سورية الآن

ما بعد النظام السوري

انتهى نظام آل الأسد منذ أول شرارة اندلعت في درعا، تعلن انطلاق الثورة السورية العربية الشعبية ضده. لا شرعية تبقت له، عندما بدا ان هذه الثورة هي بمنحاها، ومبادئها سياسية، التفت حولها الجماهير السورية والعربية في كافة أقطارها. لم يكن عندها للنظام الذي أوشك على السقوط، بد من الاستنجاد بالخارج، وتحديدًا بإيران، ليلبي حزبها (فرع لبنان) النداء، ويدنس الأرض العربية، بمسلحيه ويحوّل الانتفاضة إلى حرب مذهبية، من دون إغفال ارسال بلاد فارس حرسها الثوري بسليمانها المجرم، ليؤازر قوة الحزب. هنا بالذات، تحوّل النظام ومَنِ استدعاهم قوة عدوانية احتلالية ضد الشعب وسيادته وتاريخه ومكوناته. بدأت إذًا الحرب التقسيمية من خلال إفراز مذهبي للمناطق، والهويات بين علويين – شيعة وسنة. وهنا بالذات تحولت أيضًا المعارضة إلى شرعية تواجه احتلالًا مزدوجًا: من النظام وإيران. انها الشرعية الوطنية تقابل اللاشرعية بكل أوصافها. صار بشار الأسد عاريًا من الأكثرية الساحقة من الشعب ولم يعد له سوى أن يعتبر الشعب كله عدوه… رئيس بلا شعب. يعني رئيسًا بلا جمهورية ولا دستور ولا جيش (تحول إلى ميليشيا خاصة تؤتمر من الخارج).

وبات السؤال على امتداد المعارك كيف أن نظامًا فقد مقومات وجوده (حتى العسكرية)، يستمر، وهو منتهٍ، مهلهل، بلا مركزية، ولا سلطة، ولا حكم. ونظن أن انضمام روسيا – بوتين (وحليفها إسرائيل) إلى اللاشرعية، لاستعادتها بالقوة إلى «مركزها» المفكك، إضافةٌ احتلالية جديدة، بحيث بات في الميدان السوري، ثلاث قوى لا سيادية هي إسرائيل وإيران وروسيا والنظام. وكما تفعل كل قوة احتلالية، (كما هي الحال في فلسطين) عمدت هذه إلى حرب إبادة عمومية على أساس التطهير العرقي، تحت شعار «إذا كان الشعب ضدنا فلنغيره». وهذا ما بدأ تنفيذه بشراسة لا حدود لها: والإبادة اتخذت منحيين: إبادة للعرق العربي والطائفي: فالاثنان وضعا تحت المجهر الإيراني – الروسي – الإسرائيلي بتواطؤ أميركي.

هنا نقول: لم تنته سورية، بل انتهى النظام الذي لم يعد له مبرر، سوى شرعنة الاحتلال الثلاثي. ويعني ذلك ان هذا النظام سبق أن زال، قبل سقوط حلب، ليصبح علم البلاد في أيدي روسيا، وكذلك مصيره؛ وهذا العدوان بات تبريرًا لكل القوى الخارجية المستجلبة أو المصنوعة كداعش، و«حزب الله« و«الحرس الثوري«. إنها لعبة التقسيم، على قدم وساق: شقفة من سورية لروسيا، أخرى لإيران وسواها لتركيا، وبعضها للمعارضة. إذًا، سقوط حلب ليس إشارة توحيد لسورية (كما يدعي بعض أبواق النظام)، بل تكريس لشرذمتها برعاية قوى احتلالية. فالتقسيم الجاري هناك، هو ظاهرة هيمنة خارجية (كما كان الوضع في لبنان، عندما سيطرت قوات أجنبية، سورية، فلسطينية، إسرائيلية على مناطق بواجهات ميليشيوية). وتحولت هذه البلاد مجموعة كانتونات، تتصارع بإرادات برانية.

الكانتونات:

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن حتى روسيا بات وجودها كانتونيًا وكذلك إيران، فما بالك بالنظام الذي خُصص به «كانتون كرتوني مذهبي». ولكل كانتون نوازعه ومصالحه الخاصة: الروسي ليبعث برسائل إلى أوكرانيا بعد تقسيمها، وإلى الغرب لإظهار عودة ما يشبه «الاتحاد السوڤياتي» والإيراني ليستمتع بشيء من تحقيق «امبراطوريته» وليرسل اشارات إلى المعارضة الشعبية في بلاده وإلى العرب وأهل الخليج بأنه بات قادرًا على اختراق بلدانهم في حروب تشبه ما يحدث في سورية ونتنياهو يطلق تحذيرات إلى فلسطينيي الداخل والسلطة وسواها، بأنه قادر على تكرار اللعبة التي أدارتها إيران وروسيا بدعمه في سورية. عدة إرادات، تتهادن اليوم، وستتصارع غدًا على أرض بلاد الشام (كما حدث أيضًا في لبنان).

إذًا، بشار الأسد الذي يجاهر «باستعادة» «ارث عائلته المشؤومة» لن يكون له، أيًا كانت مسارات الحرب سوى ما تقرر روسيا وإيران: منطقة غريبة، مقتلعة، بين المناطق الغريبة المقتلعة…. وإذا كان يسعى الأسد (مع حلفائه المحتلين) إلى استعادة الإرث الشرعي لوالده، فهذا لن يتم إلاّ بحرب إبادة شاملة، وعمليات تطهير عرقية، من شأنها تغيير الديموغرافيات وتدمير المناطق واتباع الأرض المحروقة وهكذا تصفو له الأجواء عبر التطهير. أو ليس هذا ما حدث في القصير، وإدلب، وحلب: مناطق منكوبة من دون أهلها. انه الفراغ «الإيجابي» لما يسمى «سورية المفيدة»، وكأن هناك سورية مفيدة وأخرى غير مفيدة. هذه الأخيرة أي غير المفيدة، والتي تمثل 80 بالمئة من الشعب، «غير ضرورية«. إذًا فليخرج ناسها منها، كنازحين إلى بلدان أخرى: فالتهجير الذي بدأ منذ انطلاقة الثورة طاول أولًا وأخيرًا الملايين غير المفيدين لما تبقى من أقلية لم تعد أقلية بقدر ما صارت شراذم محتلة.

العدوان الثلاثي:

وهذا بالذات ما تجلى أخيرًا (لا آخرًا) في حلب، المقاومة، المواجهة، بثوارها قوى الاحتلال الثلاثي أو الرباعي. فهي لم تكن تدافع عن حلب كقطعة أرض معزولة بل عن سورية كلها التي تتضمن حلب ودرعا وحماة ودمشق وحمص محررة. حلب كانت تمارس حربًا تحريرية مزدوجة للنظام العميل، وللجيوش والميليشيات المحتلة: فحزب الله مثلًا تحول من حزب تحريري ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، إلى حزب محتل يقاوم الشرعية الشعبية الشاملة في سورية. من مقاوم إلى محتل. وقد نسي هذا الحزب ان الأوطان لا تشطب بعميل من هنا أو باحتلال من هناك. والدرس الإسرائيلي ماثل أمامه، وكذلك الوصاية السورية التي طُرد جيشها من لبنان بعد ثورة الأرز المليونية… هذا الحزب لم يخن نفسه فقط، بل بلاده، والعرب والعالم… ومهماته في سورية والعراق واليمن لا تختلف عن المهمة الموكولة لداعش: المشاركة في إبادة «السنة« العرب في سورية وتهديد السعودية ولبنان والخليج وصولًا إلى مصر والكويت… المهمتان تكملان بعضهما.

والدليل أن المثلث الاحتلالي، فتح من جديد الطريق أمام داعش للعودة إلى تدمر. فلا طيران يقصف، ولا براميل متفجرة ولا جيوش تردعه. انه الحليف الذي رجع إلى تدمر لإطالة عمره (كما في الموصل) ليكون الند لنظام الأسد: فبين «الإرهاب» «الداعشي» والنظام سينحاز «الغرب» إلى هذا الأخير لأنه «يحارب هذه الظاهرة التي شارك في فبركتها! يا للعجب. (ونتذكر هنا ظاهرة شاكر العبسي التي ابتكرها النظامان السوري – الإيراني لإقامة إمارة سنية في الشمال اللبناني انطلاقًا من نهر البارد!). اللعبة – القديمة تتكرر لكن هذه المرة بشكل كوميدي مفضوح. (مع هذا يصدق بعض الغرب هذه الكذبة ويساهم في تحويل الحرب في سورية بين شعب ونظامه إلى معركة ضد الإرهاب ليستثني ارهاب النظام وحلفائه).

حلب:

لكن من قال إن «حلب» هي النهاية؟ وهل كانت حماة وحمص هما النهاية عندما دمرهما حافظ الأسد في الثمانينات؟ ومن قال هو «النصر النهائي» الشامل الكامل؟ فسورية ليست أوكرانيا ولا الشيشان ولا جيورجيا. ومن قال إن الشعب السوري قد «وُئد» أو انتهى، وهل ينتهي شعب عظيم كالسوري بعد معركة، أو حرب أو واقعة وهو الذي قاوم طغاة ومحتلين لا يقلون وحشية عن المحتلين الجدد (وظلهم الأسد). فبذرة الثورة طلعت، والبذور لا تموت في أرضها. فحلب لم تستسلم (تذكرنا بستالينغراد) وثوارها دافعوا عنها حتى أرماقهم الأخيرة. وهذا يحمل معاني المقاومة المجذرة (لا أقصد مقاومة حزب إيران)، المقاومة الراهنة، والمقبلة والدائمة. انتهت «معركة» ولم تنته المقاومة. حَلَّتْ نكبة ولم تعدم عزائم وارادات. إنها روح الأشياء، روح الإنسان الحقيقي الذي ومهما طال انتظاره لا بد من أن يجدد مواجهته ليس لبشار الأسد بل لكل قوى الشر، والاحتلال… فالأسدان الأب والابن لم يتمكنا من تعليم الشعب السوري دروس الخنوع، وخيانة الوطن، بتخليهم عن الجولان المحتل، ولا دروس التعاون والتنسيق. مع من يحتلون أرضه. فبقاء الأسد مستبدًا في سورية عقودًا، لم يتمكن من شطب مشاعر الحرية والديموقراطية والسيادة من قلوب ناسه وكان يكفي أن تندلع شرارة درعا، حتى هب هذا الشعب هبة واحدة وأعلن ثورته على الطاغية. فالمجازر والسجون والقمع والوحشية ما هي سوى انتظارات لا يعرف أحد متى تنفجر. وما يقال عن ربيع سورية، سيقال عن كل ربيع قادم. فالنظام الذي يظن أنه بحماية المرتزقة والغزاة سيؤمن «استقراره» هو أكثر من واهم. فالتخلي عن الجولان وتصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان ووصايته على هذا البلد إرضاء لإسرائيل، لم تمنع كلها خروج جيشه من لبنان ولا منع الثورة السورية من الاندلاع. ووجود هؤلاء الغزاة على أرض سورية يمكنهم من البقاء في سورية ولا تأمين الأمن لقصر المهاجرين ولا «إبقائه» فزاعة بين الجدران الخالية. والظروف التي جعلت هؤلاء «يدعمونه» ويحرقون بلاده ليتربع على خرابها، لن تدوم. ومن قال إن الثورة الإيرانية بربيعها الرائع لن تتجدد؟ ومن قال إن إسرائيل ستبقى على حالها وطغيانها وصَلَفها؟ ومن قال إن القمع والاستبداد والفساد والاغتيالات ستؤمن استقرارًا لنظام هنا أو هناك. من دون أن ننسى تونس التي بالرغم من جبروت رئيسها الفار ونظامها البوليسي وفساده قد نجحت في إطاحته ومحاولتها بناء نظام قائم على الديموقراطية والحرية والشفافية…

زمن الطغاة:

فالزمن الراهن لم يعد زمن طغاة «من الأبد إلى الأبد» أو من «القصر إلى القبر».. أو من ديكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية التوريث»…

إنه عصر التحولات السريعة المفاجئة، وعصر التبدلات السياسية بين الدول والأنظمة. لكن شيئا واحدًا لن تصيبه تغيرات أو تبدلات، هو هذا الشعور بالانتماء إلى الوطن والأرض ومقاومة كل من يمسهما. حلب البداية الأخرى، يا بشار الأسد وأنت البداية المنتهية… صحيح أن الناس هربت من القصف والقتل والمجازر ودمرت ممتلكاتها ومنازلها لكن هذا التدمير لن يدوم فراغه الذي تنشده. لكي تبني على أنقاضه «حكمك» الأكثر هشاشة من ورقة السيجارة، ولن تستمر «الهجرات» القسرية؛ فالنزوع إلى الأرض إحساس فطري، جسدي، عقلي، إرادي، لا بد من أن يعيد هؤلاء وأبناءهم إليها، لكي يجددوا قولهم: ليس من مكان لمن باع الجولان ووطنه وأدخل المحتلين لحمايته فالمكان الأوسع هو لشرعية الناس، والتاريخ والحدود والإرادة الإنسانية التي لا تقهر.

فأنت يا بشار الأسد، قد سقطت في 2011 واستمر تساقطك حتى قبل سقوط حلب فماذا بعد سقوطها؟

بعد سقوطها، انك بت لزوم ما لا يلزم، مجرد عميل للخارج، شأنك في ذلك شأن بيتان الجنرال الفرنسي الذي انحاز إلى النازيين ضد بلاده!

فمبروك!.

(*) كاتب لبناني

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق