ترجمات

لا يمتلك الغرب إلّا أن يلوم نفسه على الثورة الشعبويّة

لقد أدّى فشل النخب الحاكمة في التعامل مع أزمة المهاجرين في العام الماضي إلى الانتفاضة الشعبويّة التي تهدّدهم جميعًا الآن.

                 

 

00

لقد بدا آلان الكردي عند وفاته وكأنه ينذرنا بشيءٍ آخر؛ فقد كان جسده الميت، والذي جرفته الأمواج على الشاطئ التركي العام الفائت، يمثّل معاناة لم يعد في الإمكان تجاهلها. شكّلت تلك النتيجة التراجيديّة للنزوح الجماعيّ -والذي يشمل السوريّين الهاربين من الحرب الأهليّة في المقام الأوّل- اللحظة التي كان يجب فيها على عالمٍ وُخِزَ ضميره أن يفعل شيئًا ما للمساعدة.

كفاية! لآلان معنىً كليٌّ مختلفٌ الآن، فالتمرّد -الذي قد أنتج لنا تصويت البريكزيت (الاتحاد الأوروبيّ) ورئاسة ترامب- هو صيرورة تشكّلت عبر عدّة سنوات، ولكن لم يكن السبب القريب لها، بحسب اعتقادي، عدم المساواة الاقتصاديّة أو الفرق في الأجور، بل كان متمثّلًا في حوادث عام 2015؛ حيث كان الحديث خلال صيف وخريف ذلك العام يدور حول المد البشري، وعرضت لنا الصور هلع السلطات لإغلاق الحدود، ومدّ الأسلاك الشائكة وإطلاق الغازات المسيّلة للدموع على حشود من الناس داكني البشرة. وكما شهدنا خلاف النمسا مع المجر، وبولندا مع ألمانيا. وقد كان الانطباع الذي أُعطي لمواطني الغرب هو أنّ المؤسّسات غير قادرة على التعامل مع تلك الأزمة، وفقدت الحكومات السيطرة، وأضحت الحدود نكتةً، وكان الاتّحاد الأوروبي، والذي كان من المفترض أن يحل مشكلة كهذه، أكبر النكات على الإطلاق.

ومن ثمّ أتت هجمات باريس الإرهابيّة. وطبعًا، لم يكن أولئك الذين قتلوا 130 شخصًا من اللاجئين، ولكنّهم كانوا يشتركون واللاجئين بشيءٍ ما؛ فقد بدوا، في البداية، منهم؛ فبعضهم كان قد زار سورية، البلد الذي كان أتى منه معظم اللاجئين، وكانوا أيضًا مسلمين.

لقد انبثقت، كنتيجة لهجمات باريس، تلك الصورة عن مجنّدي الدولة الإسلاميّة الشباب المغتربين عن مجتمعاتهم والآتين من ضواحي مدينة بروكسل غير المعروفة مسبقًا، ومن أماكن أخرى، والعابرين حدودًا غير موجودة لينفّذوا عمليّات القتل الجماعي.

تلا ذلك، وبفترة تقلّ عن ثلاثة أسابيع، قيام سيّد رضوان فاروق، وتاشفين مالك، بإطلاق النار على حفلة مكتبيّة، وقتل 14 شخصًا في سان برناردينو في كاليفورنيا. وعلى الرغم من أنّ سيّد رضوان أميركيّ الولادة، فقد دفعت تلك الهجمة دونالد ترامب، وكان مرشّحًا قليل الحظ عندها، إلى إطلاق ندائه الشهير بمنع “كلّي وكامل” لدخول المسلمين إلى الولايات المتّحدة.

وكان أبرز ما حدث على الإطلاق هو سلسلة الاعتداءات التي حمل كثيرٌ منها طابعًا جنسيًّا، وقام بها، عند نهاية العام في مدينة كولن الألمانيّة، المئات من المهاجرين الذكور الشباب، لقد مثّلت تلك الاعتداءات رؤية كابوسيّة عمّا يمكن أن يحصل عندما تسمح للأجانب بالدخول إلى ديارك. كانت ألمانيا أكثر الأمم كرمًا، وكانت تلك هي الطريقة التي تمّت بها مكافأتها.

لا يمكن الالتفاف حول ذلك، حيث يوجد ذلك الافتراض في جميع الفضائح الجنسيّة، من روتردام إلى أكسفورد، بين الرجال الآتين من خلفيّات معيّنة (عادةً من باكستان، وعادة مسلمين) أنّ سلوك النساء الغربيّات يرتقي إلى مستوى الفساد الأخلاقي (العهر)، وقد يمثّل دعوةً إلى الاعتداء الجنسي. إنّ تكذيب ذلك من جانب السلطات لم يؤدّ إلّا إلى تغذية الانطباع القائل بمنح الأقليّات الإذن بالتصرّف بشكلٍ مفزع.

ليس كافيًا أن يتم تذكير الناس بأنّ هجمات كولن قد سببّت الذعر لدي أغلبيّة اللاجئين، أو أنّ معظم حوادث الاعتداء الجنسي لم تُرتكب من جانب النازحين، وعلى الرغم من صحّة هاتين المقولتين، لكن إن لم يتم إرفاق إجراءات لمعالجة تلك المشكلة بهما –كدروس إرشاد تثقيفي واندماج إلزاميّة للقادمين الجدد- فإنّ تحذيرات كتلك ستبدو فارغة المضمون وغير نزيهة.

لقد أدّى فشل الحكومات في استيعاب هذه النقطة إلى تقوية مناخ عامّ يتمّ فيه تضخيم جرائم اللاجئين، أو جرائمهم المزعومة، في الوقت الذي يُغفل فيه عن جرائم الآخرين، ويُهمل ذكرها، فعلى سبيل المثال، حملت جريدة شعبيّة، قبل عدّة أسابيع، قصّة تحت عنوان: “اعتداء جنسي للمهاجرين: قامت عصابة من الصبيان السوريّين، لم تتجاوز أعمارهم سبع سنوات، بإطلاق هجمات جنسيّة على فتيات قاصرات في أحد مسابح ألمانيا”، و واحدة أخرى، هذه المرّة من بريطانيا، تحت عنوان: “إنّه شخص مختلف الآن: الطفل ذو السنوات الأربع يتعرّض لاعتداء جنسي في حمّامات مدرسته من جانب عصابة من الفتيان أعمارهم عشر سنوات”، ليس لدينا أيّ فكرة عن أصول المهاجمين المزعومين في الهجوم الأخير.

أودّ الإشارة هنا إلى سخرية دمويّة، فقبل هجمات كولن بعدّة أسابيع، كاد مهاجم ألماني أبيض اللون أن يقتل مرشّحة لعمادة المدينة، وذلك بسبب غضبه من سياساتها المناصرة للاجئين، كما قُتل عضو البرلمان المناصر للاجئين، جو كوكس، هنا في بريطانيا.

إنّ الشعور بالذنب والخوف محفزّان قويّان، ولا يحبّ البشر أن يشعروا بأيّ منهما. يعتقد كثير من الناس في بريطانيا وأوروبّا والولايات المتّحدة أنّ فاعلي الخير قد ضايقوهم باستمرار للسماح بـ”الخطر الخارج عن السيطرة” بالدخول إلى بلدانهم وإلى مجتمعاتهم، ومن الواضح للجميع، ما عدا الحُول، أنّ بعض جماعات النازحين لم تساعد في قضيّتها (أشير هنا إلى قضيّة سلمان رشدي و بعض ردود الأفعال على جرائم شارلي إيبدو).

كانت إحدى النتائج تتمثّل في الاعتقاد المتنامي أنّ اللاجئين لا يستحقّون المساعدة، فجميعهم رجال أفتاء، ولو كان لديهم أي نوع من اللياقة الأخلاقيّة لظلّوا في بلدانهم للنهوض بأعباء نساء عائلاتهم، هم ليسوا أطفالًا، ولا يجب أن نشعر بالذنب تجاههم. في الحقيقة، يجب أن نشعر بالغضب تجاه أولئك الذين يخيفوننا.

قبل عدّة أسابيع، تمّ نقل مجموعة من الأطفال –أعمارهم جميعًا أقل من 18 عامًا- من مخيم اللاجئين المسمّى “الأدغال” في مدينة كاليه إلى سكن للشباب في مقاطعة ديفون الانكليزيّة لعدّة أيّام، و قد وصفهم أحد أعضاء المجلس المحلّي هناك بكونهم “مرعوبين وهشّين”، كما لم يشعر بعض السكّان المحليّين هناك بالسعادة، وعنونت إحدى الصحف هناك: “يخبرنا بعض سكّان مقاطعة ديفون الفاتنة عن غضبهم من القرار الغريب بإرسال 70 نازحًا شابًّا هناك، آتين إلى المملكة المتّحدة من مخيم الأدغال”، كما كان أحد المعترضين على ذلك القرار متوهّجًا بقوله: “إنّ استقبالهم و لو ليومٍ واحد يعدّ فترة طويلةً جدًّا” فقد كان يريدهم أن يخرجوا.

يخلّف شعور الناس بالخوف، ورؤيتهم أنّ السلطات غير قادرة على الفعل، لديهم ذلك الانطباع بأنّ الحكومات، ومن دون إنصاف، تفضّل القادمين عليهم، وبالتالي فإنّك لن تحصل إلّا على جوٍّ تسيطر عليه نزعة الانتقام الدفاعيّة، والسيطرة، والجدارن الفاصلة، ورجل قوي يخبر الحقيقة كما هي.

بعد موت آلان الكردي، العام الماضي، بعدّة أيام، كتبتُ قائلًا إنّنا في الغرب نبدو غير قادرين على تحريك أنفسنا بالطريقة التي قمنا بها في عام 1945، وذلك للتعامل مع موجة أكبر من الناس المهجّرين. وبدلًا من الاتّفاق على خطّة شاملةٍ، قامت دول الاتّحاد الأوروبي، وأيضًا الولايات المتّحدة والأمم المتّحدة، بتحميل المسؤوليّة بعضهم بعضًا. وفي نهاية الأمر، وفي وقت متأخّرٍ جدًّا، قام الاتّحاد الأوروبّي برشوة تركيا للإبقاء على السوريّين في الجانب التركي من بحر إيجه، ولكنّه لم يجهّز أيّة خطّة أو تحضيرات لاستقبال أولئك المحظوظين الذين نجحوا في الوصول إلى الأراضي الأوروبيّة.

كانت بعض القوى السياسيّة في موضع مناسب لاستغلال ذلك الفشل، وقد قامت، فعلًا، بذلك الأمر. يبدو الآن أنّ هناك حتميّة رهيبة تنص على أنّ كيفيّة الرضا عن النفس والذرائع المستخدمة في موجهة كارثة كسورية تقود، وبخطاً قصيرةٍ، إلى تفكيك الغرب.

 

 

 

اسم المقالة الأصلي West has only itself to blame for populist revolt
الكاتب*                 ديفيد آرونوفيتش David Aaronovitch-
مكان النشر وتاريخه The Times

17-11-2016

رابط المقالة http://www.thetimes.co.uk/edition/comment/west-has-only-itself-to-blame-for-populist-revolt-mxkmcwj07
المترجم أنس عيسى

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق