أدب وفنون

على مشجب إبليس

حينما كنا صغارًا كانت الوالدة تحرص على أن نبسمل قبل تناول الطعام. وتحذرنا قائلة:

“سمّوا! أحلى ما ياكل معكن بليس”.

وحينما كنا نتشيطن، كانت تؤنّبنا بقولها:

” قعدوا! مزلغط بطرفكن بليس”

وعندما كبرنا قليلًا واقتنينا أسلحة صيد، كانت تنبّهنا حين نمسك البارودة قائلة: “اصحوا! إسّى بدكها بليس”.

وظلت حكاية إبليس غامضة؛ حتى نشبت الحرب في سورية، فرأينا مسألة السلاح أصبحت ضرورة ملحة للمواطن السوري أكثر من الطعام والشراب، وأن إبليس وراء كل شحنة سلاح تصل إلى سورية.

وعلى رأي المثل الشعبي “إن جنوا ربعك عقلك ما بينفعك”. ولذلك؛ بالأمس أعلنت عن افتتاح معرض الاستقامة لتجارة الأسلحة والمخدرات؛ نريد أن نسترزق. وما إن نشرت الإعلان على صفحات التواصل الاجتماعي؛ حتى انهالت علي الطلبات. كل الطلبيات كانت تأتيني مزدوجة: سلاح مع مادة مخدرة.

أنا في معرض الاستقامة صنفت الأسلحة بحسب قوتها التدميرية، ووضعت أسعارًا تتناسب طردًا مع تلك القوة. فسعر “الدوشكا” أضعاف سعر الكلاشنكوف مثلًا. وسعر “الهاون” أضعاف سعر الدوشكا وهكذا. ولم أنس أن أضع تنزيلات على البراميل المتفجرة وصواريخ السكود؛ لأن هاتين المادتين تفعلان فعلهما في الإرهابيين الذين غزوا البلاد من كل مكان.

أما الأسلحة الكيماوية فلم أتعامل بها؛ لآنها محرمة دوليًا. صحيح أن النظام يستخدمها بين حين وآخر، حينما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. لكن النظام لا يأبه للقوانين الدولية؛ لأنه محمي من روسيا، أما أنا يا حسرة؛ فمن الذي سيحميني إذا تعاملت بالسلاح الكيماوي وبعته للناس. الولايات المتحدة لي بالمرصاد؛ فأنا تاجر صغير “على قد الحال”، ليس لي قوة إيران التي استطاعت أن تسوي وضعها النووي مع أميركا وإسرائيل والدول الأوروبية.

السؤال الذي بقي معلقًا ولم أستطع الإجابة عنه؛ لماذا كانت تترافق كل صفقة سلاح أبيعها مع صفة مخدرات. والأهم من ذلك، فكلما ارتفعت القدرة التدميرية لصفقة الأسلحة المطلوبة ترافق ذلك مع طلب أصناف من المخدرات ذات التأثير الأكثر فعالية للوصول إلى السلطنة.

ظل سؤالي معلقًا؛ حتى سألت أحد كبار التجار الذين أصبحوا يعدون من زبائن المعرض الدائمين، فأفادني أن السلاح بلا مخدرات كالزاد بلا ملح. وكما أن السيارة لا تسير بلا بنزين؛ فالسلاح لا فعالية له بلا تسطيل، والتسطيل كما تعلم لا يأتي هكذا كما يأتي الحلم. وأخذ يشرح لي: هل رأيت رجلًا -بكامل قواه العقلية- يرمي برميلًا متفجرًا على حي سكني بحجة وجود أحد الإرهابيين في هذا الحي، أو هل رأيت طيارًا يلقي بحممه على مستشفى أو مدرسة دون أن يكون قد عبأ راسه بإحدى تلك الأصناف التي تجعله يعيش في عالم السوبرمان؟! إن هذا الأمر لا يستقيم مع رجل لا يعرف كيف يشم أو يتذوق.

– يشم ماذا؟ سألته. فقال:

– أنت رجل لا تعرف معنى الكيف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تنبيه: fryd flavors
إغلاق