ترجمات

نيويورك تايمز: “تحالف لإزعاج الغرب”

عندما اغتال ضابط شرطةٍ تركي، أندري كارلوف، سفير روسيا في تركيا، يوم الإثنين 19 كانون الأول/ ديسمبر، بانت العملية للحظةٍ كما لو أنَّ العالم كلَّه اهتز، حيث وقعت الجريمة في وقتٍ من عدم الاستقرار العالمي، وسارع بعض المراقبين إلى التذكير ببدايةِ الحرب العالمية الأولى.

 

الحقيقة، وعلى الرغم من أنَّ العلاقات الهشة بين روسيا وتركيا في السنوات الأخيرة، لكن من غير المرجح أن يؤدي الاغتيال إلى مزيدٍ من التوتر بين البلدين، وفي الواقع، فإنه من المحتمل أن يدفعهم إلى التقارب، حيث تدرك موسكو أنَّ هذه هي الفرصة المثالية لجذب تركيا ضعيفةٍ، وغير مستقرةٍ، إلى المدار الروسي.

 

اغتيال السيد كارلوف ليس هو الاختبار الأول للعلاقة التركية-الروسية، فالحرب في سورية، حيث تدعم روسيا حكومة الرئيس بشار الأسد، وتدعم تركيا الجماعات المتمردة، قد هدّدت بجرّ القوتين التاريخيتين نحو المواجهة.

 

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015، أسقطت القوات الجوية التركية طائرةً روسية بالقرب من الحدود السورية، وهي المرة الأولى التي يحدث وأنْ يطلق النار عضوٌ في منظمة حلف شمال الأطلسي على طائرة روسية منذ 50 عامًا، اشتبكت في إثرها الدولتان في حرب كلامية لعدة أسابيع.

 

لم يتم التصعيد أبدًا، وبدلًا من ذلك، في حزيران/ يونيو، اعتذر الرئيس رجب طيب إردوغان من نظيره الروسي، فلاديمير بوتين عن الحادث، حيث كوفئ السيد إردوغان في الشهر التالي، على الأقل وفقًا للقصة المقدمة من كلا الحكومتين، حيث كان السيد بوتين أوّل رئيس دولةٍ يقف مدافعًا عنه بعد محاولةِ الانقلاب الفاشلة. ومنذ ذلك الحين، تحسنت كثيرًا العلاقات بين البلدين، لكن استقرار تركيا، من ناحية أخرى، هو الذي تدهور.

فلاديمير بوتين، إلى اليسار، ورجب طيب إردوغان في اسطنبول في تشرين الأول/ أكتوبر، ميخائيل سفيتلوف/ صور غيتي

 

وقد كشف اغتيال السفير الروسي في قلب العاصمة التركية عن مدى السوء الذي أمست فيه الأمور، فبعد محاولة الانقلاب، بدأ السيد إردوغان بعمليةِ تطهير واسعة النطاق لمؤسسات الدولة، فسرح آلافًا من ضباط الشرطة والاستخبارات المخضرمين أو سجنهم، ووفقًا لبعض التقارير، فقد تم سجن ما يقرب من نصف جنرالات الجيش، وصار سلاح الجوّ إلى حدٍّ كبير متعطل.

 

وفي الوقت نفسه، تخوض تركيا حربًا لا يمكن الفوز فيها، على ثلاث جبهاتٍ في سورية: تدعم أنصارها المتمردين في معركتهم ضد حكومة الأسد، وتشارك في العمليات ضد الدولة الإسلامية، والأكثر أهمية بالنسبة إلى الحكومة التركية، أنها تحاول الحد من مكاسب الجماعات الكردية.

 

ونظرًا إلى جميع هذه القيود، ستجد روسيا من السهولة أن تضغط على تركيا؛ فروسيا عازمةٌ على فرض نفسها قوةً وسيطة أساسية في سورية، ومعروفٌ جيدًا أنَّها في طريقها إلى تحقيق هذا الوضع، بعد أن ساعدت تمامًا حكومة الأسد في تحقيق انتصارٍ كبير في حلب، ولكن من أجل تعزيز قوتها، تحتاج روسيا إلى موافقةٍ تركية. وهناك دلائلٌ على أنَّ تركيا تدخل الآن في صلبِ العملية.

 

أشار قاتل السيد كارلوف إلى أنَّ دافعه هو قصف روسيا على حلب، بينما أعلن جيشُ الفتح، وهو جماعةٌ جهادية سورية، مسؤوليته عن القتل، ومع هذا كانت حكومة السيد إردوغان سريعةً في استبعاد قضية سورية، وبدلًا من ذلك، أشارت السلطات التركية بأصابع الاتهام الى فتح الله غولن، وهو رجلُ دينٍ مقره في ولاية بنسلفانيا، ومتهمٌ بتدبير محاولة انقلاب تموز/ يوليو ضد إردوغان. في الرواية التركية الرسمية، اتهام السيد غولن بالإرهاب يُلمح عادةً إلى لومٍ موجّه إلى الولايات المتحدة، إذ كانت الحكومة التركية والولايات المتحدة قد تصادمتا مؤخرًا حول الدعم الأميركي للأكراد في سورية، وكذلك حول طلب تسليم السيد غولن إلى تركيا.

 

كانت الحكومةُ الروسية سريعةً بالمثل في التقليل من حدة التوتر مع تركيا في أعقاب الاغتيال، واعدةً بالعمل مع تركيا للتحقيق حول القاتل، والعمل معًا لمحاربة الإرهاب، فهي تعرف أنَّه لا ضرورةَ الآن لاستعداءِ أنقرة، حيث توددت لها بدلًا من ذلك، وبعد يومٍ من اغتيال السيد كارلوف، استضافت موسكو اجتماع قمةٍ مع تركيا وإيران لمناقشة مستقبل سورية.

 

يجب أن تُقلق هذه الحالة الولايات المتحدةَ وحلف شمال الأطلسي، فهدف السيد بوتين النهائي ليس السيطرة على سورية فحسب، وهو ما يفعله، ولكن خلق تصدعاتٍ في تحالفات الغرب أيضًا. كان مريحا أنَّ اغتيال السيد كارلوف، كما خشي الكثير من الناس، لن يؤدي إلى النزاع بين روسيا وتركيا، لكن فكرة أن تجد حكومة السيد إردوغان الضعيفة نفسها تابعةً للكرملين، بدلًا من المحافظة على تحالفها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، هي أيضًا مثيرةٌ للقلق.

 

اسم المادة الأصلي An Alliance to Worry the West
الكاتب* جنكيز جاندار، CENGIZ CANDAR
مكان النشر وتاريخه نيويورك تايمز، The New York Times

23-12-2016

رابط المقالة http://www.nytimes.com/2016/12/23/opinion/an-alliance-to-worry-the-west.html
ترجمة أحمد عيشة

 

جنكيز جاندار: كاتب عمود في المونيتور، أستاذ زائر متميز في جامعة ستوكهولم، معهد الدراسات التركية ومؤلف كتاب “بلاد ما بين النهرين تعبر: رحلة في التاريخ.”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق