قضايا المجتمع

القرآن والقراءة العِضِنية؟

مما لاشك فيه أن الدليل القرآني يعدُّ أقوى الأدلة وأكثرها إقناعًا للمسلمين؛ لما يتمتع به من قدسية لا تسمح للباطل أن يأتيه من بين يديه ولا من خلفه؛ إلا أنّ دعاة الإسلام السياسي خصوصًا، والإسلام الشعبوي عمومًا؛ غالبًا ما يستخدمون هذا الدليل بعيدًا عن مُراده القرآني، من خلال قراءة عِضينية للنص؛ لإقناع أنصارهم بصوابية وجهة نظرهم، لكنّ هذا الدليل عندما نضعه في سياقه القرآني؛ وندرسه ضمن وحدته الموضوعية يتضح لنا تدليس يمارسه هؤلاء لمنح هذه الأيديولوجيا أو تلك الرؤية الفقهية صوابية مطلقة من خلال دليلهم العِضيني.

فما القراءة العضينية؟

هي اجتزاء الدليل القرآني من سياقه الوارد في السورة؛ خدمًة لرؤية سياسية أو مذهبية أو طائفية؛ ما يعطي انطباعًا مختلفًا عن المُراد منه ضمن ذلك السياق، والله سبحانه ذمَّ هذه القراءة بقوله:

{كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ*الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ*فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ} الحجر: 90ــ92.

وجاء التوبيخ ثانيًة في القرآن بقوله:

{تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا} الأنعام: 91.

أي تجزئونه خدمًة لرؤيٍة ما، والأمثلة على ذلك كثيرة ولكن لضيق المساحة نأخذ بعضها:

المثال الأول:

أيما طالب علم درس في المدارس التقليدية، لو سألته عن حال الناس يوم القيامة، لأجابك فورًا بأن الجميع سيدخلون النار، ثم يخرجون منها، ويختلف طلبة العلم في كيفية الدخول؟! مستدلين عِضينيًا بآية تقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} مريم: 71.

منهم من يذهب بأن هذا الدخول هو مرور على صراط منصوب فوق جهنم كجسر عبور إلى الجنة؟ وآخرون يدّعون بأنه دخول دون احتراق كدخول إبراهيم عليه السلام نار (النمرود)! أما لو عدنا إلى السياق القرآني الذي وردت فيه الآية لوجدانه مختلفًا تمامًا عما ذهبوا إليه؛ إذ إنه يتحدث عن نوع من الناس انحرفوا عن الإيمان فعوقبوا، وأما دليلهم العِضيني هذا؛ فقد جاء بسياق محور كامل في سورة مريم بدأ بقوله:

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}

ثم توعد أئمة الضلال منهم بحساب عسير ممن لووا أعناق النصوص خدمة لأيديولوجيتهم:

{ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً}، حتى يقول {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} ليردفه قائلًا: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّا} من خلال وضع الآية في سياقها نلاحظ أن الأمر قد اختلف عما ذهبوا إليه باستشهادهم العضيني، فمن كان تقيًا مسخرًا حياته للخير والعلم ونفع البشرية فإن الله سبحانه سيخرجه من النار ليُثيبه على ذلك، ولا علاقة للمؤمنين بهذا الدخول؟! فحاشا العدل الإلهي أن يعذب المؤمنين؛ أو يذر من قدّم الخير والصلاح للبشرية دون ثواب منه لذلك قال:

{وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} آل عمران: 115.

(وما يفعلوا) جاءت بصيغة المضارع المستقبلي المستمر؛ وكذلك جاء بـ (لن) للتأبيد؛ و(يكفروه) أي لن يذهب عملهم سدىً ثم ختمها بالمتقين؛ فالمتقون ليسوا مَنْ أدى الشعائر الدينية فحسب، إنما كل إنسان سخّر حياته لخير الإنسانية كـ (أديسون) و(مورفين) و(غراهام بيل) وغيرهم كثيرون.

المثال الثاني

تتبنى الحركاتُ الراديكالية أيديولوجيةَ تكفير الآخر؛ لأنه لم يحكم بما أنزل الله؛ وتستدل على ذلك بقراءة عضينية تبدو للوهلة الأولى صحيحة؟ ولكن عندما نضعها في سياقها القرآني تتهافت ذريعتهم العضينية؟ إذ يستشهدون بقوله تعالى:

{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44.

هذا الاستشهاد جزء من آية جاءت ضمن محور كامل بسورة المائدة، وهذا الدليل العضيني من الآية لا علاقة له من قريب أو بعيد بالسلطة؛ ولك أن تَتَبّعَ سياقه في السورة؛ إذ ورد ضمن حوار مع يهود المدينة الذين وجدوا أن النبي المبعوث عربي، وليس إسرائيليًا، فخالفوه وكذبوه وتآمروا عليه؛ والكفر في هذه الآية هو كفر برسالة محمد؛ فهم استُحفظوا رسالة موسى؛ وخبأوا بشارتها بالرسول، والآية تتحدث عن يهود المدينة، ولا علاقة للآخرين بها؟!بدليل سياقها:

{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}

ولا علاقة للآية بالسياسة والحُكم، بل إن استخدامها في السياسة هو إخراج لها من سياقها العام؟

ويخفي أصحاب القراءة العضينية الآية التي تليها:

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}

فالضمير في (كتبنا) قطعًا يعود إلى الآية التي سبقتها وهم يهود المدينة؛ فبمخالفتهم لشريعتهم وقضائهم بأهوائهم أصبحوا ظالمين؛ فجاءت خاتمة الآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

إذن الآية في سياقها تتحدث عن القضاء بين الناس في المسائل الجنائية تحديدًا؛ وليس للسياسة فيها حظ أبدًا، فإنْ حكم القاضي في مسألة جنائية مخالفًا الأدلة والقرائن فهو قاضٍ ظالم.

ثم تأتي ضمن المحور ذاته الآيةُ الثالثة:

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)}.

عيسى عليه السلام ليس في رسالته شريعة؛ إنما أخلاقيات دعا الناس إليها؛ ونلاحظ الآية قد كررت (مصدقًا لما بين يديه من التوراة) مرتين؛ ليعمل بها ويحتكم إليها، ولم تنسخْ رسالته شريعةَ موسى هذا من جهة، ومن جهة أخرى الإنجيل تعاليمه أخلاقية ووعظية؛ فنحن نقول لمن خرج عن خط الأخلاقيات: فاسق؟ ولا نقول عنه: ظالم؛ ولهذا خُتمت الآية بالفاسقين.

بعودتنا لهذه الآيات المتتالية في المحور ذاته سنلاحظ أنّ نهاياتها المختلفة (كافرون/ ظالمون/ فاسقون) منسجمة مع السياق، وبما أن عقلية هذه الجماعات والتنظيمات؛ تأسست على التشدد وإلغاء الآخر وتكفيره؛ استشهدوا بالآية الأولى (الكافرون) وضربوا بالآيتين الأخيرتين عرض الحائط؛ ليؤكدوا قراءتهم العضينية، فعقليتهم الانتقائية لم تقم وزنًا للسياق القرآني الواردة فيه الآيات الثلاث.

المثال الثالث

هو الأكثر خطرًا وتدليسًا في القراءة العضينية؛ فقد استُبِيحَتْ بسببه دماء بريئة؛ وانحرف الربيع العربي عن مساره لاستخدامهم الدليل العضيني (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) لينطلي هذا الدليل على كثير من المسلمين ليشرعنوا أحقيتهم بالسلطة؛ ولكن لو وضعناه في سياقه القرآني لتبين لنا أنّ الأمر مختلف عما ذهبوا إليه؟

فدليلهم هذا ورد كجزء من آية تكررت ثلاث مرات في القرآن (الأنعام:57 ويوسف:40+67) فالأول جاء في سياق حوارية لرسول الله مع المشركين الرافضين لرسالته فكان جوابه بأن الله هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة؛ ولو وضعنا دليلهم في (الحاكمية) بسياقه لاتضح ذلك التدليس حيث يقول تعالى:

{قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} الأنعام: 58.

وأما الثانية: فهي كذلك جزء من آية جاءت في إطار عِظة يوسف عليه السلام لرفاقه في السجن الذين عبدوا أسيادهم فأشركوا بالله؛ فجاء على لسانه بالقرآن:

{مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يوسف: 40.

وليس لهذا الدليل علاقة بالحكم والسلطة إطلاقًا.

وأما الثالثة جاءت على لسان يعقوب:

{وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} يوسف: 67.

فالحاكمية السياسية التي ابتدعها (أبو الأعلى المودودي وسيد قطب) شيء وما يُستخدم لها كدليل قرآني شيء آخر مختلف تمامًا، ولكن القراءة العضينية جعلته كذلك، إذ حولت تلك الآية من التوحيد إلى السياسة تارة؛ ومن القضاء إلى السياسة تارة أخرى.

في النهاية نقول:

نحن اليوم بحاجة لفهم جديد ومعاصر للقرآن الكريم، بعيدًا عن الاستخدام العضيني لمآرب سياسية؛ حتى نوقف هذا التقاتل المذهبي والطائفي؛ وهذا يتطلب منهج التفسير الموضوعي، مستخدمًا مثلث الفهم: النص والعقل والواقع. وهناك محاولات جادة لتجاوز القراءة العضينية في التعامل مع القرآن الكريم تُسمى (التفسير الموضوعي) حيث تُجْمَعُ الآيات الموضوع الواحد نفسه ليتم دراستها بعيدًا عن العضينية التي تم التعامل بها سابقًا.

وعلينا أن ندرك أنّ هناك آيات قرآنية لها تاريخيتها تتحدث عن سيرة النبي ﷺ لم يعد لها في عصرنا سوى العظة والعبرة، مثلها مثل قصص الأنبياء الآخرين، وأما استحضارها في هذا العصر فهو إساءة بالغة للإسلام وما الجزية والسبي وقتل المرتد إلا أمثلة على ذلك، وحتى نخرج من هذا التخبط والاستدلال العضيني لابد من دراسة سورتي التوبة والأنفال دراسة معاصرة حقيقية وعقلانية؛ كي ننزع من المتشددين ذريعتهم المقدسة في استباحة دماء الآخرين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق