قضايا المجتمع

“اقتحام طوعي” للمعهد العالي للفنون المسرحية

بعنوان “السادة العاملون وأعضاء الهيئة التدريسية في المعهد العالي للفنون المسرحية”، وجّهت جيانا عيد كتابًا داخليًا، بصفتها عميد المعهد العالي للفنون المسرحية، تقول فيه: “على الراغبين بالتطوع في الفيلق الخامس (اقتحام طوعي)، تسجيل أسمائهم لدى السيدة مديرة الشؤون الإدارية والقانونية خلال يومين.

هنالك مقولة يحبها المسرحيون، تقول: “أعطني مسرحًا وخبزًا أعطيك شعبًا عظيمًا”، ليس مهمًا لمن هذه المقولة التي لم يُتفق على مصدرها وصاحبها، إن كان شكسبير أم افلاطون أم غيرهما، لكن -بالتأكيد- لم تقلها راعية الثقافة السورية لعقود، نجاح العطار، ولا النمر سهيل الحسن، وليست من مفردات راعية الإعلام والسياسة والترجمة، بثينة شعبان، التي أبدع خيالها قصة ساقت فيها أطفالًا من الساحل السوري، في مؤتمر مسرحي صحافي بسيط، إلى الغوطة الشرقية تحت جنح الليل، ليستعمل الإرهابيون السلاح الكيماوي عليهم.

بالتأكيد لم تقلها أيضًا جيانا عيد، بصفتها عميد المعهد، ورئيس “مكتب الجاهزية”، بحسب ما ورد في الكتاب، هذا المكتب الذي لا نعرف -أيضًا- من أين جاء، وما دوره، وأي جاهزية يقصدها، لتترأسها بصفتها تلك، هل هي مسرحية أم موسيقية، أم قتالية أم أمنية أم سياسية، حيث يمكن لأي باحث أن يستعمل أدوات البحث المتاحة كافة؛ ليفهم أي جاهزية، وعلى الأغلب سيجد أن نتائجه لن تتعدى قطع الطريق الفاصل بين المعهد العالي المسرحي بدمشق، ومكتب وزير الدفاع إلى اليمين منه، والتلفزيون السوري وإدارته يسارًا.

طلب عيد -هذا- يستند إلى كتاب وزارة الثقافة برقم وتاريخ، وإلى كتاب وزارة الإدارة المحلية، أيضًا برقم وتاريخ، وهنا جزء من الجاهزية الضمنية للموسم المقبل، ففي الجاهزية يمكن القول إنه استنار كذلك بالأفرع الأمنية القريبة منه، ومن دار الأوبرا، وبدار الأسد للثقافة والفنون، المقابلة له، بثقافتها البناءة والمعهودة من معسكرات طلائع البعث، مرورًا بمهرجان مبتكر جديد بعنوان “ألوان وحب” لـ “فريق شباب دمشق التطوعي”، قبل أكثر من شهرين، وصولًا إلى ثقافة اللطم الشرقية في سوق الحميدية، وجامع بني أمية لتكتمل فيالق التطوع.

الفيلق الخامس (اقتحام طوعي) الذي ابتدعه النظام السوري، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي؛ “استجابة للتطورات المتسارعة للأحداث، وتعزيزًا لنجاحات القوات المسلحة، بمهمة القضاء على الإرهاب، لإعادة الأمن والاستقرار إلى كامل أراضي الجمهورية العربية السورية”، وبحسب وكالة أنباء النظام (سانا)، يمكن لمن يرغب في التطوع، مراجعة القطع والقيادات العسكرية في المحافظات، والآن يمكننا القول بحسب كتاب عيد، فإنه بإمكان الأخوة المواطنين مراجعة (المعهد العالي للفنون المسرحية) للاستنارة.

أوضحت (سانا) أنه “يحتفظ العاملون في الدولة، إضافة للرواتب التي سيتقاضونها من الفيلق، بجميع الحقوق والمزايا التي يحصلون عليها في أماكن عملهم، من راتب وعلاوات وترقيات وحوافز”.

يقول وزير إعلام هتلر، جوزيف غوبلر، “أعطني إعلامًا بلا ضمير، أعطِك شعبًا بلا وعي”، فكيف إن امتلك نظام كنظام الأسد أيضًا، إضافة إلى هذا الإعلام، مؤسسات تعليمية وثقافية وفنية واقتصادية ودينية وإدارية وغيرها بلا ضمير، وأي مجتمع وشعب سينتجون.

ذكر ناشطون أن أئمة المساجد أخذو يدعون الشباب -عبر المآذن وخطب الجمعة- للتطوع في الفيلق الخامس، وإغرائهم بالمزايا التي ستقدم لهم.

كذلك عمد النظام خلال الشهرين الماضيين إلى متابعة الموضوع، من خلال توجيه رسائل نصية على الهواتف المحمولة، تدعوا الشباب للتطوع في الفيلق، بما فيها تلك المناطق التي أجرت مصالحات وهدن مع النظام بجوار دمشق، فقد وجه الدعوات إلى المتخلفين عن الخدمة، والمنشقين وغيرهم، لتصحيح أوضاعهم والالتحاق بهذا الفيلق.

من الواضح أن النظام يفتقر إلى العدد البشري في صفوفه، ويحاول -بجميع الطرق والوسائل- تجميع ما يستطيع من أفراد، وذلك ضمن مسميات مختلفة، ابتدأت باللجان الشعبية، ثم الدفاع الوطني، وصولًا إلى مجاميع المرتزقة العديدة التي تمولها إيران، وتستقدمها من لبنان من تبعية ميليشيا “حزب الله”، وميليشيا “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، وكذلك من العراق وأفغانستان وإيران وغيرها؛ لتعويض النقص في صفوف قواته وخسائره البشرية الكبيرة.

من المرجح أن تشكيل ما يسمى “الفيلق الخامس- اقتحام” في هذا الوقت، كان استباقًا لما يجري تحضيره من وقف لإطلاق النار الذي خرج أخيرًا باتفاق ورعاية روسية – تركية، إذ يذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن هذا الفيلق سيسير في المرحلة المقبلة على طريقة ما يسمى “الحشد الشعبي” العراقي، الذي أسسته إيران وموّلته، ثم فرضته -لاحقًا- بقرار من البرلمان على الجيش العراقي، وهي الآن تموّل وتدرب وتوجّه عمل الفيلق الجديد، لاستعماله واستهلاكه في مرحلة مقبلة.

في بلد يعمل معهدها المسرحي شعبة تجنيد، أو فرع أمن، وكان بعض الفنانين فيه قد طالبوا نظامهم باستعمال كل الأسلحة الممكنة، وحرق الشعب الذي أقلق ارتزاقهم، متناسين أنه بطيبته جعلهم نجومًا، بل بعضهم زار سفارات روسيا وإيران، شاكرًا فضلهم في تدمير المدن والبلدات، وزيادة عدد المقابر السورية، وزرع الفتن الطائفية في المجتمع.

هنا، حيث عرض مسرحي يرقص الجار فيه على جسد جاره، وهو يسأله إن كان يريد الحرية، ويتباهى مخرجه الدرامي الاستثنائي، نجدت أنزور، بتصويره بين الخراب على أطلال بيوت السوريين، وأحلام الأسر التي تبعثرت، وقطع ألعاب الأطفال المُحطمة، في داريا وحمص وغيرها.

في جغرافيا أجبر فيها النظام نصف شعبه، على الشماتة بتهجير نصفه الآخر، من الطبيعي بل والضروري أن يكون مسرحه العالي، وبرلمانه، ووزراؤه، والمنتسبون إلى فيالقه، يناسبون عنوانًا يقول: “اقتحام طوعي”، ويشبه عقلهم الذي أبدع تلك المرحلة المريضة من الوعي السوري، دون أن يسألوا أنفسهم السؤال البسيط، اقتحام من؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق