ترجمات

أخطار معركة الموصل على أوروبّا

قد يقود الهجوم الجاري حاليًّا على الموصل إلى تراجع الجسم العسكري لداعش وإعادة تمركزها في الرقة، وبالتالي إلى خطر إعادة إطلاق، انطلاقًا من سورية، حملة الإرهاب الجهادي في أوروبا.

أشارت جريدة “اللوموند” في افتتاحيّة يوم 19 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، إلى أنّ المعركة ضدّ داعش في الموصل تُخاض أيضًا في بغداد؛ لأنّ الانتصار على الجهاديّين يجب أن يكون سياسيًّا بمقدار ما هو عسكريّ. و في إمكاننا التوسّع في هذا الصدد والقول: إنّ ما كان حرب عصابات للجهاديّين في العراق في السابق قد تحوّل في الرقة إلى “الدولة الإسلاميّة في العراق والشام”، أو “داعش” اختصارًا، وذلك في شهر نيسان/ أبريل 2013، كما أعلنت داعش، من الرقّة، إطلاق حملتها في أوروبا في أيّار/ مايو 2014، وذلك قبل أن تسيطر على الموصل بشهر.

 

الحكاية الأخيرة التي يرويها باراك أوباما

بدأت معركة الموصل في صبيحة يوم السابع عشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، بشكل حماسي وجماعي لوسائل إعلام العالم بأجمعه، وذلك على الرغم من محدوديّة الأعمال القتاليّة على الأرض وقتها، فهذا صحيح أنّ التحضيرات على الأرض كانت إعلاميّة بمقدار كونها عسكريّة،  ذلك عن طريق “مراسلين خاصّين” لتغطية الأعمال القتاليّة، والمفترض أن تتمّ، أخيرًا، بشفّافيّة، بين تحالفٍ هجينٍ بكلّ تأكيد، ولكنّه مؤلّف من “الأخيار” في مواجهة أولئك “الأشرار” الجهاديّين. ليس بالأمر الهام اختفاء سكّان الموصل، عمليًّا، من تلك الحبكة المسرحيّة؛ فهي بكلّ بساطة حكاية مرويّة. 

في استطاعتنا، الآن، وبشكلٍ أفضل، معرفة الدور الذي يلعبه “بن رودز” بالقرب من الرئيس باراك أوباما المهووس، منذ ساعة دخوله إلى البيت الأبيض، بصورته عوضًا عن إنجازه وعمله. أضحى رودز، وفقًا لجريدة النيويورك تايمز، “معلّم السياسة الخارجيّة” لرئيس الدولة، وذلك على الرغم من عدم امتلاكه  خبرةً في المجال الدبلوماسي، ويسمّى ذلك، على ما يبدو: “التواصل الإستراتيجي”، و يعدّ أوباما مولعًا بذلك؛ حيث يعزّز إنكارًا، كهذا، للواقع الأكاذيب التي ورّط نفسه بها عن التهديد الجهادي (تجدر الإشارة هنا إلى أنّ تلك الأكاذيب تتعلق، في البدء، بالحالة الحقيقيّة للتهديد، ومن ثمّ بإعطاء الأولويّة للعراق فوق سورية، وأخيرًا برفض تحالفٍ عربيّ سنّي ذي صدقيّة.)    

في فنّ رواية الحكاية، يتداخل صدى الأكاذيب، بعضها مع بعض، وذلك بهدف خلق واقع وهميّ عوضًا عن الواقع المضلّل، لتشتيت الانتباه عن القضيّة الحقيقيّة: تلك المتعلّقة بهزيمة داعش الفعليّة.

في إمكاننا، استنادًا لما سبق، فهم سلوك أسياد الإدارة (الأميركان): ليست الموصل سوى عرضٍ لمرضٍ وُلد في الرقة، لكنّ دعوة وسائل الإعلام للحضور إلى العراق أبسط بكثير من دعوتهم إلى سورية المدمّرة، إضافة إلى سهولة تدبير وتنظيم التشويق المرتبط بالإنتاج الضخم لروايةٍ جديرةٍ بهذا الاسم في العراق عنه في سورية.

 

المقارنة، التي لا مفرّ منها، مع حلب

بدأنا، وبنبرةٍ جدّية، بالحديث عن الكارثة الإنسانيّة التي من الممكن أن تحصل، لكن تمّ قبول الرهان، في واشنطن، على أنّ وسائل الإعلام ستكون بعيدةً جدًّا عن مسرح معاناةٍ كتلك عندما تتكشّف لنا مع مرور الوقت، (وخصوصًا أنّ أوباما سيكون عندها قد ترك البيت الأبيض). نتذكّر الحماس الذي رافق “تحرير” الفلّوجة في الربيع الماضي، لكن من الذي يتحدّث اليوم عن عشرات الآلاف من سكّانها، والذين لا يزالون لاجئين وسط الصحراء، والذين يخشون، وبشدّة، العودة إلى مدينة تحوّلت بواسطة “قوّات الأمن العراقيّة” إلى “سجن ضخم”؟  

توضّح لنا فظاعاتٍ كتلك، والمُدمجة مسبقًا، من دون شك، في الرواية الأميركيّة، وفي يوم كئيب، السلبيّة، التي تكاد لا تصدّق، التي يتعامل بها الأميركيّون في مواجهة قتلِ روسيا لمدينة حلب. 

كان على القائد العام أوباما، والذي قد قرّر أن يترك معركة الموصل كإرثٍ أخير له، أن يعالج أمر بوتين لكي لا يرى اليوم الذي ستنقلب فيه ضدّه اتّهامات محدّدة ودقيقة جدًّا بارتكاب “جرائم حرب”. بدأت التحذيرات تصلنا، مسبقًا، بأنّ داعش ستستخدم المدنيّين في الموصل كدروع بشريّة، ومن السهل علينا استنتاج النتائج القاتلة لاعتراف كهذا.

يضمن لنا أوباما، مسبقًا أيضًا، المقارنة المشينة بين حلب -والتي تحرّرت من داعش منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2014، وذلك من دون أي مساعدة دوليّة لثورتها الثانية- والموصل؛ المدينة التي قامت داعش فيها، وبعد ستّة أشهر من طردها من شمال غربي سورية بوساطة الثوّار السوريّين، بإعلان خلافتها.  

 يترك أوباما أيدي بوتين طليقةً في سورية كي يكون هو الآمر الناهي في العراق، لذلك نقول إن تركيّا قد قامت بالتنسيق مع موسكو، أكثر من تنسيقها مع واشنطن، في تقدّم حلفائها السوريّين الأخيرَين ضدّ داعش، في البدء في جرابلس ومن ثمّ في دابق.

 

الصدى المعاكس للإرهاب في أوروبا

 01

تظهر الخريطة في الأعلى، والتي تمّ إعدادها من معهد واشنطن لدراسات الحرب بتاريخ 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، مناطق سيطرة داعش باللون الأسود، والتي توضّح تعذّر مرور الجهاديّين الأوروبيّين من وإلى الموصل. يتمركز أولئك الجهاديّون حول الرقّة في سهل الفرات، المكان الذي كانوا يستطيعون التدفّق منه، بحريّة، في اتّجاه أوروبّا، على الأقلّ حتّى لحظة تكبّدهم الهزيمة في جرابلس ودابق. كان من الممكن أن يتم تشجيع الثوار، العرب والسنّة، المعادين لداعش، والذين يحقّقون تقدّمًا، مواصلة التقدّم باتّجاه الرقّة، والسيطرة، بمساعدة سكّانها المحليّين، على الحصن الحقيقي للإرهاب الجهاديّ، ولكنّ أوباما ارتأى اتّخاذ قرارٍ مختلف. لم تكن تسمية منظّمة المجتمع المدني الرئيسة الناشطة في الرقة “الرقّة تذبح بصمت” تعبّر عن الواقع بشكلٍ أكبر مما يحدث اليوم. أساسًا، وفي أثناء معركة الفلّوجة، خذل السلاح الجوّي الأميركي، والذي كان العراق أولويّته الوحيدة، الثوّار السوريّين، بينما كانوا في طريقهم لإعادة السيطرة على موقعٍ استراتيجيٍّ لداعش. إنّ المقدّمات نفسها ستؤدّي إلى النتائج نفسها (الأسوأ أنّ معركة الموصل ستكون أكثر دمويّةً من معركة الفلّوجة) سيكون في إمكان داعش، وبكلّ صفاء، أن تعيد مركزة جميع قادتها الإرهابيّين في الرقّة، ليلتحقوا بـ”مصدري الأوامر”، و الموجودين هناك من قبل. فقد تمّ في سورية، وبوساطة ضربة أميركيّة بتاريخ 30 آب/ أغسطس الماضي، قتل أبو محمّد العدناني، والملقّب أحيانًا بـ “وزير الهجمات”، ومن المؤكّد أنّه قد تمّ تعيين بديلٍ له، وأنّ التعزيزات الآتية من الموصل ستعلن من دون تأخير، وانطلاقًا من سورية، بدء “حملة أوروبا” الجهاديّة، والتي تُعدّ في مركز إستراتيجيّة داعش العابرة للأوطان. هنالك حرب المواقع وحرب القادة والتي سيتمّ ربحها في الموصل كما في غيرها، لكن هناك حروب الإرهاب المدمّر والتي تصرّ داعش على أخذ المبادرة فيها، لنتذكّر ما حصل بعد “تحرير” الفلّوجة، حيثُ تعرّضت بغداد لأسوأ هجوم إرهابيّ في تاريخها؛ متسبّبًا بمقتل 323 شخصًا على الأقل. هذه المرّة سيكون الدور على أوروبا، وبشكلٍ خاص، لا شكّ فيه، على فرنسا، والتي ستكون في خطرٍ كبير لتعرّضها للاستهداف انتقامًا للموصل.    

كنت قد أطلقت صرخة التحذير التالية في نيسان/ أبريل 2015: “يتكاثر، انطلاقًا من سورية، الوحش الجهاديّ، وفي سورية يمكننا صرعه قبل فوات الأوان، لا يجب أن نسمح لأنفسنا بعد الآن انتظار الهجوم المقبل، ومن ثمّ أن نتظاهر احتجاجًا ضدّ الإرهاب”. كان ذلك بعد هجمات شارلي، والمتجر اليهودي “ l’Hyper-Cacher” ومونروج، كان قبل هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، ومدينة نيس وسانت ايتيان دو روفري، وكثير من غيرها من المآسي.

ليس في إمكاننا السماح لأنفسنا انتظار الهجمات الهجوم المقبل، لكنّ أوباما يسمح لنفسه بذلك، لأنه كاذب في كلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

 

*جان بيير فيليو هو أستاذ جامعي لتاريخ الشرق الأوسط في العلوم السياسيّة في باريس. كما عمل، أيضًا، أستاذًا زائرًا في جامعات كولومبيا (نيو يورك)، وجورج تاون (واشنطن). نُشرت أعماله عن العالم العربي-الإسلامي بعشرات اللغات. كما أنّه قام وبالتعاون مع دافيد ب أو سيريل بويم، بكتابة وتأليف قصص رسوم متحرّكة، وقام بتأليف كلمات أغاني لفرقة زيبدا أو كاترين فانسان. أخيرًا، قام بكتابة سيرة حياة كلٍّ من الفنّان جيمي هندركس، والفنان كامرون ديلا اسلا.

 

 

اسم المقالة الأصلي Les dangers pour l’Europe de la bataille de Mossoul
الكاتب* جان بيير فيليو

Jean-Pierre Filiu

مكان النشر وتاريخه   Le Monde Blog

مدوّنة جريدة اللوموند.

19 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016

رابط المقالة http://filiu.blog.lemonde.fr/2

016/10/19/les-dangers-pour-leurope-de-la-bataille-de-mossoul/

المترجم أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق