مقالات الرأي

الحل الممنوع في سورية

كان واضحًا أن المعارضة السورية -على انتماءاتها المختلفة- قد انقسمت في رؤيتها للحل إلى قسمين: الأول، داعم لخيار الحل السياسي، والآخر داعم للحل العسكري، واستمرّ كلّ طرفٍ منهما يدافع عن رؤيته خلال السنوات الماضية، من دون أن يمضي الواقع الفعلي إلى تحقيق أي من الرؤيتين، فلا الحل السياسي استكمل طريقه، ولا الحل العسكري وجد مقوماته الموضوعية، وعلى الرغم من ذلك، فإن ممثلي الرؤيتين من المعارضة السورية لم ينتجوا مقاربات مختلفة، نظريًا وعمليًا، لقراءة الواقع السوري في تعقيداته الإقليمية والدولية، بما يسمح لهما من تغيير برامجهما، وتبني خطوات مختلفة؛ للخروج من المأزق الذي لا تبدو آفاق نهايته قريبة.

وإذا كانت الفرصة قد سمحت، في غير مرة، لممثلي الرؤيتين كي يلتقيا، ويتداولا في شؤون الهوّة الموجودة بينهما، خصوصًا في مؤتمر توحيد المعارضة السورية الذي عقد بتاريخ 2 و3 يوليو/ تموز 2012، في القاهرة، إلا أن تلك الفرص أُهدرت، وكان ظاهرًا لكل مراقب بأن الطرفين متمسكان، ليس فقط برؤيتهما، بل -أيضًا- بما يصفانه بتحالفات استراتيجية، يصعب الفكاك منها، من دون إغفال أن لكل طرف حججه المنطقية تجاه توصيف الحدث السوري، لكن جزءًا من تلك الحجج كانت بمنزلة “الحق الذي أريد به باطل”.

استند فريق المعارضة الذي تبنى الحل السياسي، منذ البداية، في حججه إلى أن النظام السوري، بما يمتلكه من أوراق داخلية، ومن تحالفات إقليمية ودولية، لا يمكن أن يخسر معركته مع القوى المسلحة، وأن استمرار العسكرة ليس في مصلحة الشعب السوري، وأن مزيدًا من العسكرة سيؤدي إلى ارتفاع منسوب العنف، وظهور الطائفية لاعبًا أساسيًا. بينما استند فريق المعارضة الذي تبنى الحل العسكري في حججه إلى أن النظام رفض منذ البداية الحل السياسي، وهو الذي أسهم في العسكرة، واستخدم الطائفية ورقةً، وأن أي حل سياسي من شأنه أن يعيد إنتاج النظام من جديد.

أما المشترك بين رؤيتي الطرفين كان الاتفاق على الأهمية الاستثنائية للجغرافيا السياسية لسورية، وما تطرحه هذه الجغرافيا من تعقيدات، ولا شك في أن الطرفين استندا إلى تلك الأهمية للجغرافيا السورية في تدعيم رؤيتيهما؛ فأصحاب الحل السياسي وضعوا تلك الجغرافيا عاملًا أساسيًا في عدم قبول القوى الإقليمية والدولية بوجود منتصر في الساحة السورية، كما أن المدافعين عن الحل العسكري تعاطوا مع تلك الجغرافيا بوصفها ورقة، سيستخدمها النظام السوري لتعقيد الحل السياسي ومنعه؛ ما يجعل من الحل العسكري الحل الوحيد لإنهاء النظام السياسي الحاكم.

أما العامل الأهم الذي أغفله الفريقان فهو تحوّلات الواقع السوري نفسه، وما يمكن أن ينتج عنه من مآلات، بل على العكس من ذلك، راح الفريقان يستخدمان تلك التحولات الكارثية؛ للدفاع عن صحة الرؤية التي تبناها كلٍ منها، وكأنهما في مناظرة سياسية، وليس أمام مسؤولية تاريخية، تتطلب نضجًا في فهم حركية المتغيّرات الداخلية التي أنتجتها الكارثة السورية، والتي من شأنها أن تعمق الشرخ الداخلي، وتجعل من أي تصوّر للحل مجرد تصوري نظري، خصوصًا مع فقدان الطرفين -كليهما- لروافع حقيقية على الأرض، وهو ما جعلهما منفصلين إلى درجة كبيرة عن تلك التحولات، وغير قادرين على الفعل فيها، أو استثمارها، وسيتحولان -مع الوقت- إلى كائنات لا تمتلك من السياسة إلا اسمها، بل سيُستخدَم الفريقان في إضاعة مزيد من الوقت.

ويمكن المجازفة والقول بأن المشهد السوري شهد مرحلتين، في ما يخص المعارضة السورية، حيث كان لهما في المرحلة الأولى بعض التأثير، أما المرحلة الثانية، فهي التي تحوّل فيها الطرفان إلى مجرد أدوات خاضعة خضوعًا كبيرًا للخارج، وهو ما سيترافق مع ظهور قوى إسلامية متشددة، صُنّفت -لاحقًا- بأنها “قوى إرهابية” بموجب قرارات أممية، وخصوصًا “داعش”، و”جبهة النصرة” التي تحولت -لاحقًا- إلى “جيش الفتح”.

ومنذ مؤتمر “جنيف 2” في 22 يناير/ كانون الثاني 2014، بدا أن الانقسامات بين القوى الإقليمية والدولية غير قابلة للتجسير، وأن قناعة كل الأطراف الداعمة للنظام أو المعارضة لا تمضي في اتجاه تحقيق حلّ سياسي، كما أنها غير متيقنة -في الوقت نفسه- من قرب الحل العسكري،  وأن الساحة السورية تحولت إلى ساحة صراع لتلك القوى، ولم تعد قضية الاستقرار في سورية أولوية، فقد باتت سورية معبرًا لرسم مستقبل الشرق الأوسط، وهو ما يجعل من التفاوض عملية شكلية محضة، مهمتها تمرير الوقت، وأن الخطط الاستراتيجية للقوى الفاعلة تتجاوز مسألة الحل، أيًا تكن طبيعته.

وغاية الاستنتاج هنا أن الحل في سورية -كما تصوره طرفا المعارضة- مجرد وهم، لم يستند إلى قراءة مطابقة للواقع السوري من جهة، أو لواقع المتغيّرات في المشهدين: الإقليمي والدولي، من جهة ثانية، مع وجود إصرار على جعل اللاعبين السوريين من نظام ومعارضة مجرد لاعبين ثانويين، وهو ما تحقق، بعد الدخول المباشر للروس والأتراك، وكان الإيرانيون قد سبقوهم؛ وهو ما يزيد من تعقيدات المشهد الراهن، ويجعل الحل الوحيد الممكن هو الحل الخارجي، المبني على توافقات إقليمية ودولية، لن تصب، بطبيعة الحال، في مصلحة السوريين، ولا في مصلحة فريقي المعارضة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. تنبيه: about his
  2. تنبيه: bk8
إغلاق