر على الأدوية التي كان يستخدمها الممرض من المسكنات أو الجرعات البسيطة، بل عمل الصيدلة فيه مواد تركيب، يجهلها سواء كان الممرض أو بائع الدواء غير الشرعي”.

وأضاف: “نحن كمكتب طبي في مدينة حارم، نسمح للطلاب الذين تخرجوا من السنة الرابعة من كلية      الصيدلة، ومنعتهم الأوضاع من استكمال التدريب أن يفتتح صيدلية، كونهم امتلكوا الخبرة الكافية بهذا المجال، وهذا الأمر مسموح بالنسبة للمكتب الطبي”.

لا شك في أن مهنة الصيدلة مهنة حساسة، ولا يمكن لغير المختصين أكاديميًا أن يمارسوها، وهو ما يغض كثيرون الطرف عنه، ومنهم الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة، والتي لم تتدخل لإيقاف الخروقات بحق هذه المهنة الخطرة، ولم تحاول معالجة انتشار تعاطى الأدوية المخدرة، وصارت العشوائية والاستغلال ملازمة لغياب الرقابة وعدم وجود جهة مسؤولة.

العامل الاقتصادي

الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وقلة فرص العمل والفقر وغلاء التعريفات الطبية والأدوية وإيجار السيارات، هي من أكثر الأسباب التي تدفع الأهالي للجوء إلى البقالات لشراء الأدوية لأطفالهم، كما يصرح ضاهر السيد علي من أبناء ريف مدينة سلقين، والذي قال: “لقد تعرّض ابني في أثناء الليل لارتفاع في الحرارة، ولا تسمح إمكاناتي المادية أن أسعفه إلى المستشفى واستئجار سيارة، لذلك؛ أُجبرت على مراجعة المحل الذي يبيع الدواء في القرية، اشتريت تحاميل خافضة حرارة”.

بالنسبة لصرف الأدوية من الصيدليات، من الممكن أن يصرف الشخص غير المختص الدواء، مع احتمال أن يُلائم الحالة التي يشكو منها المريض، ولكن -بحسب الأطباء- من الممكن -في أي لحظة- أن يتعرض الشخص الذي يتناول المستحضر الطبي لمضاعفات تحسسية أو تسمم مميت، ويصبح غياب مراكز العناية الصحية الأولية في القرى، أو حتى عدم توافر الأطباء في بعضها، هو أحد أبرز التحديات التي تواجه حياة الأهالي، على حد تعبير عدد من المهتمين بالشأن الصحي.

لم يعد أهالي منطقة حارم في ريف ادلب الغربي يملكون الثقة بـ”الصيدلي” ليعطيهم الوصفة الملائمة      لأوجاعهم، كما كان يتم سابقًا في سورية، حيث أصبحت معظم صيدليات المدينة الخاضعة لسيطرة المعارضة، غير مرخصة، ويديرها أشخاص لا علاقة لهم بالطب أو الصيدلة، ويشغلون مكان الصيدلي في بيع الأدوية وتشخيص الأمراض، و”تخمين” الدواء الملائم، ما أدى -أيضًا- إلى صرف حبوب المهدئات عشوائيًا وتوزيعها على من يدمن عليها؛ لتنتشر ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: Home Page
إغلاق