كلمة جيرون

التملّص من المسؤولية

بعد سقوط حلب بيد البرابرة، لفت النظر عُلوّ صوت “قادة” في المعارضة السورية، يندبون حظ السوريين ويلعنون ويعتذرون عن عدم قدرتهم على فعل شيء، وتحدّثوا عن “الشعب الأبي”، و”الثورة الماجدة”، وطالبوا بالمحاسبة وتصحيح المسار، وانتقدوا الكيانات المعارضة، الذين هم من صلبها، وشاركوا في رسم سياساتها، وتأطير عملها، وكانوا سببًا في استمرار وجودها على هذه الشاكلة.

بعد تغريبة أهل حلب البسطاء، لفّ بعض “عتاة” المعارضة ساقًا على ساق، وأفتوا بلزوم إجراء مراجعة للقوى السياسية والعسكرية وبرامجها، وشددوا على ضرورة تغيير أساليبها ونهجها، وإجراء تقييم نقدي شامل، وركّزوا على أهمية شفافية المعارضة وجرأتها، وانتقدوا تقاعسها، وشتموا مناكفاتها، وحمّلوها وزر رحيل الشعب السوري من موت إلى موت.

جلد الذات هذا، الذي انتهجه بعض المعارضين علنًا، والغالبية العظمى سرًا، أو في مجالس خاصة وعلى نطاق أضيق، هو نوع من التملّص من المسؤولية، ولا يمكن أن تكون محاسبةً للذات، أو نقدًا ذاتيًا، طالما أن من يجلد نفسه هو جزء لا يتجزأ من الهياكل المُتفسخة.

صمتُ السوريين عن أخطاء المعارضة السياسية الرئيسة وكتلها الكبرى، ليس قصرَ نظر، ولا ضعفًا، ولا هو “مسامحة كريم”، وإنما -ببساطة- لا مبالاة بكيانات مُعطَّلة، وعدم اكتراث بمعارضين غير جديرين.

تشكّل المجلس الوطني السوري المعارض في عجالة، و”لملم” قادة له، ثم تشكّل ائتلاف قوى الثورة والمعارضة على أنقاض المجلس، وتشكّلت -لاحقًا- الهيئة العليا للمفاوضات على أنقاض الائتلاف وغيره، وبين هذا وذاك، تشكّلت كيانات أخرى على الهامش، أو في ظلها أحيانًا، أو لمناكفتها أحيانًا أخرى، كهيئة التنسيق التي انطلقت سويّة، ثم انحرفت، والمنبر الذي ظهر واختفى فجأة، وتيار بناء الدولة الذي سبح مع تيار المعارضة تارة، ومع تيار النظام تارات.

تنقّلت غالبية “الرموز” المُعارضة من هذا الكيان إلى ذاك، وتكررت الوجوه، وأُضيفت وجوه أخرى لضرورة “الديكور”، أو من مُنطلق “الأقربون أولى بالمعروف”، أو لـ “إكمال العدد”، وانتقل الضعف والتشوه والقصور والذاتية من هذا الكيان إلى ذاك، دون أي فائدة تُذكر من الجميع.

عادة لا يصحّ التعميم، لكن؛ لأن لكل قاعدة استثناء، وتجاوزًا للعرف الإعلامي، يمكن القول إن المعارضة السورية التي تُشكِّل أساس الكيانات السورية المعارضة، لا تعرف إلا الجانب النظري السطحي من العمل السياسي، ولا تعرف ماهية الدولة العميقة في سورية، ولا تركيبتها ومفاصلها، ولا نقاط قوتها وضعفها، ولا من أين يبدأ تفكيكها، ولا متى.

يمكن القول، إن هذه المعارضة -التي تُشكِّل أساس الكيانات السورية المعارضة- لا تعرف معنى وضع الاستراتيجيات الواضحة والمحددة والواقعية، ولا تعرف متى تشد الحبل ومتى ترخيه، كما لا تعرف ما مصالح أصحاب الثورة، ولا ما إمكاناتهم، واكتفت بالتمسّك بـ “كليشة” (إسقاط النظام ورموزه)، ولم تُقدّم وسائل وآليات واضحة، تشرح فيها كيف ستُسقطه، ولم تقم بأي فعل، بل عاشت كل هذه السنوات على رد الفعل.

يمكن القول أيضًا، إن هذه المعارضة، أخطأت ولم تعترف، واتهمت بعضها، وشتمت، وكذبت، ودبّرت المكائد، ونشرت الإشاعات؛ للتخلص من الخصوم، وزرع الجميع بذور العداء والشك والريبة بالجميع.

ولأن الرؤية تاهت، وضربت الفوضى أطنابها، أصرّ الناشط على أن يصبح إعلاميًا، والإعلامي على أن يصبح ثوريًا، والثوري على أن يصبح سياسيًا، والسياسي مناضلًا، والمناضل زعيمًا، واعتقد بعضهم أنه “أفهم من عليها”، وأنه “رمز الثورة” و”البديل التاريخي”؛ وصولًا إلى قناعة بعضهم بأنه “الرئيس المقبل”.

كل هذا لا علاقة له بالثورة، أهميتها وعظمتها وضرورتها، وحتمية نجاحها، ولو بعد حين، كما أنه ليس هجومًا شخصيًا على أحد، وإنما للأمر علاقة بمن تسلّق، وأصرّ على أنه المُلهَم الوحيد فيها، وبمن يجب عليه مغادرة السفينة فورًا، وترك مجاذيفها لأصحابها، ممن خبروا البحار والخوض فيها، وتعلّموا العمل بصمت، للإنسان والثورة والوطن فحسب… ورحم الله امرئًا عرف قدر نفسه؛ فوقف عنده.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق