أبحاث ودراسات

من قديمنا الجديد بمناسبة مشروع الدستور “الروسي” لسورية

أسرة تحرير (جيرون)
بمناسبة الحديث عن مشروع دستور “روسي” وضعي لسورية، وقناعة منا بالمبدأ الخاطئ الذي يسير عليه الروس، نعيد نشر مجموعة من الدراسات التي قام بها مختصون سوريون، ونُشرت في وقت سابق في صحيفة (جيرون).

 

أيّ دستور يحتاجه السوريون؟
نادر جبلي

(نُشِرَ في 24 تموز/ يوليو 2016 – جيرون)

أكّدت سابقًا أن اهتمام بعض الدول، وعلى رأسها روسيا، بكتابة دستور جديد لسورية، كمدخل لحل الأزمة، أطلق موجة من النشاط اللافت في هذا الشأن، تجلت بأشكال مختلفة: مؤتمرات، ورشات عمل، ومبادرات مكتوبة…إلخ، غلب على معظمها طابع التسرع، ونقص الحِرفية، بصرف النظر عن الأغراض والنيات.

يعترف الجميع باستحالة توفر شرعية وطنية في سورية، في المرحلة الانتقالية، شرعية تتيح إمكانية كتابة دستور، يتوفر على مقومات النجاح، وذلك بحكم استحالة توفر مصادر تلك الشرعية، والتي تنحصر في اثنين: إما انتصار عسكري ناجز، لطرف على آخر، يُقيم شرعية الأمر الواقع، أو إجماع شعبي كبير، يُقيم شرعية شعبية، والاحتمالان كلاهما غير واردين. ولمعالجة هذا الانسداد، يطرح بعضهم فكرة اعتماد دستور العام 1950، بعد استبعاد بعض الأحكام غير الملائمة، ويطرح بعض آخر البقاء على دستور النظام القائم، دستور 2012، مع استبعاد غير الملائم من أحكامه، ويرى آخرون أنه لا بد من دستور، يُفرض من الخارج، طالما أن السوريين غير قادرين على كتابته.

من المعروف أن الدستور وثيقة، تُكتب في لحظة تاريخية معينة، وتعبِّر عن إرادة مختلف فئات الشعب، في العيش المشترك، ورؤيتهم لطريقة إدارة بلادهم، والخروج من صراعاتهم، وتنظيم حياتهم في المستقبل. كما تُحدِّد شكل دولتهم، والمبادئ التي سيقوم عليها نظامهم السياسي، وآليات عمله… إلخ، وهو وثيقة تحاول، قدر الإمكان، تصوير آمال، وتطلعات الناس نحو المستقبل، لكنها، في الوقت نفسه، تنطلق من الواقع، والحقائق الموضوعية على الأرض، وتأخذ في الحسبان أحوال المجتمع، بكل فئاته وقواه وتلويناته، وتعكس حدة الصراع الاجتماعي والسياسي في البلد، وموازين القوى التي تتحكم بهذا الصراع، وتحاول التوفيق بينها. دون المساس بثقافة المجتمع وعاداته وأخلاقياته.

إذن، يُصمَّم الدستور؛ ليلائم البيئة الخاصة التي سيُطبق فيها، ومعطيات اللحظة التاريخية التي يُصمم فيها، وإلا فسيأتي مشوهًا عاجزًا، ومن هنا أقول: لا يمكن أن نطبق -الآن- دستورًا، كُتب في زمن آخر، وفي أوضاع مختلفة، مهما كان جيدًا وناضجًا في حينه، لأن العامل الأساسي في نجاحه، هو مدى قربه ومواءمته للواقع والأحوال، ومدى قدرته على كسب رضا الناس، وليس لحسن محتواه وجدارة كاتبيه.

من هذا المنطلق، فإن أوضاع سورية في مرحلة استثنائية، بكل معنى الكلمة، هي المرحلة الانتقالية، لا تقبل دستورًا لم يُكتب خصيصًا لها، مهما كان شأنه، ودستور 1950، ليس استثناءً من هذه القاعدة.

صحيح أن دستور 1950، علامة فارقة في تاريخ التشريع الدستوري في سورية، ويُعدّ، بمعايير زمانه، دستورًا ديمقراطيًا ناضجًا حضاريًا متقدمًا، وصحيح أنه مِن وضْع جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطيًّا، وأنه يحوز ميزات إيجابية كثيرة، لكنه -بالتأكيد- لا يلائم مرحلة مقبلة، تختلف جذريًا عن المرحلة التي وُضع عنها، وتفصل بينهما مسافة زمنية مقدارها سبعون سنة، (إذا افترضنا أن المرحلة الانتقالية ستبدأ غدًا)، وهي مدة أكثر من كافية، لجعله دستورًا متقادمًا، حتى في الأحوال الطبيعية.

وفي التفاصيل، نجده -أيضًا- غير ملائم، وأسوق بعض الأمثلة؛ فهو يُضعف موقع الرئاسة، سواء بسبب طغيان صلاحيات البرلمان على صلاحيات الرئيس، أم بسبب الخلل في توزيع السلطات بين رئيس البلاد ورئيس الحكومة، ويتبنى أنموذجًا اقتصاديًا، يطغى عليه النفس الاشتراكي، حيث يعزز دور الدولة التدخلي، ويقيد حقوق الأفراد في التملك، ولا يقدم لها الحماية الكافية (يربطها بالوظيفة الاجتماعية وبالمصلحة العامة)، ويُضعف المبادرة الفردية. كما أنه يتبنى نهجًا قوميًا، ويركز على عروبة سورية وعلى الوحدة العربية، وهذه نقطة خلافية يستحيل التوافق عليها الآن، وهو يتحدث عن مؤسسات مالية (ديوان المحاسبات)، أو اقتصادية (مجلس اقتصادي) لم تعد موجودة الآن.

أما دستور عام 2012، دستور بشار الأسد، فأقول – مباشرة- إنه دستور مرفوض جملة وتفصيلًا لغير سبب؛ فهو -أولًا- صادر عن جهة غير شرعية أصلًا، مغتصِبة للسلطة. وهو -ثانيًا- جزء من نظام قامت الثورة لإسقاطه، وهو -ثالثًا- مُصمّم على مقاس فرد مستبد، يضع جميع السلطات في يده، أو تحت رحمته، ويتوِّجُه حاكمًا مطلق الصلاحيات، غير محدود القدرات، غير خاضع لأي حساب، وهو -رابعًا- يفرِّغ المبادئ الدستورية، المبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة، من مضمونها، ويجعلها نصوصًا بلا معنى، ومنها مبدأ فصل السلطات، ومنها مبدأ استقلال القضاء.

أما عن دستور يُكتب، ويُفرض من الخارج؛ فهذا ممكن طبعًا، لكنه سيكون فاقدًا للروح، غير قادر على الحياة، كنبتة غريبة، تُزرع في بيئة لا تلائمها؛ لأن العامل الرئيس في نجاح أي دستور، كما ذكرنا أعلاه، هو مستوى قبول الناس له، وإحساسهم أنه يلائمهم، ويحيط بتطلعاتهم، ويراعي تاريخهم وثقافتهم، وهذا ما لا يمكن لأحد من الخارج الإحاطة به، ومن ناحية أخرى، يمكن القول: إن كتابة الدستور من قبل أبناء الوطن، يحوز أهمية خاصة، لا تقل عن أهمية مضمون الدستور.

يُعبّر الفقيه الدستوري، إسماعيل مرزة، عن ذلك بالقول: “الدستور هو عبارة عن نتيجة تفاعل عوامل عديدة، متأتية من بطون تاريخ ذلك المجتمع السياسي، وعمق عاداته، وصلب أخلاقه ومزاجه، ومرآة نضجه السياسي؛ فكيف يتسنى لأجنبي أن يعبر عن كل ذلك، وهو بعيد عن تفهمه؟”

إذن، لا يمكن لدستور آخر أن يكون على مقاس المرحلة والوضع، كما لا يمكن كتابة الدستور إلا بأيد وطنية، لكن كتابة دستور، بالمواصفات المطلوبة، وبأيد وطنية، تتطلب توفر حدٍ أدنى من الأمن والهدوء والاستقرار والحرية، يتيح للجميع فرصة الانخراط والمشاركة، بعيدًا عن السلاح والتهديد والخوف والتشرد، كما يحتاج إلى وجود نُخب، وتنظيمات سياسية ومدنية وأهلية ناشطة، وهذا يستحيل توفره في بداية المرحلة الانتقالية في سورية، حيث إن نصف الشعب خارج بيوته، وثلثه خارج سورية، وحيث العدم هو سيد الموقف، عدم الأمن وعدم القانون، وعدم الطعام، وعدم العمل، وعدم المدارس، ويحتاج الأمر -بالتأكيد- إلى ثلاث سنوات على الأقل، إذا سارت الأمور على ما يرام. ولا ضير من تأخير كتابة الدستور ثلاث سنوات أو خمس سنوات، حتى تنضج الأحوال، وتتوافر الشروط الملائمة لكتابة دستور، يليق بسورية والسوريين.

أما المرحلة الانتقالية، فتتم تغطيتها دستوريًا، عبر إعلان دستوري مؤقت، يصدر عن السلطة القائمة، يتضمن الأحكام والقواعد والمبادئ، اللازمة والكافية، لتغطية مهام تلك المرحلة، وصولًا إلى إنجاز الدستور العتيد.

* * *

سورية بين دستورين 1973 و2012

حبيب عيسى

(نُشِرَ في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2016 – جيرون)

لقد امتد “الخريف العربي” على مدى عقود، فقد بدأت رياحه الصفراء تهّب على الأمة منذ28 أيلول/ سبتمبر 1961،  تاريخ انفصال “الإقليم الشمالي” عن الجمهورية العربية المتحدة، وتحوّلت رياحُه تلك إلى عواصف هوجاء في أعوام 1967 و1970، وما بعدها، وآثار تلك العواصف المدمرة لم تقتصر على التفريط بالحقوق القومية والوطنية، فلم تكن صفقات “فصل القوات” و”كامب ديفيد” و”وادي عربة” و”أوسلو” والصفقات السرية بين النظام الإقليمي في الوطن العربي ومافيات الصهيونية وقوى الهيمنة الدولية، إلا ما يطفوا من جبل الجليد، حيث طغت مافيات الفساد والنهب والقمع وعصبويات ما قبل المواطنة على كل ما عداها، وباتت الدساتير والقوانين والقضاء والأنظمةُ مجرد واجهات شكلية لعصابات مافوية تنشر المخبرين والعسسَ والقتلةَ في كل الأرجاء، يثيرون الخوف والرعب والاستلاب؛ ما أدى إلى تدمير النسيج الاجتماعي والوطني العربي، واستُدرج -بالتدريج- المواطن العربي من الانتماء للأمة إلى الانتماء لعصبويات الطوائف والمذاهب والإثنيات، وما يعني ذلك من التوحش والتخلف والاستدعاء للطغاة والغزاة، وبالتالي؛ تدمير المؤسسات السياسية؛ وحتى مؤسسات “الدول الفعلية”، فلا المؤسسات التشريعية شرعيّة، ولا المؤسسات التنفيذية مؤسسات دولة، بالمعنى القانوني، وكان من الطبيعي أن يمتد هذا الوباء إلى المؤسسات القضائية، وهكذا كان الانتقال من ذلك الخريف المرعب إلى شتاء عربي حُلمًا يراود أبناء الأمة، على الرغم من إدراكهم أن عواصفه قد تكون أشد أثرًا، ومخاطره بالغة التدمير، قد تصل حد مخاطر الزلازل، لكن، إذا كان لا بد من عبور هذا الشتاء القارس في الطريق إلى “ربيع عربي” فليكن، بل، ومرحّبًا به فالطغاة والغزاة لم يكتفوا بحافة الهاوية، وإنما يسعون لإلقاء الأمة إلى قاع الهاوية…!

 “رياح قرطاج”

هكذا كان “الربيع العربي” حلمًا على الرغم من وعورة الطريق إليه، وهكذا عندما انطلقت الرياح باتجاهه من قرطاج في أواخر عام 1910 خفقت له القلوب العربية من المحيط إلى الخليج العربي، على الرغم من المخاوف الذاتية والموضوعية من وعورة المسالك إلى ذلك “الربيع العربي” الذي طال انتظاره، خاصة أن سلطات الخريف المنوه عنه كانت قد جردّت المجتمع العربي من جميع الوسائل والأدوات التي تقود إلى “ربيع عربي”، عبر مسارات آمنة، فلا أحزاب، ولا قوى منظمة، ولا نقابات، ولا دساتير تُحترم ولا قوانين تُراعى ولا قضاء عادل مستقل، وبالتالي؛ كان السبيل الوحيد إلى الحرية هو حالات الانفجار الجماهيري التي تريد الانعتاق من القيود التي تكبل إرادتها، لكنها في الوقت ذاته لا تمتلك الرؤيا والأدوات والوسائل والأسلحة لمواجهة المخاطر التالية، والأهم من ذلك، لا تمتلك البوصلة لتجاوز حقول الألغام التي زرعها الطغاة والغزاة في أرجاء الوطن العربي، ومن ثم لا تمتلك أدوات إشادة البناء العربي الذي تريده هي في اليوم التالي لسقوط الطغاة، لهذا كان نشيدها الوطني: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وعندما بدأ ذلك النظام “اللانظام” يتهاوى في بعض الأجزاء العربية، بدأت تلك الجماهير العربية تسترخي، وانشغلت بالاحتفال بتلك الانتصارات في بعض الأجزاء العربية، بينما كانت قوى التخلف التي كانت الضامن الاحتياطي لتسلط الطغاة والغزاة تستعد لتصدّر المشهد، وقي الوقت ذاته، غاب عن جماهير ميادين الحرية أن هذا “الربيع العربي” إما أن ينتصر بين المحيط والخليج، وإما أنه سيُهزم بينهما، ذلك أن الطغاة والغزاة في باقي الأجزاء، سينقضّون على ميادين الحرية ويعيدون طغاة جدد إلى الكراسي الشاغرة، وهكذا بدأت قوى الردة والتخلف، بالتكامل مع قوى العدوان الخارجي، متعدد الأطراف، الإعداد لهجوم مضاد، فهي تعرف تمامًا كيف تستغل ذلك الفراغ الذي تلا هجر الجماهير إلى ميادين الحرية، فاستدارت قوى الهيمنة الدولية الراعية للنظام الإقليمي البائد؛ لرعاية قوى الردة النائمة، وإطلاقها؛ للحد من رياح الربيع العربي، ولسد جميع الطرق باتجاه “الربيع العربي” المنشود، عبر إعادة رسم خرائط جديدة أكثر عدوانية على وطن الأمة وشعبها، وكانت سورية ساحة المواجهة المباشرة، فإما ينتصر الربيع العربي، وإما الردّة؛ فيحتفل الطغاة بإعادة تنصيب السيسي مبارك، والسبسي بن علي، والحوثي عبد الله صالح، وحفتر القذافي، والعبادي، وقد يتم تجديد تنجيد باقي الكراسي بين المحيط والخليج.

دساتير للديكور

على أي حال، هذا حديث له تداعياته المتشعبة خارج إطار هذا الحديث، وإن كان على اتصال جوهري به، ما يعنينا هنا آثار وتداعيات تلك الأحداث، وما ترتب عليها من الناحية الدستورية والقانونية، وخاصة ما يتعلق بإقرار دساتير جديدة في تونس ومصر واليمن والمغرب والسودان وسورية، دساتير متفاوتة من حيث الصياغة، ومن حيث الالتزام بها، ومن حيث استخدامها كديكور يغطي الارتداد إلى المراحل السابقة وممارساتها، وما يعنينا على وجه الأكثر خصوصية هو انعكاس ذلك على النواحي الدستورية والقانونية والقضائية في “دولة الجمهورية العربية السورية”.

لقد كان الدستور المعمول به في الجمهورية العربية السورية؛ حتى مطلع عام 2011، هو دستور 1973، والذي تم تعديله لمرتين فقط، الأولى كانت عام 1981؛ للتخلي عن علم اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، وقد تُرك الأمر -يومذاك- لرئيس الجمهورية لاختيار العلم البديل، والمرة الثانية كانت عام 2000؛ لتعديل السنّ القانوني لرئيس الجمهورية، من سن الأربعين إلى سن الأربعة والثلاثين، وقد تعرض ذلك الدستور لعدد من الانتقادات لكن عبر مناشير سرية صادرة عما تبقى من شراذم قوى سياسية مبعثرة وسرية ومقموعة، وكانت تلك الانتقادات تبدأ وتحوم حول المادة الثامنة من ذلك الدستور، وحقيقة الأمر، من الناحية القانونية، أن تلك المادة لم تكن تقتصر على ما تتضمنه من التسليم لحزب معين بقيادة الدولة والمجتمع، وإنما تمتد آثارها لتعطيل جميع مواد الدستور الأخرى المتعلقة بالحريات العامة، والمساواة، والفصل بين السلطات، لكن، ومع بدايات الحراك العلني الداعي للإصلاح والتغيير الذي تلا تسلم “رئيس الجمهورية” الجديد للسلطة، ابتداءً من منتصف عام 2000، انطلق الحلم بالتغيير إلى العلن انطلاقًا من الحلم بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وُأُطلق عليها، يومئذ: “ربيع دمشق”؛ حيث بدأت الأصواتُ تجهرُ بالدعوة لتعديل ذلك الدستور، وخاصة المادة الثامنة منه، وإلغاء قانون الطوارئ، لكن ارتفعت الأصوات -في المقابل- من الجهة الأخرى بأن ذلك خط أحمر، ممنوع الاقتراب منه، وقد نالني يومذاك شخصيًا ما نالني، فقط لأنني -وكنت يومها الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي– حين وجّهت الدعوة في المنتدى، وفي جلسة كان يحضرها عديد من قيادات حزب البعث العربي الاشتراكي، للحوار الهادف والهادئ، حول تلك المادة الثامنة من الدستور، وقد خاطبتهم يومها: “أيها الأصدقاء: إن الدساتير لا تُصنع من حزب، أي حزب، قائدًا للدولة المجتمع، وما انتهت إليه الأمور في المعسكر الاشتراكي خير دليل على ذلك…”، باختصار شديد لم أطالب -آنذاك- بإلغاء تلك المادة، وإنما وجهت الدعوة للحوار حولها، لا أكثر، وكان ذلك كافيًا لعدّ تلك الدعوة جريمة اعتداء على الدستور، حيث حُشرت في زنزانة منفردة ما يقارب الخمس سنوات، عقوبةً على تلك الدعوة.

المادة الثامنة

المهم بعد ذلك، أن رياح “الربيع العربي” بدأت تهّب على دمشق بدءًا من آذار/ مارس2011، فتجددت المطالبة بتعديل الدستور المعمول به منذ عام 1973، ولا سيّما من ناحية إلغاء المادة الثامنة منه، والتي يحتكر بموجبها حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع، وكذلك المطالبة بإلغاء قانون الطوارئ، وكان من المأمول يومئذ الاستجابة لتلك المطالب، عبر تهيئة الأجواء بوقف العنف وتعليق العمل بدستور 1973، وإلغاء قانون الطوارئ، وإلغاء القوانين الاستثنائية، وإطلاق المعتقلين، وتشكيل حكومة خبراء، تشرف على انتخاب هيئة تأسيسية تمثيلية حقيقة، تناط بها صياغة دستور جديد للبلاد، يتيح تداول السلطة والفصل بين السلطات وتحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية بدورة واحدة، لمدة خمس سنوات، غير قابلة للتجديد، وكان الحلم يراودني يومئذ أن ذلك سيساهم في تجنيب البلاد الدخول في أتون هذه المحنة المأسوية التي نعيش الآن… لكن كانت -في المقابل- هناك آراء أخرى ترى النقيض، وتدعو لاستخدام القوة حتى الحد الأقصى، بل هناك من قال، ويقول حتى الآن: أن التراخي في استخدام القوة القصوى منذ البداية كان خطأ فادحًا، وأن ذلك التراخي هو الذي أدى إلى ما نحن فيه، على أي حال، هذا جدال مازال محتدمًا، وسنترك البت فيه للتاريخ، ما يعنينا الآن، وبما يتعلق بالدستور والقوانين، أن “رئيس الجمهورية” بعد ذلك علّق العمل بقانون الطوارئ، وفي الخامس عشر من تشرين الأول/ نوفمبر من عام 2011، أصدر بشار الأسد رئيس الجمهورية المرسوم الجمهوري رقم 33 القاضي بتأليف لجنة إعادة كتابة الدستور برئاسة المحامي مظهر العنبري المساهم الرئيس في وضع دستور 1973 ذاته، والمشكو منه، وقد تشكلت اللجنة من 29 عضوًا، وفي 27 شباط/ فبراير 2012 صدر المرسوم 94 القاضي باعتماد الدستور الجديد. والذي يُعرف بدستور 2012 وقد حافظ الدستور الجديد على أغلب بنود ومواد الدستور السابق 1973، ودعاه بعضهم بأنه “تنقيح للدستور” أكثر من كونه دستورًا جديدًا، فقد أضاف الدستور الجديد 14 مادة، وأدخل 47 تعديلًا على دستور 1973، وحافظ وأضاف على السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية.

صحيح أنه ألغى المادة الثامنة من الدستورن الخاصة بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع لكنه ترك جميع الصلاحيات المطلقة الممنوحة لرئيس الجمهورية، والتي كانت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي تحتكر ترشيحه، بل، وأضاف دستور 2012 عليها. ويتألف دستور 2012 من 157 مادة تتضمنها ستة أبواب، وتسعة فصول، ومقدمة، حيث: الباب الأول والثاني يتعلقان بالمبادئ الأساسية والحقوق والحريات وسيادة القانون، أما الباب الثالث فيتعلق بسلطات الدولة، والمحكمة الدستورية العليا التي أفرد لها “الباب الرابع”، في حين أفرد الباب الخامس لتعديل الدستور، والباب السادس للأحكام العامة والانتقالية.

“الحُكم للشعب”

لقد نصّ دستور 2012 على عدّ سورية “دولة ديموقراطية، ذات سيادة، لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها”، وأن النظام جمهوري، الحكم فيه للشعب؛ وحدد ذلك الدستور دين رئيس الجمهورية بالإسلام، والفقه الإسلامي كمصدر رئيس للتشريع، كما حدّد الدستور عاصمة الدولة بمدينة دمشق، واللغة الرسمية بالعربية، وقال بأنّ التعددية السياسيّة والاقتصاديّة مكفولة، وكذلك الحقوق الثقافية لمختلف مكونات الشعب؛ أما فيما يخصّ الحقوق العامة، فكانت كدستور 1973 حيث عدت “الحرية حق مقدس”، وحرّم الدستور التنصّت والاعتقال التعسفي والتفتيش والنفي والتعذيب والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والحرية الشخصية؛ وكفل الدستور حرية الاعتقاد والعمل لقاء أجر عادل، كما كفل حرية التظاهر والاجتماع وتكوين الأحزاب والجمعيات. وأول سلطة تطرق إليها الدستور هي السلطة التشريعية المنوطة بمجلس الشعب المنتخب لمدة أربع سنوات، دون أن يحدد الدستور عدد أعضاؤه، وحدّد نصف الأعضاء من العمال والفلاحين، أما رئيس الجمهورية فهو رئيس السلطة التنفيذيّة يُنتخب لمدة سبع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، كما أوجب أن يكون المرشح حاصلًا على توقيع 35 نائبًا من مجلس الشعب للترشح؛ أما الدعوة للانتخابات، فتتم عبر رئيس مجلس الشعب الذي يدعو للانتخابات الرئاسية خلال فترة شهرين إلى ثلاث أشهر من ولاية الرئيس القائم، ويُعتبر فائزًا من يحصل على الأغلبية المطلقة سواءً من الدورة الأولى أو بعد دورة الإعادة، وفي حال عدم انتخاب الخلف، يستمرّ الرئيس المنتهية ولايته على رأس السلطة حتى انتخاب خلفه، كما اعتبر الدستور رئيس الجمهورية غير مسؤول عن أعماله في إطار ممارسة صلاحياته التي نصّ عليها الدستور إلا في إطار “الخيانة العظمى” أما صلاحيات رئيس الجمهورية فهي:

* إصدار العفو الخاص ومنح الأوسمة ومخاطبة الشعب.

حلّ مجلس الشعب.

اقتراح القوانين.

إعداد وإصدار القوانين خارج دورات انعقاد مجلس الشعب أو أثناء انعقادها “في حالات الضرورة” على أن يكون للمجلس حين انعقاده إلغائها، فيما يعرف باسم “المراسيم التشريعية”.

جميع الإجراءات السريعة التي يراها مناسبة في حال تعرض البلد للخطر.

تشكيل اللجان والجمعيات الخاصة.

استفتاء الشعب، ولا يجوز للمحكمة الدستوريّة العليا الاعتراض حتى لو كان موضوع الاستفتاء مخالفًا للدستور.

تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، التي من واجباتها محاكمته.

إحالة الوزراء إلى المحاكمة.

اقتراح تعديل الدستور، بناءً على طلبه أو ثلث أعضاء مجلس الشعب.

إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

* تسمية نوابه وإعفائهم وتفويض بعض صلاحياته لهم.

تسمية رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم، وقبول استقالتهم وإقالتهم.

رسم السياسة العامة للدولة بالتعاون مع مجلس الوزراء المعين من قبله.

إصدار القوانين وردّها إلى مجلس الشعب، فإذا أعاد المجلس إقرارها بأغلبية الثلثين اعتبرت نافذة دون توقيعه. المادة لم تحدّد مدة بقاء القانون لدى الرئيس دون ردّ أو إصدار قبل اعتبارها نافذة.

إعلان الحرب والسلم والتعبئة العامة.

إعلان حالة الطوارئ وإلغائها لمدة مفتوحة، بمرسوم يقرّه مجلس الوزراء.

اعتماد السفراء الأجانب وتعيين السفراء السوريين لدى الخارج.

قيادة الجيش والقوات المسلحة بما فيها إصدار جميع “القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة”.

تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين.

رئاسة المجلس الأعلى للقضاء.

فما الأثر الذي تركه دستور 2012 على السلطة القضائية؟، وكيف تمّت ترجمته واقعيًا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه، بعد أن عرجنّا في بحثنا على المواثيق الدولية، والمبادئ الدستورية عامة، وعلى وجه الخصوص استعرضنا لمحة تاريخية لتحولات الحالة الدستورية في “دولة الجمهورية العربية السورية”.

لقد كان ذلك ضروريًا كتأسيس موضوعي للحديث عن واقع القضاء الآن في سورية، وعن إمكانية تأسيسه على أسس صحيحة، فعندما نكون أمام خلل دستوري يتعلق باستقلال السلطة القضائية، وفصل السلطات لا يمكن الحديث عن قضاء عادل سليم، لهذا، فإن حجر الأساس للتأسيس لقضاء عادل تتمثل في وضع دستور يعتمد قواعد دستورية تعتمد المواثيق الحقوقية الوطنية والإنسانية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء.

* * *

من دستور 1950 إلى دساتير الانقلابات

حبيب عيسى

(نُشِرَ في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 – جيرون)

فور انقلاب سامي الحناوي على الانقلابي حسني الزعيم، في آب/ أغسطس 1949، أصدرت حكومة هاشم الأتاسي قانونًا جديدًا للانتخاب، ودعت الهيئات الناخبة يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، شاركت المرأة السوريّة لأول مرّة في الاقتراع، وجاءت نتائجها بتصدر حزب الشعب النتائج، وعقدت الجمعية أول اجتماعاتها في 12 كانون الأول/ ديسمبر، وانتخبت رشدي كيخيا، عميد حزب الشعب، رئيسًا لها، وهاشم الأتاسي رئيسًا للجمهوريّة؛ إذ إنّ قادة الانقلاب من العسكر اكتفوا بتوجيه الجيش عن طريق وزارة الدفاع. هنا؛ شكلت الجمعية لجنة صياغة الدستور في 28 كانون الأول/ ديسمبر، وتمثلت فيها القوى السياسية المختلفة، وغير السياسية، في سورية، وأولى العقبات التي جابهت الجمعية، الرغبة في الوحدة مع العراق من رئيس الدولة، وكذلك حزب الشعب، وعدد من السياسيين المستقلين، فضلًا عن قادة الجيش، لكن قبل إقرار الوحدة، انقلب أديب الشيشكلي؛ مانعًا أي إجراء وحدوي مع العراق، غير أنه، وعلى عكس الانقلابات السابقة، اكتفى في البداية بالسلطة العسكريّة، ولم يتدخل في عمل السلطة السياسية، غير أن الحكومة كانت قد استقالت، فكُلّف خالد العظم برئاسة حكومة جديدة، وفي ظل هذه الأوضاع -تلك- ولد دستور 1950، حيث اطلعت لجنة إعداد الدستور على خمسة عشر دستورًا أوروبيًا وآسيويًا؛ للوصول إلى “أرقى المعايير الممكنة”، كما صرح بذلك ناظم القدسي.

انتهت اللجنة من عملها في 15 نيسان/ أبريل، وبدأت الجمعية مناقشة المسوّدة في الدورة الصيفية في 22 تموز، وكانت المسودة تتألف من 177 مادة، خلال المناقشات، طويت 11 مادة، وخرج الدستور بصيغته النهائية مؤلفًا من 166 مادة. أكثر الموضوعات التي احتدم عليها النقاش كانت موضوع: إعلان هل الإسلام دين الدولة؟ أو أن دين رئيس الدولة الإسلام؟ وانتهى الأمر -بعد طول نقاش- إلى المحافظة على صيغة دستور 1930، بكون دين رئيس الدولة الإسلام، والقضية الثانية التي احتدم عليها النقاش، كانت وضع حد أعلى للملكية الزراعية في الدولة؛ للتخفيف من سطوة العائلات الإقطاعية، وحُسم الأمر لترك سقف الملكية مفتوحًا، بفارق صوتين عند التصويت، أما الموضوع الثالث؛ فكان حول إدراج مادة تنصّ على وقوف الجيش على الحياد، دون التدخل في الحياة السياسية السوريّة؛ الأمر الذي لم يتم إقراره، والموضوع الرابع كان عدّ الجمعية التأسيسية مجلسًا للنواب بعد إقرار الدستور، وهو ما تم فعلاً، على الرغم من معارضة الحزب الوطني.

لقد حسم دستور 1950 مسألة استقلال القضاء، وحافظ ذلك الدستور الذي كان يُعرف -أيضًا- باسم “دستور الاستقلال” على بنية النظام الجمهوري الموعود، وطبيعته البرلمانية، وقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية، وسحب حق نقض القوانين والمراسيم منه، وأمهله عشرة أيام فقط للتوقيع عليها، غير أنه حافظ على اختصاصه بالتصديق على المعاهدات الدولية، وتعيين البعثات الدبلوماسية في الخارج، وقبول البعثات الأجنبية، ومنح العفو الخاص، وتمثيل الدولة، ودعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد برئاسته، وتوجيه الخطابات للسوريين، وزاد على صلاحيات البرلمان؛ بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة، ولو موقتًا، كما أوجب على الحكومة الاستقالة في بداية كل فصل تشريعي، وعزّز من سلطة القضاء، والنص على استقلاله، باستحداث المحكمة الدستورية العليا، أما مواد الحقوق العامة في دستور 1950، فقد وُسِّعت وصينت؛ حتى بلغت 28 مادة، تختصّ وحدها بالحقوق والحريات العامة، ومنها حصانة المنازل، وحرية الرأي والصحافة والاجتماع والتظاهر، والمحاكمة العادلة، ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة لفترة طويلة، وحفظ حق الملكية، والمشاركة في الحياة الاقتصادية، وتأطير الملكية العامة للدولة، وحماية حقوق الفلاحين والعمال، على وجه الخصوص، وكون العمل حقًا لكل مواطن يجب على الدولة أن تسعى لتأمينه، فضلًا عن رعاية المواطنين المرضى والعجزة والمعوقين، وحماية حقوق الطوائف الدينية باتباع شرائعها، من جهة، وفي التعليم من جهة ثانية، كما نصّ الدستور على كون التعليم حقًا لكل مواطن، إلزاميًا ومجانيًا، وأوجب على الدولة إلغاء الأمية خلا ل عشر سنوات، كما أوجب توطين البدو خلال عشر سنوات أيضًا.

أُقرّ الدستور -رسميًا- في 5 أيلول/ سبتمبر 1950، وقد تميز بديباجته المحكمة عن الدساتير السورية السابقة واللاحقة؛ حيث صيغت في أحوال حساسة مع احتدام الحرب الباردة، ونمو فكر القومية العربية؛ فقد جاء في ديباجته: “نعلن أن شعبنا الذي هو جزء من الأمة العربية، بتاريخه وحاضره ومستقبله، يتطلع إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة، وسيعمل جاهدًا على تحقيق هذه الأمنية المقدسة في ظل الاستقلال والحرية”، وجاء في المادة الأولى منه: “المادة الأولى: سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية، ذات سيادة تامة. وهي وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها. والشعب السوري جزء من الأمة العربية.” لكن، وبعد الانقلاب الثاني لأديب الشيشكلي -عام 1952- عطّل العمل بالدستور، بخلاف انقلابه الأول الذي حافظ فيه على السلطة السياسية سالمة، ثم أصدر دستورًا جديدًا، تميّز بوصفه أول دستور رئاسي للبلاد، شبيه بالنظام المعمول به في الولايات المتحدة؛ إذ نصّ على إلغاء منصب رئيس الوزراء، وكون الوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية، خلافًا لما كان سائدًا في السابق من أنّ الوزراء مسؤولين أمام مجلس النواب، أما فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامّة، والتعددية السياسيّة والاقتصاديّة، ودور الفقه الإسلامي في التشريع، وكون البلاد جزءًا من الأمة العربيّة، فقد حافظ دستور الشيشكلي على نصوص دستور 1950. وبموجب دستور الشيشكلي الذي طبق من 10 تموز/ يوليو 1953؛ وحتى 26 شباط/ فبراير 1954، أي: ستة أشهر لا غير، ينتخب الرئيس من الشعب، ويعدّ رئيسًا للوزارة، والرئيس هو الذي يعين الوزراء، بدلًا من البرلمان، مع سحب صلاحيتي انتخاب الرئيس، ومنح الثقة للحكومة من البرلمان، وفي المقابل حصّن الدستور البرلمان من الحل، وجعله محتكرًا للتشريع، ورقيبًا على الحكومة. وعمومًا وازن بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية، وحافظ على الفصل بين السلطات، وتميز بديباجته المختصرة بثلاثة أسطر، أكدت على الهوية العربية للشعب في سورية: ” نحن شعب سورية العربي، شعورًا منا بالحاجة إلى نظام للحكم، يستمد طبيعته من واقعنا وأهدافنا، ويقيم بناء سيادتنا السياسية على أساس من الوحدة والمنعة، ويضمن لنا في مجتمعنا الأمن والعدالة، وفي معاشنا الرغد والكرامة، وفي وطننا الحرية والسيادة، وما وراء حدودنا العمل؛ لاستكمال حرية الأمة العربية، وتحقيق وحدتها ومجدها. نعلن أننا قد ارتضينا لأنفسنا هذا الدستور”.

باختصار شديد نقول: إن دستور 1953، أو دستور الشيشكلي لم يأخذ حقه من الدراسة والاهتمام، على الرغم من أنه يتميز عن الدساتير الانقلابية التي توالت على سورية بعد ذلك، فعلى الرغم من أنه وسع سلطات رئيس الجمهورية، إلا أنه قيده في أكثر من مادة دستورية، فهو دستور حاول المزج بين نظام نيابي وآخر رئاسي.

بعد خلع الشيشكلي في 25 شباط/ فبراير 1954، أعيد العمل بدستور 1950، والبرلمان الذي كان قائمًا، والرئيس هاشم الأتاسي، ريثما تجرى انتخابات رئاسية جديدة. ثم جرت الانتخابات النيابية، وجاء شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية من جديد؛ إلى أن قامت الوحدة مع مصر؛ حيث عُطّل العمل بدستور 1950، بين عامي 1958 و1961، خلال الفترة التي كانت فيها البلاد جزءًا من “الجمهورية العربية المتحدة”، إذ استُبدل بدستور موقّت، كان معمولًا به في مصر منذ عام 1956، وبعد الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة أعيد العمل بدستور 1950 المذكور، بعد تعديلات بسيطة أُدخلت عليه كالاسم الرسمي للجمهورية، حيث عُدل اسم الجمهورية من “الجمهورية السورية” إلى “الجمهورية العربية السورية”، واستُفتي عليه واعتُمد حتى انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، حيث عُلّق العمل بدستور 1950، ولم يعاد العمل به مجددًا؛ فقد كانت أولى قرارات ما سمي بـ “مجلس قيادة الثورة”، برئاسة لؤي الأتاسي، تعطيل العمل بالدستور، وفرض حالة الطوارئ، ثم أصدر المجلس المذكور -عام 1964- دستورًا موقتًا للبلاد في عهد الرئيس أمين الحافظ، ثم عادت السلطة الانقلابية الثانية 1966، وأصدرت دستورًا موقتًا آخر، في 1 أيار/ مايو 1969، في عهد الرئيس نور الدين الأتاسي، وأما آخر دستور موقت؛ فقد صدر في ظل السلطة الانقلابية الثالثة 1970، في عهد حافظ الأسد في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1971، واستمرّ معمولًا به حتى إصدار دستور 13 آذار/ مارس 1973، الذي سُمي دستورًا دائمًا، وصدر بمرسوم جمهوري، ونصّب حزب البعث محتكرًا للحياة السياسية، من خلال كونه الحزب القائد للدولة والمجتمع، كما نصّت المادة الثامنة منه. وأوضح الدستور أن رئيس الجمهورية ترشحه القيادة القطرية لحزب البعث، عن طريق مجلس الشعب؛ للاستفتاء دون وجود أي مرشح آخر، وأغلب مواد الدستور المتعلقة بالحريات العامة لم تنفذ، فعلى الرغم من وجود نصوص صريحة بتحريم التعذيب، إلا أنه، وفي ظل سريانه، أدينت السلطة السورية بارتكاب التعذيب، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان المحرّمة دستوريًا أيضًا، كالنفي والإبعاد والاعتقال التعسفي والتنصت، كما أن هذا الدستور، ومنذ أن أقرّ طُبّق، تزامنًا مع قانون الطوارئ في سورية، المعلن منذ 1963، وقد أُصدرت قوانين استثنائية عديدة، أهمها خمسة قوانين، منعت تطبيق الحريات العامة الواردة في الدستور، وجعلتها معطلة.

قانون الطوارئ لعام 1962، وطُبق بدءًا من 8 آذار 1963، والذي يحظر التظاهر، ويتيح الاعتقال التعسفي والتنصت، على الرغم من أنها جميعًا حقوق دستورية؛ حتى أن الممارسات التعسفية تجاوزت بكثير قانون الطوارئ، وانفلتت من كل الضوابط.

قانون حماية الثورة الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم 6 لعام 1965.

قانون المحاكمات العسكرية رقم 109 لعام 1968، والذي شرّع تقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية.

قانون إحداث محاكم أمن الدولة الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968.

قانون إعدام كل منتسب أو ينتسب للإخوان المسلمين، رقم 49 لعام 1980، على خلفية أحداث الثمانينيات.

أما صلاحيات رئيس الجمهورية في دستور 1973، فهي واسعة وشبه مطلقة، وشكلت أساسًا لصلاحياته في الدستور الحالي 2012، فهو رئيس السلطة التنفيذيّة، وله سلطة إصدار التشريع منفردًا، أو حجب تمرير تشريع أقره البرلمان، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وهو الذي يعيّن رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، والقائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وسواها من الصلاحيات، كتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين، واستفتاء الشعب في قضايا تعد مقررة؛ حتى لو كانت مخالفة للدستور، فضلًا عن كونه منتخبًا لمدة سبع سنوات مفتوحة الإعادة والتكرار، وحُددت بدورتين في دستور 2012، مع عدم احتساب الدورتين اللتين قضاهما بشار الأسد في سدة رئاسة الجمهوري،. وكان دستور 1973، قد عُدل مرتين، المرة الأولى عام 1981، لتغيير شكل علم البلاد من علم اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، تاركًا لرئيس الجمهورية بقانون تحديد العلم، والمرة الثانية في تموز 2000؛ لتخفيض عمر المرشح للرئاسة، من أربعين عامًا إلى 34 عامًا؛ لتمكين بشار الأسد من الترشح للمنصب خلفًا لوالده. وعلى الرغم من كون دستور 1973، قد وصف بأنه أسوأ دستور سوري، إلا أنه أطول الدساتير عمرًا؛ إذ بقي 39 عامًا يغطي نظامًا شموليًا، يتيح لرئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة، والتدخل في عمل مؤسسات الدولة الأخرى، بما فيها تلك الخارجة عن سلطته نظريًا.

* * *

القواعد الحاكمة للدستور: من شرعية الإشهار إلى مشروعية الإلزام والالتزام (سورية أنموذجًا)

حبيب عيسى

(نُشِرَ في 29 تموز/ يوليو 2016 – جيرون)

اختلف فقهاء الدستور حول القواعد التي يجب الاستناد إليها في إعداد الدساتير، وتحديد مصادر التشريع فيها، ومن ثم مصادر شرعيتها، وإن كان الفقه الدستوري كاد يستقر على أن الدستور هو التعبير السياسي والقانوني عن العقد الاجتماعي؛ بما يتضمنه من مبادئ وقيم اجتماعية وثقافية وعقائدية واقتصادية، تختلف من مجتمع إلى آخر في التفاصيل، لكنها محكومة بمنظومة قيم إنسانية، تكاد تكون عامة، تتعلق بحقوق الإنسان الأساسية في المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وعدم التمييز بين أفراد المجموعة البشرية على أساس من اللون أو العرق أو الجنس أو الدين أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية.

ولكي تأتي مواد الدستور ملبّية لذلك كله؛ لا بد من أن تتضمن ديباجته تلك المبادئ العامة، والتي يطلق عليها الفقهاء “روح الدستور”، تلك الروح التي تنتقل من ديباجته إلى كل مادة من مواده، تبث فيها الحياة. وروح الدستور تلك لا تأتي من فراغ، وإنما هي انعكاس لروح الاجتماع الإنساني، وللتراكم التاريخي الثقافي والقانوني الذي راكمته البشرية عبر العصور، منذ أن وُجد الإنسان على هذا الكوكب، وحتى لحظة كتابة الدستور، وهو ما يُعبر عنه بالقواعد أو المبادئ التي يجب التأسيس عليها في أي بناء دستوري، وإن كان بعضهم، ومن باب الحرص على استقرارها وعدم المس بها، يطلق عليها المبادئ فوق الدستورية، ونحن لا نذهب هذا المذهب؛ فتلك المبادئ يجب أن يتضمنها الدستور، وبمجرد إقراره واكتسابه المشروعية، يتضمن تلك المبادئ ولا تسموا عليه، خاصة أن تلك المبادئ، مهما كانت سامية في فترة تاريخية معينة، قد تتجاوزها البشرية خلال تطورها إلى مرحلة أكثر سمواً؛ فهي إنتاج بشري قابل للتطور والتغيير، مهما بدت في لحظة تاريخية ما، وكأنها ثابتة، فلا أبدية لها، ولا يجوز وضع قيد على تطور الإنسان، أو على حقه في الإبداع والتطور والسمو.

نعتقد أن العصر الذي كان فيه الدستور يقدم كمنحة إلهية من الحاكم، أو ترضية وتقديسًا لشخصه، أو تمييزًا لجماعة على أخرى، أو امتيازًا لجنس على آخر، أو تقديسًا لعقيدة وشيطنة لأخرى، قد انقضى.

القضية المهمة الأخرى التي يجب الانتباه إليها، هي اللحظة التاريخية، والواقع الموضوعي لميلاد الدستور؛ حيث لا يمكن الفصل بين آليات إعداد الدستور، وبين الواقع الموضوعي، والحالة المجتمعية التي ترافق ذلك، وكذلك الحاجة الإنسانية للدستور، وفي الحالة السورية، نجد أن المسألة بالغة التعقيد؛ ذلك أننا حتى الآن لا نعرف كيف سيتم الانتقال إلى المرحلة الانتقالية، ولا ماهية طبيعتها، ولا طبيعة القوى التي ستتحكم بها، ولا مدى توافر شروط الحرية التي سترافق كتابة الدستور، إضافة إلى مسألة بالغة الأهمية تتعلق بالنسيج الاجتماعي الذي أصيب بعطب شديد؛ نتيجة الاستبداد المديد من جهة، ونتيجة المرحلة العنفية الأخيرة، بالغة القسوة والمأساوية، والتي لا يمكن أن نتكهن بآثارها المدمرة، والفترة الزمنية اللازمة؛ كي يتعافى المجتمع من عقابيلها، فنحن مازلنا في مركز كرة النار التي تعصف بمجتمعنا، وهذا سيلقي بظلاله على الدستور المنتظر؛ لذلك، ومع تقديرنا لقاعدة استقرار الدستور، فقد تفرض المرحلة الانتقالية إعداد دستور مرن غير جامد، بحيث يتمكن الشعب، في سورية، من المراجعة والتعديل لبعض مواده بعد فترة زمنية مُحددة، قد تكون دورتين تشريعيتين، يكون فيها الشعب قد ضمد جراحه، واستعاد حيويته السياسية، واستعادت مؤسسات الدولة هيكليتها الفاعلة، واستعاد المجتمع استقراره وسكينته، وتم فيها اختبار الدستور، ومدى الحاجة للتعديل من عدمه.

نعود بعد هذه المقدمة التي لا بد منها؛ لنحدد القواعد التي يجب الاستناد إليها في إعداد الدستور:

أولًا: ضرورة أن يصدر الدستور عن جمعية تأسيسية تمثيلية للشعب، منتخبة خصيصًا لممارسة السلطة التأسيسية ووضع الدستور، تحقيقًا  لفكرة العقد الاجتماعي الذي يُنشئ الجماعة السياسية، ويؤسس السلطة العامة فيها، ومن ثم يجب أن يضعه الشعب في مجموعه، وليس أي سلطة أخرى، حتى لو كانت تشريعية، ومن هنا جاءت ضرورة الجمعية التأسيسية التمثيلية المنتخبة، ويرى أغلب الفقهاء الدستوريين ضرورة توافر شروط معينة في الجمعية التأسيسية؛ ليكون الدستور الذي تضعه الجمعية التأسيسية شرعيًا ومعبرًا عن إرادة الشعب، وتلك الشروط التي يجب توافرها في الجمعية هي:

1 – يجب أن تكون الجمعية التأسيسية منتخبة بواسطة الشعب.

2 – أن يكون الانتخاب ديمقراطيًا، وتحت إشراف ورقابة القضاء، خاصة في المراحل الانتقالية.

3 – ولكي يكون الانتخاب حرًا، فإنه من الضروري وجود خيارات متعددة أمام الناخبين، وهذا ما توفّره الأحزاب السيادية.

4 – يجب أن تكون الحريات العامة مصانة ومكفولة، بعيداً عن جوٍ القمع والكَبْت للحريات، ومؤثرات القهر المادي.

5 – أن تُمارس الجمعية عملها بحريّةٍ وحيادٍ، بعيدًا عن الضغوط السياسية التي قد تؤثر في عملها، وفي حال رأت الجمعية المنتخبة أنها بحاجة إلى خبرات في الصياغة القانونية، فيمكن تلافي ذلك بضم عناصر من ذوي الخبرة إلى الجمعية، وتكوين لجان استشارية لمساعدتها، ويجب تحديد اختصاصاتها ومدة عملها بزمن محدد، وكذلك على الجمعية إنجاز مشروع الدستور في فترة زمنية، تتحدد في اللوائح التنظيمية لتشكيلها.

ثانيًا: تعلن الجمعية التأسيسية أسس المجتمع الجديد، وما يجب أن يسود فيه من مبادئ، والتي سيتم اعتمادها لإعداد الدستور في وثيقة  علنية، حتى يتاح لكل فرد، حاكم أو محكوم، أن يتعرّف فلسفة النظام الجديد ومبادئه، وما للفرد من حقوق، وما عليه من واجبات، حتى تسود الثقة والاستقرار بين الفرد والجماعة، ومدى تلبية مواد الدستور لذلك.

ثالثًا: اجتماعات الجمعية التأسيسية علنية ومنقولة على وسائل الاتصال الاجتماعي، بحيث يطلع الشعب على المناقشات لمواد الدستور، مادة،  مادة، وعلى المقترحات البديلة.

رابعًا: يصدر الدستور باسم الشعب في سورية بوصفه عقدًا بين أفراده، وتأكيدًا لقاعدة أن الشعب هو الذي وضع الدستور، وهو المعني بالالتزام به، فعوضًا عما كان من أن الحاكم يقول: نحن فلان نقرر، الآن: نحن الشعب نقرر.

خامسًا: الشعب في سورية بما يحمله من تراث تاريخي وعقائدي وإنساني ومعاصر، واستنادًا إلى معارفه ومعرفته، هو المصدر الوحيد للتشريع.

سادسًا: المواطنة، والمساواة، والعدالة، وتكافؤ الفرص قواعد أساسية حاكمة لمواد الدستور، لا امتيازًا لأحد، ولا تهميشًا لأحد، ولا فرضًا لعقيدة أودين من أحد على أحد، ولا أقليات وأكثريات، إلا ما تفرزه صناديق الاقتراع السياسية، والتي تتغير من دورة انتخابية إلى أخرى.

سابعًا: حرية الرأي والمعتقد والصحافة والنشر، قواعد أساسية حاكمة لمواد الدستور.

ثامنًا: اعتماد وحماية الحقوق الأساسية للأفراد، وتحريم الاعتداء على تلك الحقوق.
تاسعًا: اعتماد مبادئ نظام الحكم السياسي، كمبدأي: سيادة الشعب، وفصل السلطات؛ فالوظائف العامة تخضع لمبدأ تكافؤ الفرص والكفاءة، دون اعتبار لأي معايير أخرى، عرقية أو دينية أو تتعلق بالجنس. والمناصب التمثيلية كذلك تُشغل بموجب صناديق الاقتراع، والشروط العامة لشغل المنصب، والتي لا تكون حصرًا في أحد، أو يستثنى منها أحد، وفقًا لحسابات دينية أو عرقية أو مذهبية أو طائفية.

عاشرًا: إن الضمانات التي تكفل التطبيق التنفيذي للدستور تتأتى من الاحترام والاستقرار؛ كونه ملائمًا للأحوال الموضوعية والاجتماعية  والسياسية، ومدى قوة قناعة الرأي العام به، ومدى تمسك الشعب بمبادئه وقيمه، وحقوقه، وبمدى تماسك النصوص الدستورية ووضوحها؛ بحيث يخشى الحاكمون والمحكومون التفكير في انتهاك حقوق المواطنين، أو القواعد الدستورية، أو القوانين التي تحكم النظام العام في المجتمع.

حادي عشر: إن الدستور بوصفه أبا القوانين الخاصة والعامة، يوفر المناخ العام للتطور الاجتماعي، بقدر ما ينظم ويضع الأسس لعمل  السلطات؛ فلا تتناقض ولا تتعثر، وفي الوقت ذاته، يرفع القيود التي تعيق التطور؛ وبالتالي، يجب الابتعاد عن إغراق الدساتير في التفاصيل، وعن التوسع في ذكر الجزئيات، ما يجعلها مستعصية على التعديل عند الحاجة، أو أن تتراخى التعديلات زمنًا؛ بسبب صعوبة إجراء تعديل الدساتير الجامدة، وتكون نتيجة ذلك اتساع الفجوة بين الحاجات الحقيقية للجماعة والنصوص الدستورية التي تحكمها؛ ما يفتح الباب أمام الهزات السياسية.

ثاني عشر: إن كثيرًا من الدساتير التي توضع في أعقاب تغيرات سياسية مفاجئة، تُسيطر على واضعيها الملابسات المصاحبة لها، وقد تكون عابرة؛ فتأتي النصوص معبرة عنها وحدها، ومن ثم تُصبح عاجزة عن تحقيق الاستقرار بعد زوالها؛ ما يقتضي النظرة الاستراتيجية الشاملة، وعدم الوقوع في هذا المطب.

ثالث عشر: يضمن الدستور حق الملكية، وحق الأمن، وحق مقاومة الظلم والاستبداد، و لا حد لحقوق الإنسان إلا عدم الاعتداء على حقوق الإنسان الآخر.

رابع عشر: عدم جواز تنفيذ القانون الجنائي بأثر رجعي، وعدّ الإنسان بريئًا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم.

خامس عشر: ضمان حقوق الملكية؛ فلا يجوز نزع الملكية من أحد، إلا إذا اقتضت المصلحة العمومية ذلك اقتضاءً صريحًا، وفي هذه الحالة  يُعطي الذي تُنزع منه ملكيته تعويضًا ملائمًا.

سادس عشر: إن الشعب هو صاحب السلطة السياسية النهائية التي لا تكمن لدى الحكومة، أو لدى أي مسؤول حكومي، وهو الذي يسن الدستور والقوانين، وهو من يفوض هيئة مؤلفة من ممثلين له منتخبين صلاحيات القيام بأعمال الحكم اليومية نيابة عنه، ولكن تفويض هذه الصلاحيات لا ينال ولا ينتقص من حقوق الشعب، كونه هو صاحب السيادة العليا، فشرعية الحكم تبقى معتمدة على الشعب الذي يحتفظ بحقه الذي يجب أن يكرسه الدستور في تغيير الحاكمين، وتعديل الدستور وكافة القوانين الوضعية؛  فوكالة الشعب للحكومة التي ينتخبها قابلة للعزل في أية لحظة يقررها، ولا قيد عليه في ذلك من أحد، كائنًا من كان.

سابع عشر: يضمن الدستور وينظم عدالة الحكم وسيادة القانون؛ حتى لا يكون الشعب ضحية حكم تعسفي أو سلطوي، فمبدأ سيادة القانون  لا ينطبق على حقوق وحريات المواطنين فحسب، بل ينطبق على الحكام أيضًا؛ وبالتالي، يجب أن يضمن الدستور منع الأفراد والحكومة -معًا- من تجاوز القانون الأعلى للبلاد.

ثامن عشر: وحتى يكون الدستور باسم الشعب فعلًا، يجب أن تعرضه الجمعية التأسيسية على الشعب للاستفتاء عليه.

تاسع عشر: وحتى يكون الاستفتاء ترجمة صادقة لإرادة الشعب، صاحب السيادة، يجب توفير الضمانات التالية:

1 – انقضاء فترة زمنية معقولة، بين إعداد مشروع الدستور، وبين إعلانه على الشعب، وتاريخ الاستفتاء عليه، حتى يتمكن الشعب من دراسته وتحديد الموقف بشأنه.

2 – إتاحة الفرص المتكافئة لكل القوى والاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ للتعبير عن آرائها فيه.

3 – أن يجري الاستفتاء دون ضغوط مادية أو معنوية على إرادة الجماهير.

عشرون: يجب ان يقر الشعب الدستور بأغلبية الثلثين من الذين أدلوا بأصواتهم، على أن يتجاوز عدد الموافقين على الدستور نسبة الخمسين بالمائة من عدد مجمل الناخبين، وفي حال عدم تحقق هذين الشرطين، يعاد مشروع الدستور إلى الجمعية التأسيسية لتعديله، ومن ثم إعادة عرضه على الشعب للاستفتاء عليه.

* * *

الأساس الدستوري للسلطة القضائية في سورية

حبيب عيسى

(نُشِرَ في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 – جيرون)

الدستور أبو القوانين، ومرجعية دستوريتها، وهو الذي يحدد مجال عمل السلطات والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأي خلل في الدستور، سواء في ديباجته، أم في مادة من مواده سيؤدي إلى خلل ينخر في جميع مؤسسات المجتمع والدولة، وبالتالي؛ فإن الخلل في القضاء السوري بدأ من العوار الذي أصاب الدستور، وتقويم الخلل -بالتالي- لا بد أن يبدأ من الدستور.

لذلك؛ نبدأ بتقديم لمحة تاريخية عن التحولات الدستورية في سورية، ولا نقول التطور الدستوري، لأن ذلك التطور الدستوري الذي كان بمنحى تصاعدي من دستور 1920؛ وحتى دستور 1950 لم يتوقف، وحسب، عند دستور الخمسين، وإنما أعقب ذلك سلسلة من الانتكاسات الدستورية عبر دساتير موقتة، وانتهاء بدستور1973 المعدل بدستور 2012.

لقد شهدت دولة سورية سلسلة من الدساتير الموقتة والدائمة، منها دساتير صيغت على عجل؛ لمواجهة تحديات طارئة، ومنها دساتير صاغها الانتداب الفرنسي، وخضعت لتعديلات تحت الضغط الشعبي، ومنها دساتير صاغها الانقلابيون العسكريون؛ للتغطية على التفرد بالسلطة، وربما يمكن استثناء دستور 1950 نسبيًا الذي جاءت مواده محكمة دستوريًا من ناحية الفصل بين السلطات، والذي عطلته الانقلابات العسكرية المتلاحقة، ولم يُعتمد فعليًا إلا لمدة أربع سنوات، من عام 1954؛ وحتى عام 1958، ولفترات متقطعة بين 28 أيلول 1961، و8 آذار 1963.

ويمكن التأريخ للمسيرة الدستورية في سورية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ حيث انتهى “الاحتلال” العثماني، وشُكّلت أول حكومة وطنية في سورية في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1918، برئاسة علي رضا الركابي، حيث، وفي 8 آذار/ مارس 1920، أعلن المؤتمر السوري العام، دون التنسيق مع الحلفاء، استقلال (دولة سورية) وأُعلن قيام (المملكة السورية العربية)، وإعلان (فيصل الأول) ملكًا عليها. غير أن هذا الكيان لم يحظ بأي اعتراف دولي، وعلى الرغم من ذلك، فقد شكل المؤتمر السوري العام لجنة خاصة برئاسة هاشم الأتاسي، مهمتها صياغة دستور المملكة الوليدة، وبالفعل، جاء دستور 1920 باثني عشر فصلًا و147 مادة.

أهم ما جاء في دستور 1920: أن سورية (ملكية مدنية نيابيّة)، عاصمتها دمشق، وكفل الدستور المساواة بين جميع السوريين، وحرية إنشاء الجمعيات والأحزاب، والمشاركة في النشاط السياسي والاقتصادي، وسلامة الأفراد، وتجريم التعذيب والاعتقال التعسفي، كما نص على الحريّة الدينيّة، ونشر المطبوعات، ومنع النفي والعقاب، دون محاكمة، وحدّ من صلاحيات الملك؛ بإلزام أي قرار يتخذه بتوقيع رئيس الوزراء والوزير المختص، وبيّن أن المؤتمر العام يتكوّن من غرفتين، هما مجلس النواب المنتخب من الشعب على درجتين، ومجلس الشيوخ المنتخب من مجلس النواب بمعدل ربع عدد أعضاء نواب المقاطعة الواحدة في مجلس النواب. أما المحكمة الدستورية العليا، فتتألف من 16 عضوًا، نصفهم منتخب من مجلس الشيوخ، والنصف الآخر من رؤساء محاكم التمييز، ونشر هذا الدستور في 13 تموز/ يوليو من العام ذاته، ولم يعمّر ذلك الدستور طويلًا؛ فقد طُبق لمدة 15 يومًا فقط، وفعليًا لم يُطبق كثير من مواده المتعلقة بغرفتي المؤتمر السوري العام، والمحكمة الدستورية العليا، واللامركزية الإدارية؛ بسبب تلاحق الأحداث التي بلغت ذروتها مع إنذار غورو، ثم احتلال الفرنسيين دمشق في 25 تموز/ يوليو 1920، ثم نفي الملك فيصل في 28 تموز/ يوليو 1920؛ حيث عطّل الاستعمار الفرنسي -الذي جاء باسم (انتداب)- العمل بدستور 1920، وقسّم البلاد في 1 أيلول/ سبتمبر: 1920 إلى دويلات على أسس مذهبيّة ومناطقيّة.

لم تتوقف -خلال هذه الفترة- المظاهرات والمطالبات بوحدة البلاد السوريّة واستقلالها، وانتخاب جمعية تأسيسيّة؛ لوضع دستور جديد للبلاد، فاستجاب المفوّض الفرنسي (هنري غورو)، وأعلن في 28 تموز /يوليو 1922 (القانون الأساسي للاتحاد السوري)، بمنزلة الدستور الاتحادي لمقاطعات دمشق وحلب واللاذقية، وفي 1 كانون الثاني /يناير 1925، حُل “الاتحاد السوري”، وأُعلنت الوحدة بين دولتي دمشق وحلب فحسب، في حين استمرّ فصل السويداء واللاذقية، ودُعيت تلك الوحدة بـ “الدولة السورية”، وأصدر المفوض الفرنسي الجديد، ماكسيم فيغان، قرارًا آخر عُدّ بمنزلة القانون الأساسي للدولة، نصّ على أن عاصمة الدولة دمشق، ولحلب الامتياز الإداري والمالي، كما أفرد للمفوض الفرنسي حق التصديق على مقررات رئيس الدولة والوزراء.

في 21 تموز/ يوليو 1925، اندلعت “الثورة السورية الكبرى”، واختُيرت قيادتها في السويداء، وكان على رأس مطالبها وحدة البلاد السورية، وانتخاب جمعية تأسيسيّة؛ لوضع دستور جديد، وأدت الثورة -أيضًا- لاستقالة صبحي بركات، وتعيين أحمد نامي رئيسًا للدولة السوريّة، وفي عهده قُمعت الثورة بالقوّة، واتُفق على ما عُرف باسم (الداماد – دي جوفنيل)، الذي نصّ على انتخاب جمعية تأسيسيّة؛ لتحقيق الوحدة السوريّة، وتحديد الانتداب عن طريق اتفاق صداقة، يقرّه مجلسا فرنسا وسورية التشريعيين، لمدة ثلاثين عامًا، غير أن الفرنسيين، وبعد قمع الثورة ، ماطلوا في الدعوة إلى تنفيذ الاتفاق، واستقال أحمد نامي احتجاجًا، وكُلّف تاج الدين الحسيني برئاسة الدولة.

في تلك الأجواء، جرت انتخابات جمعية تأسيسيّة في نيسان/ أبريل 1928، انتخبت هاشم الأتاسي رئيسًا لها بالإجماع، وفوزي الغزي وفتح الله آسيون نائبين للرئيس، وتكونت الجمعية التأسيسية من 68 عضوًا منتخبًا، يمثلون دولتي دمشق وحلب وحدهما، دون السويداء واللاذقية، ثم انتخبت الجمعية لجنة وضع الدستور برئاسة إبراهيم هنانو، حيث صُوّت عليه وأُقرّ، في 11 آب/ أغسطس 1928، وقد جاء الدستور متوازنًا في الفصل بين السلطات، وعدّ سورية “جمهورية نيابية، عاصمتها دمشق، ودين رئيسها الإسلام”، وأن البلاد السوريّة المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسيّة لا تتجزأ، ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد الحرب العالمية الأولى، كما ضمن الدستور استقلال القضاء وحرية المواطنين ومساواتهم أمام القانون وفي الدولة، وكفل الدستور حرية التعبير، وغيرها من الحريات العامة، كما نص على احترام حقوق الطوائف السورية، وكفل قوانين أحوالها الشخصية ومدارسها الخاصة، وقد وجهت له انتقادات بكونه إعادة استنساخ لنظام الملل العثماني؛ فقد نصّ -أيضًا- على تمثيل الأقليات الدينية والعرقية بشكل عادل في البرلمان وسائر مؤسسات الدولة، وهو ما مهد لكون قوانين الانتخابات السورية لحظت مقاعد لمختلف الطوائف والمكونات، في الانتخابات التي جرت في ظل هذا الدستور، وبعد أن أقرّت الجمعيّة التأسيسيّة الدستور المكون من 115 مادة، رفض “هنري بونسو” المفوض الفرنسي إصداره؛ بحجة مخالفته صك الانتداب وحقوق الدولة المنتدبة.

أصدر “بونسو” قرارًا بتعطيل الجمعية التأسيسيّة، وشهدت البلاد -في إثر ذلك- مظاهرات واضطرابات أمنية حتى 14 أيار/ مايو 1930، حين أقر (بونسو) الدستور بعد أن أضاف إليه المادة 116 التي تنصّ على “طي المواد التي تتعارض مع صك الانتداب؛ حتى زواله” لم يهدأ الشارع، وعُدّت المادة مقيدة لحقوق الدولة السوريّة ، ثم أُنهي حكم الشيخ تاج الدين الحسيني في 16 تشرين الثاني 1931، وتشكلت حكومة موقتة برئاسة سالومياك، نائب بونسو، في دمشق، مهمتها الإشراف على الانتخابات النيابية التي أُعلنت نتائجها الرسميّة في 9 نيسان/ أبريل 1932، وعُقد أول مجلس نيابي في ظل النظام الجمهوري في 7 حزيران/ يونيو 1932، وانتُخب صبحي بركات رئيسًا له، ومحمد علي العابد رئيسًا للجمهورية، وفي عام 1936، نُظمت الانتخابات النيابية الثانية في ظل الدستور، وأوصلت هاشم الأتاسي لسدّة الرئاسة، وفي عام 1939، استقال الأتاسي، وعُطّل العمل بالدستور؛ نتيجة نشوب الحرب العالمية الثانية؛ حتى 1941 حين أعيد العمل بالدستور. غير أنه لم تجر انتخابات، وعيّن تاج الدين الحسيني رئيسًا للجمهورية، ثم جرت الانتخابات عام 1943، وأفضت إلى فوز الكتلة الوطنية، ووصول شكري القوتلي إلى الرئاسة، وفي عام 1947، عُدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب القوتلي لولاية ثانية مباشرة، بعد ولايته الأولى، وفي 30 آذار/ مارس 1949، انقلب حسني الزعيم عسكريًا على الحكم المدني برئاسة القوتلي، وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في آب/ أغسطس 1949، ونُظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة؛ لوضع دستور جديد للبلاد.وفي اليوم الثاني لانقلاب سامي الحناوي كُلّف الرئيس الأسبق، هاشم الأتاسي، برئاسة الحكومة، والتي وضعت على رأس أولوياتها القيام بانتخابات الجمعية التأسيسيّة؛ لوضع الدستور الجديد للبلاد. وهكذا أُعِدّ لدستور 1950، فكيف كان ذلك؟

* * *

وفقًا للقانون

نادر جبلي

(نُشِرَ في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 – جيرون)

تجد الأنظمة غير الديمقراطية نفسها مُلزمة بوضع دساتير عصرية متقدمة، تقدم للعالم صورة وردية عن نظام الحكم وأحوال البلاد، فإذا تصفحنا دستور أعتى الدكتاتوريات، وجدناها تضم نصوصًا رائعةً في مجال الحريات والعدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون…إلخ. لكنها- في الواقع- تبقى نصوصًا على الورق، لا أثر لها على الأرض، حيث تعمل تلك الأنظمة على تعطيلها وتفريغها من مضامينها بوسائل شتى، منها القانون.

والقانون، بوصفه أدنى مستوىً من الدستور، يفترض به أن يحترم مبادئه ويتقيد بأحكامه ويعمل بهديه، وأن يسعى لتمكينه، وجعل أحكامه قابلة للتنفيذ. لكن النقطة الأخيرة “جعل أحكام الدستور قابلة للتنفيذ” سيف ذو حدين؛ لأنها تجعل أحكام الدستور رهينة لنصوص قانونية لاحقة، قد تنقلها إلى حيز التنفيذ، أو تأخذها في غير اتجاهها، أو تتركها حبرًا على ورق. بمعنى أن القوانين قادرة على تمكين أحكام الدستور، أو تشويهها أو تعطيلها؛ فيكون التمكين في دولة القانون، ويكون التشويه والتعطيل في دولة الأمن والعسكر والاستبداد.

في سورية، استُغلّ ذلك بكفاءة من الطغمة الحاكمة منذ العام 1970، حيث نجد نصوصًا دستورية عصرية متقدمة، خاصة في تناولها لقضايا الحقوق والحريات، ونجد -في المقابل- أن القانون يُستخدم وسيلة لتعطيلها أو تفريغها من مضمونها؛ فغالبًا ما تنتهي الأحكام الدستورية بعبارات من نوع: “وفقًا للقانون”، “ينظمها القانون”، “يبينها القانون” وغيرها. وكلها تعني أن قانونًا سيصدر لتنظيم ما ورد في تلك الأحكام الدستورية، وتحويلها إلى واقع، وهذا أمر طبيعي من حيث المبدأ، لكن ما يحدث فعلا هو أن القانون إما أن لا يأتي أبدا، فيبقى الحكم الدستوري معلّقًا، أو يأتي بطريقة معينة تؤدي إلى إعاقة تطبيقه، أي تعطيله عمليًا.

لا نقول إن استخدام وسيلة القانون هو الطريق الوحيد لتعطيل الأحكام الدستورية، فهناك طرق عديدة، منها وجود أحكام أخرى في نفس الدستور تعطل غيرها، كوجود المادة الثامنة من دستور العام 1973 (قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع) التي عطلت آليًا أي أحكام أخرى تتعلق بالحريات السياسية، لكن مقالنا هذا يتناول -حصرًا- دور القانون في التعطيل. وإلى بعض الأمثلة.

نصت المادة 26 من دستور عام 1973 على أن “لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينظم القانون ذلك”. لكن قانون تنظيم الأحزاب لم يصدر حتى آب 2011، وبقيت المادة الدستورية، خاصة الجزء المتعلق بالمساهمة في الحياة السياسية، معطلة لأكثر من 38 عامًا، أي بقي تشكيل الأحزاب محظورًا؛ بسبب عدم وجود قانون ينظمه، وكانت جميع الأحزاب الموجودة -فعلًا- غير مرخصة؛ حتى تلك المنضوية تحت جناح البعث فيما يسمى بـ “الجبهة الوطنية التقدمية”.

لكن مشكلة تعطيل النص الدستوري لم تُعالَج بصدور قانون الأحزاب المذكور، بل انتقلت من التعطيل عبر التجميد (عدم وجود نص قانوني)، إلى التعطيل عبر الإعاقة (بوجود نص قانوني غير قابل للتطبيق)؛ حيث جاء في القانون ما يجعل من إمكانية وجود أحزاب حقيقية مستقلة أمرًا مستحيلًا؛ ويكفي القول: إن اللجنة المشكلة بموجب المادة السابعة من القانون، والتي تناط بها مهمات رئيسة، مثل: البت في طلبات تأسيس الأحزاب، وتفتيش حساباتها، ووقف قراراتها أو نشاطها…إلخ، هذه اللجنة مشكلة من خمسة أعضاء، يتبع أربعة منهم للسلطة التنفيذية، وهم الرئيس (وزير الداخلية) وثلاثة أعضاء معينين من رئيس الجمهورية مباشرة. فأي أحزاب يمكن ترخيصها عبر هذه اللجنة؟

ويمكن طبعًا الحديث عن البند 3 من المادة 8 من دستور العام 2012، بالطريقة نفسها، وهي المادة التي تنص على تشكيل الأحزاب: “ينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين الأحزاب السياسية”. وكذلك المادة 34 من دستور 20122، “لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينظم القانون ذلك”.

مثال آخر من دستور عام 1973، فقد نصت الفقرة 3 من المادة 28 على أنه “لا يجوز تعذيب أحد جسديًا أو معنويًا أو معاملته معاملة مهينة،ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك”. تم تأتي القوانين؛ لتمنح الحماية والحصانة، تحديدًا، لمن يرتكبون جرائم التعذيب والإهانة، وهم عناصر الأمن والشرطة؛ فقد نصت المادة 16 من المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969، المتضمن قانون إحداث إدارة أمن الدولة على أنه “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها في أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم، أو في معرض قيامهم بها، إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير”. أما المادة 30 من المرسوم نفسه؛ فتمنع نشر هذا المرسوم؛ ليبقى بعيدًا من اطلاع الناس “لا ينشر هذا المرسوم ويعمل به اعتبارًا من تاريخ صدوره”.

كذلك نصت المادة 74 من المرسوم التشريعي 549 لعام 1969، على أنه “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة، أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة، واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”. وجاء في المادة 101 “لا ينشر هذا المرسوم ويعتبر نافذًا من تاريخ نفاذ المرسوم (14) تاريخ 15/1/ 1969”.

نشير -أيضًا- إلى المرسوم التشريعي رقم 69 لعام 2008، والذي عُدّل بموجبه قانون العقوبات العسكرية، حيث حَصَر قرار ملاحقة عناصر الشرطة والأمن السياسي والجمارك، المتهمين بممارسة التعذيب، بالقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، على الرغم من تبعيتهم الإدارية لوزارة الداخلية.

تدل أمثلتنا -بوضوح- كيف أن حماية الدستور للناس من التعذيب والإهانة عُصف بها عبر توفير الحماية القانونية لمرتكبي هذه الجرائم الحقيقيين.

مثال أخير من دستور العام 2012، حيث نصت المادة 44 منه على أن: “للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلميًا، والإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور، وينظم القانون ممارسة هذه الحقوق”. ثم نأتي إلى القانون الذي سينظم ممارسة حق التظاهر، وهو المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2011، فنجد أنه احتوى على أحكام تقضي -عمليًا- على فكرة التظاهر من أساسها، فالمادة 3 من المرسوم حصرت حق تقديم طلبات التظاهر بالأحزاب والمنظمات والمواطنين المرخصين أصولًا: “يحق للمواطنين والأحزاب السياسية والمنظمات الشعبية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع الأهلي المرخصة أصولًا تنظيم المظاهرات، بما يتفق مع مبادئ الدستور وأحكام القوانين النافذة في الجمهورية العربية  السورية، وبما لا يؤدي إلى عرقلة سير المرافق العامة بانتظام واضطراد”. إذن؛ لا يستطيع التظاهر من لا ينخرط في كيانات مرخصة، وما هو مرخص من كيانات هو من صنيعة النظام، ويعمل بإشراف المخابرات. فماذا بقي من حق التظاهر؟

إضافة إلى ذلك؛ فقد فرض المرسوم قيودًا إجرائية صعبة على الراغبين في التظاهر، كأن يتعهد المنظمون بتحملهم المسؤولية عن الأضرار -كافة- التي قد يُلحقها المتظاهرون بالأموال والممتلكات العامة أو الخاصة، فمن يمكنه تقديم هذا التعهد وكفالة المتظاهرين؟

ويمكننا الحديث بالطريقة نفسها عن حرية التعبير والنشر والإعلام، وعن تأسيس الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وعن نصوص دستورية أخرى كثيرة، جرى تعطيلها عبر القوانين.

خلاصة القول، إن القانون الذي يفترض به أن يكون أداة لتعزيز الدستور وتمكينه، وحلقةً رئيسةً في بناء وتكامل النظام القانوني، الذي هو أساس بناء الدولة الوطنية الحديثة، استخدمه نظام الطغمة كمِعوَل؛ لتقويض النظام القانوني وتعطيل الدستور، ونزع مناعة البلاد، وتركها فريسة للمافيا والأشباح.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق