كلمة جيرون

الدساتير “الهِبات”

أخيرًا، تعطّف الروس على السوريين، وفضّلوا عليهم، وقدّموا لهم دستورًا، صنعوه في الكرملين، أو ربما في “اللوبيانكا”، كتبوه بالروسية أولًا، ثم تُرجم إلى العربية، معتقدين أنّهم بتقديمهم هذه “الهِبة” يكونون قد أوصلوا السوريين إلى آخر فصول مذبحتهم.

لن “نُضيّع” الوقت في تحليل مشروع الدستور “السوري” الذي أتعبت روسيا نفسها وكتبته، وحدها أو ربما بالتعاون مع النظام السوري أو غيره، ولن نُهدِر وقت القارئ في عرض بنوده، كما لن ننشر أهم فقراته أو بعضها، لأن مجرد قراءته خطيئة.

صحيح أن أي دستور، مهما كان سيئًا، لن يكون أسوأ من دستور 2012 المشؤوم، الذي أُقِرّ بعملية استفتاء شكلية أشرفت عليها الأجهزة الأمنية، ووُضِعَ بينما كانت قوات النظام تقصف الشعب وتُدمّر سورية، ومنح الرئيس كل الصلاحيات التي يمكن تخيُلها، ونصّبه ملكًا للبلاد ومالكًا للعباد، وضرب مبدأ فصل السلطات، وسمح -بصفاقة- للرئيس بالجمع بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية، وكان -للسخرية- أول دستور في العالم يفُصَّلُ على مقاس الرئيس الحالي؛ لأنه أشار إليه تحديدًا ضمن مواده، إلا أن كل ذلك لا يُبرر قبول مشروع الدستور “السوري – الروسي”.

من حيث المبدأ، لا يحق لروسيا، ولا لغيرها، أن تضع دستورًا أو مشروع دستورٍ لسورية، لكنّها تجرأت على هذا الفعل، بل وربما عدّته حقًا لها، بعد أن سمح لها النظام السوري بالتمادي، وأباح لها كل شيء، وقلّل من قيمة المنصب والسلطة والدولة والشعب باستهانة كبيرة.

سهّل النظام السوري للجميع الاستباحة، وليس مستبعدًا أن تتعطف إيران على السوريين، وتُقدِّم لهم دستورًا كُتب بالفارسية، في “قم” أو في “وزارت اطلاعات”، مادته الأولى: “سورية جزء من الهلال الشيعي الفارسي”. وليس مستبعدًا أن يقوم أكراد “جبل قنديل” بالتطوّع لكتابة دستور جديد لسورية، مكتوب بـ “الكورمانجية” أو “الصورانية”، مادته الأولى: “سورية ليست عربية”. كما يمكن أن يتفضّل (حزب الله) على السوريين، ويُهديهم، من الضاحية الجنوبية، دستورًا جديدًا مُفصّلًا وفق الطلب، مادته الأولى: “لبيك يا حسين”. كما قد يصل إلى السوريين دستور من إسرائيل، عربونَ حسن نيّة، كتبه “الموساد” أو “الشاباك”، مادته الأولى: “الجولان ليست أرضًا سورية”… وقد تصل للسوريين هبات وهدايا و”دساتير” كثيرة، مباشرة أو عبر وسطاء، وسيكون أمامهم الوقت الكافي لاختيار أنسبها، إن أبقى النظام منهم أحدًا.

أيّ وطني سوري سيرفض أن يضع بلدٌ آخر دستوره؛ لأن الفكرة فيها استباحة للوطن والكرامة، أما النظام السوري، فسيرفضه لأمر آخر مختلف تمامًا، سيرفضه لأنه يُدرك أن أسوأ دستور في العالم لن يمنح الرئيس تلك الصلاحيات الممنوحة له في الدستور الحالي.

الدستور هو خيار السوريين، ومهمتهم، ولا يجوز أن يُفرض عليهم، وهو بالأساس خيار جماهيري شعبي، وعلى كل الدول احترام الشعب السوري، ومساعدته، ليس بتقديم نص دستوري “هديّة” له، بل بتأييد حقه في الخلاص من النظام القائم، وتسريع استعادته توازنه، وقوته ليصنع دستوره.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق