أدب وفنون

من حكايات فرفور الذي ذنْبُه مغفور

كان ياما كان…

كان في مدينتنا التي يسودها العدل ولد مدلل، أبوه مسؤول كبير… كبير. تستطيع القول إن رأسه ينطح السماء، وكلمته لا ترد، وكان أهل مدينتنا يطلقون عليه لقب “فرفور الذي ذنبه مغفور” لما له من أياد بيضاء في رعاية مصالح الناس. وكان الولد يعيش على حل شعره -كما يقول أخوتنا في مصر- إذا أراد لبن العصفور وقف رجال أبيه أمامه باستعداد و “شبيك لبيك لبن العصفور بين إديك”.

في يوم من الأيام، واليوم أبرك بحضوركم. ضاقت أخلاق الولد، فكل وسائل التسلية التي يمتلكها لم تفلح في تبديد ضجره، فخرج يتفسح في سيارته الشبح التي لا تؤذي النملة، علّه يروّح عن نفسه، ويشاهد في شوارع المدينة ما يبهجه ويذهب بملله وسأمه.

وفيما كان يسوق سيارته بكل اتزان ورصانة، (بسرعة لا تزيد عن المئة والخمسين كيلو متر في الساعة) أبصر فتاة تسير على الرصيف، شقراء جميلة تأخذ العقل، تمشي دون أدنى اهتمام بمشاعر السائقين الذين اعتادوا المرور على الرصف بسياراتهم في كثير من الأحيان. فطار صوابه؛ إذ كيف تسير هذه الفتاة على الرصيف المخصص للسيارات، وتترك الشارع بعرضه واتساعه.

ولأنه فرفور ابن فرفور صعد بسيارته على الرصيف كما هو معتاد، متتبعًا الفتاة، لا بقصد التحرش، وإنما كي يأمرها بالسير في الشارع المخصص للمشاة، لكن المصادفات أرسلت في طريقه شابًا لم يتقيد بقواعد السير هو الآخر، فترك الشارع باتساعه، وحشر نفسه على الرصيف بين البضائع المنتشرة طولًا وعرضًا، وبين السيارات المرصوفة على الرصيف. فأخذ الصبي ذلك الشاب في طريقه، مع مجموعة من البضائع المعروضة، ومضى كأنه قد داس قطة من القطط السوداء الشاردة.

وحينما علم فرفور الأب بالأمر أصابه الكدر لهذا الفلتان الأمني، وعدم مراعاة قواعد السير؛ إذ كيف يسير الناس على الأرصفة ويتركون الشوارع الفسيحة يلعب بها الهواء. فلماذا تشق الحكومة الشوارع وتنفق عليها ما فتح ورزق من أموال الخزينة، أبعد كل ذلك يتركها الناس ويتمخترون على الأرصفة. دون أي اهتمام بمشاعر السائقين!!

خلاصة الأمر أرسل فرفور الأب رجاله، وقبضوا على والد الشاب الضحية، وأودعوه السجن بتهمة أنه لم يحسن تربية ابنه الذي خالف -في وضح النهار- قواعد السير المعمول بها في المدينة.

وبلا طول سيرة، فبعد محاولات ووساطات ومداولات رق قلب فرفور الأب، وأفرج عن الرجل والد الضحية بكفالة. وقام رجال فرفور بإقناعه بالتي هي أحسن أن يعترف بأن المسؤولية تقع كاملة على عاتق ابنه الذي رمى بنفسه أمام السيارة، وعلى الأب أن يوقّع تنازلًا عن المطالبة بدم ابنه.

ولأن فرفور الأب غفور رحيم، فقد غفر للأب غلطته في عدم تربية ابنه، وعفا عنه بعد وساطات كثيرة. وفوق ذلك نقده خمسين ألف ليرة عدًا ونقدًا ثمنًا لدم ابنه.

وحين رفض الأب استلام المبلغ، أفهمه الرجال أن هدية مولانا لا ترد وإلا. فخرج الرجل حامدًا شاكرًا وهو يردد:

من وقع تحت حكم فرفور أصبح دم ابنه مهدور.

أبعد ذلك تقولون إنه لا يوجد عدل في مدينتنا. حرام والله!

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: my response
إغلاق