سورية الآن

2016 عام سقوط الغرب

إذا كان القرن العشرون قرنَ قيام «الدول» القوية، بصنوفها، من توتاليتارية، إلى ديموقراطية، وليبرالية ومذهبية… فإن القرن الحادي والعشرين هو زمن تهاوي الكثير من بنى هذه الأنظمة والدول والاتحادات، أوروبية كانت أم عربية، أم أفريقية. القرن العشرون هو زمن الثورات الثقافية (ماو تسي تونغ)، الشيوعية البولشفية (لينين – تروتسكي)، القومية (مصر، العراق، سوريا، ليبيا) والأدبية (المستقبلية، الدادائية، السوريالية)، الفنية (التكعيبية، الفوضوية، الوحشية) والفلسفية (الوجودية، العبثية…) والسينمائية (الموجة الجديدة في فرنسا، ابداع أورسون وايلز في «المواطن كين»، والمسرحية (المسرح الجديد في فرنسا ونظريات انطوان ارطو، وغروتوفسكي وستانسلافسكي وبرشت وصولًا إلى جان ڤيلار)، والروائية (الرواية الجديدة في فرنسا ميشال بوتور… وقبلهم جيمس جويس في «يوليس» من دون أن ننسى ماركيز في «مئة عام من العزلة»… وصولًا إلى «رفع الروايات البوليسية إلى مستوى الأعمال الإبداعية). لكن القرن الحادي والعشرين كأنه نهاية أو انحسار أو تراجع هذه الظواهر التغييرية والحداثية والثورية في مختلف الأنواع. اندثرت هذه الظواهر التي كانت تعبر عن التجاوز الدائم واجتراح الجديد وتعددية الاتجاهات بين النخب والشعوب. ونظن أن هذا النتاج ليس سوى الاستمرار الإيجابي الخلاق للتنوير على امتداد أكثر من 150 عامًا في أوروبا وسواها… ويمكن إحالة ذلك، في فوراته وتجلياته على المنعطفات التي حققتها الثورة الفرنسية كمرجعية في نهايات القرن الثامن عشر.

لكن إذا نظرنا إلى الأحوال اليوم، نكتشف أن كل تلك الإنجازات كأنما انتهت صلاحياتها. نكاد نقول إنه لم يتبق شيء منها. وهذا العام بالذات يمكن أن تسمع نواقيس نَعيها من روسيا إلى الولايات المتحدة، إلى أوروبا… فإلى الصين… وصولًا إلى العالم العربي. ومراسم الجنازات، ينظمها، بكل دراية، و«أسف» ما أفرزه «هذا اللاشيء» في هذا القرن. تصفية بضائع النهضة. إطفاء مصابيح التنوير. دفن الديموقراطيات العريقة، ضبابية المفاهيم؛ ومن الطبيعي، أن تطلع من هذه «الفراغات» الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، العولمة التي توّجت هذا الزمن اليتيم؛ ومن الطبيعي، ان يُعبّئ الفراغ المشرّع كل ما كان، تحت رماد السنوات والقرون من أساطير وغرائز ولاعقلانية وأصولية وشعبوية، وعنصرية، ومذهبية وارهاب دول وأحزاب وجماعات. كأننا اليوم في عامنا الصفر! لا قبله «موجود» ولا بعده «مولود» وإذا «وُجد» شيء فيبدو وكأنه من أشباح مُهوّمة، وإذا تراءى ماض فَمُجلبَب برائحة الكهوف والقبور والموتى. نعم! قد يكون وراء كل موت قيامة ما: لكن هذه المرة، لم تكن القيامة لا من الأفكار الجديدة ولا من الثورات الحداثية ولا من الرؤى الجديدة بل كانت قيامة الموتى. وقيامة الموتى هي التي تحفر قبول الأحياء والوجود؛ قبور الموتى تطلع العدم. تخلخلت الأسس «المتينة» الصلبة، فهرهرت البنى وما ارتفع فيها وعليها وحولها. أهو الإنسان الجديد؟ إنسان عام الصفر؟ الإنسان المقولب، السادر، الغائب؛ إنسان الهوية الأحادية والفكر المطموس والعقل الشعبوي.

الاقتلاع:

لكن الغريب أن نشهد، وفي عام 2016 بالذات تكريس الظواهر الاقتلاعية كبدائل من البنى التاريخية المفتوحة. لكن الأغرب ان يتم القفز فوق القرن الماضي إلى قرون سابقة: كأن القرن العشرين بات هاوية، مخيفة وصحراء وجسورًا مقطوعة عن الحاضر. إلا، ما يتصل بجوانبه المظلمة وحروبه وطغاته وانقلاباته ومجازره. سقط كل ما كان يضيء فيه وطلع كل ما كان يُظلم: من دكتاتوريات توتاليتارية مادية – تاريخية إلى توتاليتاريات مذهبية، وعرقية وعنصرية واثنية ومن أنظمة ديموقراطية استلهمت حقوق الإنسان، والانفتاح وزوال الحواجز بين الشعوب، إلى أنظمة تشبه هياكل الموتى، مفرغة من مضامينها الإنسانية والاجتماعية والثقافية وحتى السياسية! فما تناثر من حطام القرن الماضي بات من أسس النظام العالمي، وما كان من سقط المتاع بات من لوازم الضرورة.

المستور:

ونظن أن عام 2016 كشف كل ما هو مستور، وخبيء في تلابيب المتون والأعراض والظواهر… وما كان صانعًا للعالم الجديد بات من كسور ما تفبركه مصانع العولمة والتكنولوجيا والأوطار السياسية وهنا يتساءل المرء: ماذا تبقى من عمليات الانتخابات في الغرب ربما لا شيء، وربما بعضها. لكنها لم تعد التعبير التمثيلي والشعبي والفكري والاجتماعي: كأنما نافستها الاستفتاءات التي تشوش إرادات الأفراد وتطمس تميزات الناس، حتى هذه الاستفتاءات (التي أخرجت إنكلترا من أوروبا) أصيبت بنكسة إذ تساقطت توقعاتها على أبواب صناديق الاقتراع. هذا ما حصل في الانتخابات الأميركية عندما أجمعت كل الاستطلاعات والمنابر الإعلامية والنشرات والآراء على «حتمية» فوز هيلاري كلينتون، ففاز ترامب. وهذا ما حصل في انتخابات الدورة الأولى لليمين الفرنسي، حيث أظهرت الاستطلاعات أن جوبيه يتصدر الطليعة ومنافسه فيون في المرتبة الرابعة، ففاز فيون. وهذا يعني سقوط المرجعيات السياسية وغربتها عما يجري في صفوف الناس وفي سرائرهم وفي مواقفهم.

وإذا عدنا إلى الثورة السورية، نجد ان بشار الأسد كان قد أجمع الكل على قرب سقوطه، من الجامعة العربية إلى الأمم المتحدة إلى وسائل الإعلام؛ لكن المفاجأة جاءت من خارج التوقعات: من بوتين وقبله خامنئي ووراءهما حزب الله والحرس الثوري… وكلنا يذكر أن العديد من الدول العربية والأجنبية اعترفت بالثورة في بداياتها، ومعتبرة ان بشار الأسد طاغية ومجرم حرب وغير شرعي. لكن فوجئنا، بأنه تمّ تحّولٌ واكب الحروب الميدانية، وتفوق السلاح الروسي المتطور على أسلحة المعارضة التقليدية والمتواطئة وإنقاذ الأسد… وأخيرًا سقوط حلب. ونظن أن الغرب بمؤسساته وأنظمته سقط قبل سقوط حلب. وسقوطه بالذات هو سبب «انتصار» الطغاة والمحتلين والمرتزقة لا شيء سوى زجليات أسف، واستنكارات خجولة أمام هول الوحشية والبربرية التي مارستها روسيا! وخامنئي وروافدهما على أهل حلب، وما أدى ذلك من تدمير يذكّر ببرلين بعد الحرب العالمية الثانية، ومن تهجير، ومن قتل على الهوية ومن احتمالات قيام تقسيمات ديمغرافية لهذا البلد العربي العريق. إذًا أين كان العالم؛ الجواب: لم يعد هناك من عالم، ولا نُخَب سياسية وثقافية واجتماعية. تأملوا أننا لم نشهد تظاهرة واحدة لا في أوروبا ولا في الأميركيتين ولا حتى في العالم العربي تندد بالوحشية التي مورست على الشعب السوري! ذلك ان نظام القيم قد تخلخل. فلا التزام بحقوق الإنسان ولا بحدود الدول ولا حتى بالدول، ولا بأرواح الناس؟ أين تلك النخب؟ أين اختبأت؟ فكثيرها انحاز إلى هذه الأنظمة التي تحتل سوريا ولو التزم هؤلاء الصمت ولو المتواطئ لكان أفضل. لكن هاهم، ينحازون إلى بشار الأسد. راجع المجلات الفرنسية وصحفها وأبعد من ذلك تكتشف مدى تراجعها، حتى عن أصولها المهنية، والإنسانية. فها هو المرشح للرئاسة الفرنسية فيون يصرح بأنه تجب إعادة فتح السفارة السورية في باريس، والتنسيق مع الأسد. وردًا على سؤال: «كيف تؤيد هذا الرئيس الذي ذبح شعبه وهجره؟ ليجيب «إنها الحرب» هكذا بكل صلف، وفوقية ولا إنسانية! وذلك لأن فيون ولوبان واليساري ميلانشون، يتمتعون بمواصفات مشتركة: الشعبوية، معاداة الإسلام، تأييد النظام السوري ومديح بوتين: انهم ثلاثة مرشحين أساسيين للانتخابات الرئاسية. وهنا بالذات نسأل أين اليسار العالمي، أين تبخّر؟ ونتذكر الحزب الاشتراكي الفرنسي فلا نجده مختلفًا لا عن اليمين (القومي – المتعصب) ولا عن اليمين المتطرف (لوبان..) ولا عن الظواهر الاستبدادية وما يجمع هؤلاء من يمينهم إلى يسارهم هو تدمير كل القيم التي صنعت فرنسا والغرب. وهنا تسأل ما هي أفكار فيون ومكرون ولوبان… وملحقاتهم في الصحافة لتجد انهم ناس بلا أفكار ولا مبادئ ولا رؤى. وهنا بالذات نقصد سقوط النخب السياسية والثقافية (الغائبة) والاجتماعية. ويعني ذلك، كما بدا في وقائع عام 2016 (وما قبله) أن الحياة السياسية نفسها انتفت في ظل غياب الصراع الفكري، والحزبي (ما دامت الأحزاب متشابهة فمن يصارع من سوى على الانتهازية والنرجسية والنجاح بأبشع الوسائل) فلا ديغول، ولا ميتران ولا شيراك… ولا أحد! النخب اليوم في نقطة الصفر ليس فقط على الصعيد المطلوب منهم بل على الصعد الأخلاقية والقيم فكأنما سقوط جدار برلين لم يُسقط فقط الاتحاد السوڤياتي بل الثورات (التي كانت آخرها ثورة أيار 1968). سقطت النخب والدول والأفكار مع سقوط ذلك الجدار ليتحول كل شيء إلى «قطبية» ما سميت «نهاية التاريخ» ووصول «حروب الهويات» و«الحروب المذهبية والعنصرية».

لكن، هناك ما يوحي بأكثر من ذلك كمستلحقات بدأت ملامحه في 2016 في فرنسا، وقبله في روسيا بوتين، وإيران الملالي والقاعدة… إنها صحوة «الأديان» البيضاء والصفراء والخضراء… والحمراء. ففي فرنسا اليوم صحوة الكاثوليكية البيضاء التي ساهمت في إنجاح ابنها البار فيون وبدأت تتململ بعد رقاد طويل لتحتل دورها السياسي. وهناك الإنجيليون في أميركا يشمرون عن سواعدهم، ليحتلوا مزيدًا من المساحات السياسية والنفوذ بعد فوز ترامب. وهناك «الأرثوذكس» الروس الذين «استرجعوا» هويتهم بعدما أبادها ستالين والنظام الشيوعي لرفع راية العلمانية «التوتاليتارية». لا يخفى على أحد ان بوتين فعل كالسادات بعد عبد الناصر: أيقظ «الهوية الدينية» لتدعمه مؤسساتها الكنسية… والسادات أيقظ الفتن الدينية والإسلام المتطرف لمحاربة الشيوعيين واليسار والقوميين والناصرية من دون أن ننسى تنامي التطرف الديني في إسرائيل بعد مرحلة «الصهيونية».. فكأن كلها ظواهر داعشية بجلابيب مختلفة.

حروب الطوائف العالمية:

فماذا، ضمن هذه «الانبعاثات» لو تنكبت كل طائفة من هذه الطوائف مهمة استعادتها لمواقعها في القرون الوسطى وبعدها على طموح ان تتحول «قوة عالمية« أو مسيحية عالمية مثلًا كما يطمح «الإخوان المسلمون» و«داعش» والنظام الإيراني: من الإسلام العالمي إلى الكاثوليكية العالمية، أو الأرثوذكسية العالمية، فعندها تستيقظ كل الشياطين ويعود العالم إلى الحروب الدينية بامتياز وتجديد أنواع من الصليبية شبيهة بـ«صليبية» إيران أو «الأخونجي» ضد بعضهم، عندما ينقسم العالم إلى دول ومشاعات، بلا حدود، ولا أنظمة، سوى أشكال قاتلة من الهويات «التجريدية» والانتماءات المشوشة لتبرز كذلك أنواع من النرجسيات «الإلهية» أو «الشعبويات» المذهبية التي لا تؤدي سوى إلى خراب ما تبقى من هذا العالم؟
قد يكون ما نقول نوعًا من الاستيهام أو المبالغة، أو «المخيلات» لكن ما حصل في 2016 وما قبلها، حقق ما كان من غير الممكن تحقيقه، وظهر أمام العيان ما كان مستحيلًا ظهوره. فعندما تدب الفوضى في العالم ما بين «الأديان السياسية»، والأحزاب والتنظيمات والدول فهناك يكون الفراغ المدوّي بالخراب.
فسقوط العراق أيام بوش الابن نتيجة غزوته وتسليمه بكليته إلى إيران، كان ابعد من المستحيل، وتحقق. وأبو كاليبس حلب بعد صمود الثوار في وجه أربع دول عاتية: النظام السوري وإيران وروسيا واسرائيل كأنما أولًا هي أحلاف «متباعدة» توحدت بمجازرها ودمرت حلب بأهلها وتاريخها!

فسقوط حلب كسقوط فلسطين وغزو إسرائيل لبنان عام 1982 وهزيمة العرب 1967…. كلها كانت ممهدات لما يحصل اليوم وتتلخص بنهاية شيء في العالم وبداية اللاشيء: اللاعدالة المطلقة، الفوضى، انهيار القيم، خيانة الغرب مبادئه… فما الفارق عندها بين سقوط فلسطين 1948 وسقوط حلب 2016… لا شيء سوى الزمن وسوى تطور مشاعر الخروج من الإنسانية إلى عصر البربرية!

نكاد ننسى فلسطين؟ ربما! لكن سقوط حلب في أيدي الطغاة، سيذكرنا بها… وسيجعلنا نتوقع مزيدًا من «المفاجآت» والتحولات التي لن نكون فيها سوى في صفوف الضحايا!.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق