أدب وفنون

“داعش” ليس دولة إسلامية

منذ أحداث باريس ثم بروكسل، أضحى تنظيم “داعش“، لعنة تلاحق البشرية جمعاء، وباتت المعركة ضده، واحدة من أكبر التحديات التي تواجه دول العالم، وقد يبدو للوهلة الأولى أن الحسم العسكري، هو الوسيلة الأنجح للقضاء على إرهاب التنظيم، ما استدعى تحالفًا دوليًا لقتاله، غير أن انتشار أنصاره في كل مكان، يفترض جهدًا فكريًا وثقافيًا موازيًا، على مستوى أرواح وعقول أولئك الذين يدعمونه. فهؤلاء -بحسب الدراسات الاجتماعية- يناهزون السبعة ملايين شخص، أي ما يعادل عدد السكان الإجمالي في دولة مثل بلغاريا، وهؤلاء ينبغي إقناعهم أن الدولة العلّمانية هي مستقبلهم الآمن.

هذا ما يذهب إليه المستشرق البلغاري، فلاديمير تشوكوف، في كتابه “داعش (ليس) دولة إسلامية“، الصادر باللغة البلغارية عن دار “شرق غرب” في العاصمة صوفيا هذا العام. ويتكوّن الكتاب من أربعة أبواب، تتوزع على أربعمئة صفحة من القطع الكبير، وتبحث في نشأة تنظيم “داعش“، جذوره التاريخية، هيكليته، منطقه، اقتصاده، وآلية عمله وانتشاره.

يرى تشوكوف أن تهديد “داعش” عالمي، لكنه ليس واحدًا في كل مكان. العوامل الذاتية هي التي تحدد مدى خطر هذا التنظيم؛ ما يعني أنه إلى جانب التنسيق والتعاون بين الحلفاء والشركاء، على كل دولة أن تتعرف بعمق إلى بنية التنظيم، وما يجري في داخله، وكيف يعمل ويتمدد، كي تستطيع أن توجد مدخلًا لمواجهته، ينسجم وخصوصياتها القومية.

تطوير رؤية وطنية للحد من خطر “داعش”، في كل دولة على حدة، يتعيّن بالقياس إلى المسافة التي تفصلها عن الشرق الأوسط، وبالنظر إلى التشكيلة الاجتماعية الدينية والطائفية فيها، وهل هي بؤرة لتدفق الجهاديين -من وإلى مركز التنظيم في سورية والعراق- أم هي مجرد قناة لعبور الإرهابيين، كما هي الدولة البلغارية.

البنى والتقسيمات المذهبية من أقوى محركات الدعاية للأفكار المتطرّفة، لاستقطاب الناس، ولا سيما أولئك الذين ينتمون إلى الشرائح الفقيرة، والمجموعات المهمّشة في المجتمع. ففي بلغاريا يشكل المسّلمون عشرة بالمئة من السكان، بينما في رومانيا، البلد المجاور، لا يتعدون نسبة ثلاثة بالمئة من سكانها. والاضطهاد الديني الذي مورس زمن الشيوعية في أوروبا الشرقية، كان ممهدًا لدخول المؤسسات الدعوية إلى البوسنة مثلًا. وإن دراسة هذه التقسيمات، واستيعاب الإشكالات الناجمة عنها، هي مسؤولية وطنية، بحسب الباحث.

منذ مدخل كتابه يلاحظ تشوكوف، أن أصعب ما يواجه الباحث في شؤون “داعش”، هو السؤال إن كان هذا التنظيم الإرهابي بالفعل دولة إسلامية؟ وإن كان يستحق -أصلًا- أن يُنظر إليه بوصفه دولة؟ ويفترض الباحث أن القبول بالتسمية، يعني القبول بالمطالب المزعومة للإرهابيين، على كامل الأراضي التي يوجد فيها المسلمون، في حين أن الخطوة الأولى لعدم الاعتراف بالتنظيم الإرهابي، هي عدم القبول بالاسم الذي يطلقه عليه قادته، كما ذكر الرئيس التركي طيب رجب أردوغان عام 2013.

يلفت انتباه الباحث، أن القوى المهيّمنة على الصراع ضد “داعش”، تستخدم مصطلحات متباينة لتعين هذا التنظيم. في سورية والعراق يُستخدم مصطلح “الجماعات الإرهابية” أو “الجماعات المسلحة”، وبهذا يُتجاهل حتى تشكيلهم كتنظيم، تُطمس الفروق بينهم وبين بقية المجموعات المقاتلة المناهضة للسلطة، وهذا ينطبق بالتحديد على حكومة دمشق، التي تضع “داعش” و”النصرة” وما تُعرف بألوية “المعارضة المعتدلة” تحت بند واحد، وهي تتحدث عن مواجهة الإرهاب على المحافل الدولية، ولا سيما هيئة الأمم المتحدة.

في دوائر الغرب الرسمية، تُعتمد تسمية “داعش”، أو ما يقابلها: “آيسس” بالإنكليزية، و”إيسيل” بالفرنسية، كجزء من الحرب الإعلامية ضد الإرهاب، أما بلغاريا فإنها تستخدم الاسم الذي أطلقه التنظيم على نفسه، أي “الدولة الإسلامية”، ولعل هذا الاستخدام الغريزي، يتجذّر في طمأنة الذات أن الخطر خارج الحدود، وقد أعلنت الحكومة البلغارية أكثر من مرة، أنها لن تشارك في الأعمال القتالية ضد التنظيم، بحيث يغدو تهديده لأمنها القومي محتملًا، أكثر مما هو واقع قائم.

هل ممارسات “داعش” الوحشية، تنبع من صميم الدين الإسلامي؟ أم أن أفعال التنظيم، لا تجد ما يسوّغها في أحكام الشريعة؟ معضلة أخرى تواجه الباحث والمحلل السياسي، ومن الصعب العثور على إجابة محددة وقاطعة؛ لأن علماء الدين المعّتبرين، لديهم اجتهادات متباينة بهذا الخصوص.

ويرى تشوكوف أن سلوك “داعش” يجسّد -إلى حد كبير- تداخل عدم المبالاة الاجتماعية والتطرّف الديني والإجرام. ومن الناحية النظرية تنضوي مقولات التنظيم على تلاقح العلاقة ما بين الإسلام السياسي، والسّلفية السنّية بجذورها التاريخية التي وضعها ابن تيمية (1263-1328)، والتكفيرية التي تعلن حربها على كل المعتقدات الدينية المخالفة لعقيدتها في العالم.

ليس من باب المصادفة، أن نجد من يفضل العيش في ظل دولة الخلافة، على تلك الدولة التي تقترحها السلطة الحاكمة في سورية والعراق، فظهور “داعش” علامة على تشوّهات جهاز الدولة وتداعيه في البلدين، وبات من الواضح أن النظام الدكتاتوري، الذي حكم حتى عام 2011، لن يستمر، ما يعني انهيار الدولة الشرق أوسطية التي هندستها معاهدة “سايكس بيكو”.

يشير تشوكوف في خاتمة الكتاب إلى، أن الحدود المصطنعة التي رسمتها فرنسا وبريطانيا، كانت بمنزلة قنابل موّقوتة، سوف تنفجر بعد مئة عام، لأنها لم تلبِ تطلعات السكان المحليين، بقدر ما كانت تلبي حاجة الدولتين لاقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية. وقد عملت الدولتان على تشجيع الأقليات لدخول الجيش والاقتراب من السلطة، كي تخضعا الأغلبية. الدولتان أحبطتا رغبة العرب السّنة في بناء دولتهم المسّتقلة عن الخلافة العثمانية، بعد الثورة العربية الكبرى، ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: كيف يمكن لملايين السّنة، أن يشعروا أن الدولة لهم، وليست عليهم؟

يعمل تنظيم “داعش” على تهجير السكان، وعلى تغيير التشكيلات الداخلية في سورية والعراق، وإعادة ترتيب البنى الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ويستمد قوته من الفراغ السياسي، والفوضى الاجتماعية والعسكرية، التي عمّت العالم العربي بعد ثورات الربيع، ويستثمر تذمّر الناس لتجنيدهم في صفوفه.

دسّ “داعش” مخالبه في الثغرات، التي أهملتها السلطة الحاكمة في الشرق الأوسط، حين لم تقم بالإصلاحات الجذرية على مستوى السياسة والإدارة والمجتمع، وهي اللحظة الأكثر تراجيدية في تاريخ الدولة العربية. وأستطاع التنظيم أن يستغل عدم الثقة وأجواء الحرب الباردة بين اللاعبين الأساسيين. كما استطاع أن يخترق النماذج الاندماجية الفاشلة في أوروبا الغربية، مؤكدًا تهاوي مقولات التعددية الثقافية، وتصدّع أجهزة الدولة في كل مكان.

ومن الجدير ذكره أن البروفسور فلاديمير تشوكوف، مستشرق بلغاري، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية، يحاضر في ثلاث جامعات بلغارية. وُلد في أثينا عام 1960، درس في تونس، وتخرج من جامعة دمشق/ كلية العلوم الاجتماعية. شغل منصب رئيس تحرير مجلة “العلاقات الدولية” في صوفيا. أسس “المركز البلغاري للدراسات الشرق أوسطية”، وموقع “الشرق” الإلكتروني. عضو في عدد من الهيئات البحثية، وله ثمانية إصدارات، منها “القاعدة مع الريشة والسيف”.

 

1/11/2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق