ترجمات

نيو يورك تايمز: “ماذا بعد سقوط حلب”

ستنتهي قريبًا معركة شرق حلب، ولكن لن يجد عشرات الآلاف من السوريين هناك سوى القليل من السلام، حيث سيفتح انتصار حكومة الرئيس بشار الأسد فصلًا آخرًا عنيفًا في حياتهم، وفصلًا خطيرًا للمعارضة. قريبًا، المدنيون والمقاتلون المتمردون على حد سواء، إما سيعاقبون أو يتوجب عليهم أن يفروا من المدينة وينضموا إلى الآلاف الآخرين الذين نزحوا بسبب الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس -جزء من خطة لكسر التمرد، وتغيير سورية إلى الأبد.

قال الرئيس الأسد في مقابلةٍ أجريت معه مؤخرًا، تناول فيها حلب، التي كانت مسرحًا للقتال لسنوات، “لن تعني نهاية الحرب في سورية، لكنها ستكون خطوةً كبيرة نحو تحقيق هذا الهدف.” إنَّه على حق في كلتا الحالتين، سيكون بالتأكيد أبرزها سلسلة الانتصارات الأخيرة التي حققتها قواته، جنبًا إلى جنب مع قوات روسيا وإيران وغيرها من الميليشيات المتحالفة معها، حيث تظهر تداعيات هذه الانتصارات ما هو مُخبئ للمدنيين والمقاتلين المتمردين في حلب: لربما يخلصهم الاستسلام من القنابل والحصار والتجويع، ولكن المصائب الأخرى بانتظارهم.

تاريخ ما تدعوه حكومة الرئيس الأسد “الهدنة” -والتي تتعزز الآن أكثر بصراحة بسبب الانتصارات العسكرية– هو مظلم. في عام 2014، اعتقلت قوات الرئيس الأسد مئاتٍ من الشبان في المعارضة الذين وافقوا على الاستسلام في البلدة القديمة في حمص، مركز الانتفاضة، والتي تعرضت للقصف في نهاية المطاف والتجويع حتى الخضوع، وقد وعد الكثير منهم بالعفو، بحال أن يُجندَ في الجيش نفسه الذي كان قد قتل أسرهم، وسمح للسكان في نهاية المطاف بالمغادرة إلى مناطق المعارضة الأخرى يحمل كل منهم حقيبة واحدة. (يمكن للمقاتل أن يأخذ سلاح فرديًا)، فتشريد أو احتجاز السكان أصبح العمل المعتاد في المناطق التي يستعيدها النظام.

04

ملصق يظهر الرئيس السوري بشار الأسد داخل مكتب الشرطة العسكرية الحكومية في حلب هذا الشهر. عمر صناديقي /رويترز

بعد ذلك بعامين، السيد الأسد لعله أقل قابلية للمساومة. اليوم، ادعاء فرصة لهدنةٍ في حلب هي “معدومة عمليا”، حيث تعززت ثقته عبر سلسلةٍ من هزائم المتمردين في عام 2016، وبعد ذلك يجبر سكان المناطق المحاصرة بالمغادرة إلى محافظة إدلب في شمال غرب سورية. اليوم، حيث تسقط مناطق حلب واحدةً بعد الأخرى، يعرف الثوار أن المقاومة غير مجدية، والرئيس الأسد يعرف أنهم يعرفون، قواته سوف تجعل المناطق المعارضة غير صالحة للعيش، وستعزل المقاتلين عن المدنيين، وتجبرهم كلهم على الاستسلام أو مغادرة البلاد.

ويعكس تلك التطهيرات نمطًا من التفكير، ولكن الاستراتيجية التي تقف وراءه لا تزال غير واضحةً، ربما يعتقد السيد الأسد أنه إذا ظلَّ هؤلاء الناس سيشكلون تهديدًا دائمًا للمناطق المجاورة تحت سيطرته، وربما لأنه لا يريد أن تنفق الحكومة الأموال عليهم، أو ربما نظامه الذي تقوده أقلية يريد فقط أن يقذف بالسنة غير الموالين خارج منطقته الحيوية في غرب سورية، أيًا كان المنطق، هذا النمط لا تُحمد عقباه -الذي يُسمى أحيانًا استراتيجية “الباصات الخضراء” بعد أن استخدم السيارات لنقل النازحين -يرسم صورةً قاتمةً لما يمكن لأهل حلب أن يتوقعوه.

المعارضة، وروسيا وتركيا والولايات المتحدة مستمرون في التفاوض حول مصير حلب، بينما السيد الأسد يصيغها، قال لي أحد عناصر الجماعات المتمردة، كان المتمردون يطالبون بالمساعدات الإنسانية، ووضع حدٍ للقصف، وضمان السماح للمدنيين للبقاء في شرق حلب تحت حماية المتمردين، لم نحصل على أيٍ من هذه المطالب، سيستسلم المقاتلون أو يضطروا لمغادرة البلاد، ويمكن للمدنيين أن يتبعوهم إلى المنفى أو يضعوا أنفسهم تحت رحمة الحكومة. قد ينضموا لإخوانهم النازحين في إدلب، أو يتوجهون إلى الريف الشرقي من حلب الذي تسيطر عليه الآن جماعاتٍ متمردة متحالفة مع تركيا. الناس المقربين من المتمردين أخبروني أن حكومة الرئيس الأسد وإيران تفضل إرسال المقاتلين إلى إدلب حيث يمكن محاربتهم بشكل مفتوح، في حين يفضل المتمردون ملاذًا آمنًا محميًا من تركيا، وذلك جزئيًا لأن وجود تركيا قد يردع النظام من استخدام العنف.

يواجه الرجال في سن العسكرية في مناطق حلب التي كان يسيطر عليها المتمردون المستقبل الأبشع، إما تجنيدهم أو إعدامهم، أو الانضمام إلى عشرات الآلاف يتضورون جوعا في السجون السورية. بالفعل، لقد اختفى مئات المقاتلين الذين استسلموا، وفقًا لمتحدث باسم الأمم المتحدة، والمدنيين الذين بقوا في مكانهم بالكاد آمنين. لا تميز الحكومة السورية بين المقاتلين وأولئك الذين يقدمون لهم المساعدة والرعاية الطبية والمأوى والتغطية الإخبارية، حيث ينظر السيد الأسد، وحكومته وجنوده ومؤيديه إلى هؤلاء الناس على أنهم خونةٌ وإرهابيون، ويقول المقربون من الحكومة، إنَّ قوات الأسد ومؤيديه يعترضون على الحافلات الخضراء: يفضلون أن يُقدم “الخونة” في حلب إلى العدالة، بدلًا من أن يرسلوا إلى إدلب.

لماذا إدلب، إنها فقيرةٌ نسبيًا، محافظةٌ ريفية تسيطر عليها جبهة فتح الشام، وهي فرعٌ لتنظيم القاعدة وتصنفها الولايات المتحدة جماعةً إرهابية؟ الجواب مقلقٌ. على المدى القصير، السيد الأسد وإيران وروسيا مشغولون بالقتال للدفاع عن دمشق والسيطرة على حلب، ثم يركزوا على محافظة إدلب، التي يكره سكانها النظام منذ زمنٍ طويل. ومع ذلك، فمن غير المرجح أنه على المدى الطويل أن يتخلى الرئيس الأسد بشكلٍ دائم حتى عن قطعة كبيرة من البلاد، حيث تُعدُّ خططٌ أكثًر طموحا لهذه المحافظة.

عندما يحين الوقت لاستعادة إدلب -وسيأتي- سيحشد السيد الأسد وحلفاءه الكثير من متمردي سورية وأنصارهم في رقعةٍ جبلية صغيرة حيث ستكون فريسةً سهلة للقصف وتكتيكات العزل التي حققت الانتصارات في أماكن أخرى من البلاد. ما هو أكثر من ذلك، على عكس الوضع في حلب حيث جلبت تلك التكتيكات على الأقل اللوم والحرج الدولي، سيهاجم النظام محافظةً تسيطر عليها جماعةً إرهابية. ما ذا سيمكن للحكومات الغربية المحترمة أن تفعل سوى ضجةً أكثر -أقل بكثير من أن تعارض- حول حملةٍ أخرى في الحرب على الإرهاب؟ عند هذه النقطة، مشردو ونازحوا سورية -المدنيين والمتمردين على حد سواء- سيكونون مرةً أخرى في المرمى، بعد أن استبدلوا الحصار بأخر.

لقد كانت الحرب على حلب مسرحًا لمعاناةٍ لا حدودَ لها للإنسان وللعجز الغربي لفترة طويلة، لدرجة يتوق المرء أن تنتهي. في سورية، كل الأمان هو عابرٌ لهؤلاء المصنفين كأعداء الدولة، وسيجلب لهم تدمير حلب القليل من الإغاثة. إذا لم يعمل المجتمع الدولي على فرض وقفٍ لإطلاق النار في سورية أو يستوعب المزيد من اللاجئين، ربما حان الوقت أخيرًا لخلق ملاذاتٍ آمنة في سورية للنازحين من حلب وأماكن أخرى، بما في ذلك أكثر من مليون الذين لا يزالون الذين يعيشون تحت الحصار، وسيكون تعويضًا صغيرًا لتدمير مدنهم وبيوتهم وأسرهم، ولكن أفضل من كابوسهم المفتوح.

 

 

 

 

 

اسم المقالة الأصليWhat comes after Aleppo’s fall
الكاتبفيصل عيتاني، Faysal Itani
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز، The New York Times

13-12-2016

رابط المقالةhttp://www.nytimes.com/2016/12/13/opinion/what-comes-after-aleppo-falls.html?action=click&contentCollection=Opinion&module=RelatedCoverage&region=EndOfArticle&pgtype=article
ترجمةأحمد عيشة
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق