سورية الآن

أسباب الإصرار التركي على الوجود في الموصل وأبعاده

أثار وجود القوات التركية في بعشيقة، شرق مدينة الموصل العراقية، لغطًا كثيرًا في الآونة الأخيرة، خاصة بعد السجال الذي دار بين الحكومة العراقية والتركية حول مشروعية وجود هذه القوات في العراق، والذي ترافق مع تصريحات متشنجة من مسؤولي البلدين وصلت إلى اتهام الحكومة العراقية القوات التركية بأنها قوات احتلال، ودعت إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ لبحث مسألة الوجود العسكري التركي على أراضيه، وتزامن هذا اللغط مع انطلاق عمليات الجيش العراقي لتحرير مدينة الموصل، التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث ترى تركيا وبعض الدول الإقليمية الأخرى أن مدينة الموصل ستشهد حملات انتقام طائفية، وعرقية، وستشكل تهديدًا للمصالح التركية وأمنها القومي، ليتبادر هنا مجموعة من التساؤلات حول سبب إصرار تركيا على الوجود في المنطقة.

يُعدّ وضع المنطقة الحالي بشكل عام، والعراق بشكل خاص، مشابهًا -إلى حد بعيد- لما كانت عليه الأوضاع في ثلاثينيات القرن الخامس عشر، عندما احتدم الصراع بين السلطنة العثمانية، والدولة الصفوية بعد محاولات الأخيرة السيطرة على العراق؛ ما دفع السلطان العثماني -أنذاك- سليمان القانوني لتوجيه حملة عسكرية، انتهت بسيطرة العثمانيين على العراق، وكسر شوكة الدولة الصفوية.

قد لا تكون الأوضاع الدولية الحالية مشابهة لتلك الحقبة، لكن هناك بعد تاريخي واضح من خلال رغبة الجانبين بفرض نفوذه على المنطقة، متخذين من الصراع الطائفي (سني – شيعي) منطلقًا لتحقيق طموحاتهم الإمبراطورية.

فتركيا تدرك تمامًا أن الموقف الرسمي العراقي من وجود القوات التركية هو قرار إيراني، وخاصة في ظل السيطرة الإيرانية الواضحة على صناعة القرار العراقي الرسمي، وهو ما يؤكده المحلل السياسي التركي (جان اجون)، الباحث بمركز (وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية) بقوله: “إن سبب تصعيد الأمر من الحكومة العراقية -بالنظر إلى توقيت إثارة الأزمة- يرجع إلى محاولة التحالف الذي تمثله روسيا، وإيران، ونظام الأسد، إلى إخراج تركيا من معادلة سورية والعراق، وإبعادها عن لعب دور فاعل في المشهد السياسي في المنطقة. ويرى أن تدخل روسيا في الأزمة بين أنقرة وبغداد، ومحاولتها رفع الأمر إلى مجلس الأمن يؤكد رأيه”.

فإيران تسعى سعيًا واضحًا لفرض سيطرتها على الموصل عبر ذراعها العسكري (قوات الحشد الشعبي)، ذي الطابع الطائفي، والتابع مباشرة لقوات الحرس الثوري الإيراني، بقيادة قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وهو ما يعني ضرب المصالح التركية في الموصل التي ترى تركيا أنها أحق من غيرها في أن يكون لها نفوذ استثنائي؛ بسبب التركيبة الطائفية والأثنية للمدينة، فالموصل مدينة ذات أغلبية سنية، وهناك نسبة لابأس بها من الأثنية التركمانية التي تعد تركيا نفسها مسؤولة عن عدم تعرضها للتهجير والإبادة، وفق اتفاقية لوزان 1923، واتفاقية أنقرة 1925 التي تعطي الحق لأنقرة في التدخل العسكري؛ لحماية الأقلية التركمانية في العراق، وهو ما أكده وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، بأن بلاده ستتخذ تدابير أمنية، بحال تشكيل قوات الحشد الشعبي، التي توجهت إلى مدينة تلعفر ذات الغالبية التركمانية خطرًا على أمن بلاده، مؤكدًا أن لتركيا دورًا في حماية التركمان في المدينة.

أما النقطة الثانية التي تؤرق تركيا في موضوع تركمان العراق، هو الانقسام الطائفي للتركمان هناك بين المذهب السني والمذهب الشيعي، حيث استطاعت إيران استقطاب التركمان الشيعة إلى صفها من خلال ضمهم لميليشيا الحشد الشعبي، وهو ما يعني تغليبهم للانتماء الطائفي على حساب الانتماء الاثني، وبالتالي خسارة تركيا لورقة قوية للمحافظة على مصالحها هناك.

يبقى الملف الكردي أحد أهم العوامل التي تؤرق تركيا، وهو ما تدركه إيران حق المعرفة، لذلك سعت -منذ البداية- بالتنسيق مع الحكومة العراقية الموالية لها، للضغط على تركيا من خلال إشراك حزب العمال الكردستاني في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الموصل، وتسليمه منطقة سنجار، والذي يعني تقليص دور مسعود البرزاني حليف أنقرة في شمالي العراق، لصالح حزب العمال الذي يُعدّ العدو الأول لتركيا، لذلك؛ يرى المحلل السياسي التركي أوكتاي يلماز، في تصريح لموقع (ديلي صباح العربية) بأن “من حق تركيا أن تقوم بما يلزم من أجل حماية أمنها القومي، وحماية أراضيها من هجمات حزب العمال الكردستاني التي تنطلق من شمال العراق”.

متسائلًا في الوقت ذاته: “حول ما إذا كانت عناصر تنظيم العمال الكردستاني الموجودة في العراق تبشن هجمات إرهابية على تركيا بالتنسيق مع الحكومة العراقية أم رغمًا عنها؟”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق