سورية الآن

اليسار “الإسرائيلي” والفلسطيني خلف الممانعة

تنتشر منذ أيام أخبار متتالية عن نشاط داخل “إسرائيل”، يندد بجرائم بشار الأسد في حلب وغيرها من المدن والبلدات السورية، ويعلن أصحابه تضامنهم مع الشعب السوري، منها فيديو لمذيعة في محطة “إسرائيلية” بكت على الهواء، ومنها مظاهرات في حيفا وتل أبيب وغيرها، وأيضًا تشكيل سلسلة بشرية من السفارة الأميركية إلى السفارة الروسية، مع هتافات تدعو لرحيل بشار الأسد.

الناشط والسياسي الفلسطيني جمال يانس، يرى أنه من المفارقات الغريبة التي حدثت، “قيام مظاهرتين في الداخل الفلسطيني المُحتل، ضد ما يحصل في حلب، وما تقوم به آلة القتل الروسية والأسدية والميليشيات المساندة لها، المظاهرة الأولى تمت أمام القنصلية الروسية في حيفا، حيث قامت بها مجموعة من الناشطين الفلسطينيين، في الداخل الفلسطيني المُحتل وبعض الناشطين من الجولان السوري المحتل، المتضامنين مع الشعب السوري في ثورته، حيث رفعوا أعلام الثورة، والأعلام الفلسطينية، وطالبوا بوقف القصف، ونددوا بالمجازر المرتكبة”.

وأوضح يانس في حديث لـ (جيرون) أن “مظاهرة ثانية خرجت في تل أبيب تُندّد بالعدوان الروسي والأسدي على حلب، دعا إليها مجموعة من الناشطين (الإسرائيليين)، من أحزاب وتيارات مختلفة من المجتمع المدني، ومنها مجموعات يسار تنتمي لحزب (ميريتس الإسرائيلي)، وهتفت بشعارات مؤيدة للشعب السوري، واستخدموا شعار (القاشوش) -يلا ارحل يا بشار- لتأكيد خطابهم”، المفارقات التي يراها يانس هي في أن تقوم بالمقابل “مجموعات من اليسار الفلسطيني في الداخل، بحملة تشويه وردح ضد التظاهرتين التي قامتا في كل من حيفا، وتل أبيب”، ويرى يانس بأسف “أن اليسار العربي بمعظمه، يُؤكد مجددًا وقوفه مع الجلاد ضد الضحية، وخاصة اليسار الفلسطيني في أراضي 1948، المتمثل بالحزب الشيوعي، أو اليسار في أراضي 1967، المُتمثلة ببعض التيارات والفصائل، وإن كانت مُقيمة في رام الله، أو دمشق، أو بيروت، أو تونس، أو الأردن، أو في الشتات، فمعظمهم موالون ومؤيدون للمذبحة التي تجري بحق الشعب السوري”.

بعض الناشطين السوريين وجد في تلك التظاهرات الإسرائيلية ضد الأسد بادرة خير، وذهب بعضهم ليقارنها بما يفعله شركاء الوطن، من رقص وشماتة بالضحايا، وما إلى ذلك من أفعال مُشينة بالعرف الاجتماعي والوطني، وهو سلوك شاذ بالمجتمعات السليمة، ولكن بالنظر إلى الانتماءات السياسية، وبالذات بعض اليسار العربي والعالمي، لا بد وأن نتأمل تلك المفارقات، ويُشير يانس إلى “أن هذا اليسار شريك بالجريمة التي تجري، بذريعة واهية هي مكافحة الإرهاب، فإذا كانوا يعتقدون بأن روسيا والأسد لهما الحق في تدمير سورية تحت عنوان هذه الذريعة، فعليهم أن يدينوا مواقفهم القديمة التي اتخذوها ضد الغزو الأميركي للعراق، لأنهم في يمارسون، بهذه الحالة، نفس سياسة الغطرسة الأمريكية”.

وفي الجهة المقابلة، أي: داخل “إسرائيل”، ظهر موقف لليسار الإسرائيلي، “للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة” الممثلة بـ “الكنيست”، ولها جمهورها الفلسطيني داخل أراضي 1948، بتحالفها مع “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”، فقد أعلنت مطلع الشهر الحالي (كانون الأول/ ديسمبر) موقفها مما يفعله النظام بحلب، وذلك على صفحتها على وسائل التواصل الاجتماعي بقولها: “تتوالى في الأيام الأخيرة البشائر السارّة من سورية، ومن حلب تحديدًا، حيث يتقدّم الجيش العربي السوري في الأحياء الشرقية للمدينة، ويطهّرها من رجس الإرهابيين التكفيريين ومجموعات قررت الانضمام إليهم ببيانات رسمية، كما فعل الجيش الحر”، وأضافت: “إنّ عودة حلب إلى حضن الدولة السورية لا تعني، فقط، تحرّرها الميداني من براثن الجماعات الدموية المُؤتمِرة من الخارج، وإنما تُبدّد نهائيًا خطر التقسيم بموجب المخطط الأطلسي الخليجي”.

وأشار يانس إلى أن الأمر وصل “بأحد أعضاء سكرتارية (الحزب الشيوعي)، وهو رجى زعاترة، وبعض من ينتمون إلى (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، إلى اتهام من شارك بالتظاهرة ضد الأسد، بتلقي تمويل من قطر والسعودية، واتهم بعض المناضلات الشيوعيات الفلسطينيات اللاتي أيدن الشعب السوري بشرفهن، تمامًا على طريقة الأسد، وهي مدرسة (التشبيح) نفسها، وهذا الموضوع بات الآن في المحاكم (الإسرائيلية)؛ بسبب هذا الاتهام الذي رافقه قرار فصل من الحزب”.

إلى ذلك يؤكد يانس أن المفارقة كانت بمواقف مجموعة القوى والأحزاب الفلسطينية، التي من المفترض أنها “سخّرت جهدها تاريخيًا لمقارعة الاحتلال، إذ تقوم بضرب صدقيتها على أرض الواقع، وبدلًا من أن تدعم حركة الشارع العربي ضد الطغاة، تحرف البوصلة التاريخية، لتُعيق حركة التاريخ الحتمي، بأن الشعوب هي صاحبة الحق في تقرير مصيرها، والنضال من أجل مصالحها، في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإسقاط منظومة الحكم الشمولي، كما ثار السوريون ضد سفاح دمشق”.

ويرى أن تلك المواقف لهذه المنظومة اليسارية الفلسطينية، تُعدّ تبريرًا لأي عدوان صهيوني مقبل على مناطقهم في الداخل، إذ يُمكن للحركة الصهيونية تشكيل مجموعات إرهابية على طريقة (داعش)، داخل ما يُسمى (الخط الأخضر) في أراضي 1948، للقيام بما تقول إنه حلم إعلان (إسرائيل) دولة يهودية خالية من سكانها العرب الفلسطينيين، الذين يُهدّدون وجودها بذريعة الإرهاب، وهي الذريعة نفسها التي يستخدمها اليسار الفلسطيني في دعم الأسد وعصاباته”، ويوضح أن “تبرير هذا اليسار الفلسطيني لما يجري  في سورية، وفي حلب تحديدًا من تهجير، يُعطي المبرر نفسه والشرعية لقوات الاحتلال، في ممارسة كل أشكال القتل والتهجير بحق الشعب الفلسطيني في الداخل”، وعلى هذا يخاطبهم يانس “لا تُشرّعوا القتل والإجرام والمذابح؛ لأنها سترتد عليكم جحيمًا، قفوا مع حرية الشعوب أولًا؛ لكي لا تستغيثوا بعدها وتسألوا -أين الملايين- لأن الشعوب، إن استمرت هذه الحال، ستصبح تحت أنقاض الهمجية الدولية، التي شطبت حق الإنسان في الوجود على أرضه التاريخية، كما حصل في فلسطين في عام 1948 وفي حلب 2016”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق