سورية الآن

في إخفاق انتفاضاتنا وحداثتنا من منظور مختلف

هل كان من المفاجئ أن تنتهي الانتفاضات العربية إلى ما آلت إليه من خذلان وخيبات، أم أن ثمة خللًا أساسيًا في منطلقاتها وأهدافها والرؤية الأيديولوجية الناظمة لها، دفع بها في هذا الاتجاه وأوصلها إلى مأزقها الحتمي؟

الذين يأخذون بفكرة المفاجأة لا يرون في الثورة إلا انقلابًا على حكومة لاستبدالها بأخرى قد تكون أكثر سوءًا، أو إسقاطًا لرئيس لصالح آخر أشد وطأة واستبدادًا، فهم في الثورة على ما رأى النهضوي أديب اسحق “دعاة زعيم وعصاة زعيم لا ينشطون بها من عقال، إلا ليربطوا بآخر من مثاله أو أشد”.

ولو أخذنا في الاعتبار المسار التاريخي للحراك السياسي والاجتماعي العربي لرأينا فيه ما هيأ لحالة الارتباك والضياع الراهنة، وإرساء كل الشروط التأسيسية لسقوط الانتفاضات العربية واندحارها. لعل أول هذه الشروط إخفاق الإصلاح السياسي العربي والاستعصاء التاريخي لقيام دولة الحداثة، دولة القانون والمؤسسات والمساءلة الدستورية، تلك التي طرحها النهضويون العرب منذ ستينات القرن التاسع عشر، وبقيت حلمًا لكل دعاة التقدم والإصلاح، فيما الواقع العربي يزداد تدهورًا وتتفاقم أزماته عامًا بعد عام.

يحضر هذا الهاجس بشدة فيما نحن نتابع التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو للاشتباه بتورطه بقضايا فساد، وتلقيه وزوجته هدايا من مؤيدين أثرياء في شكل غير قانوني، فضلًا عن تورط قريبه ومحاميه في صفقة شراء إسرائيل غواصات ألمانية، الأمر الذي يضع مستقبله السياسي على المحك في حال ثبوت أي من هذه الاتهامات.

في الوقت نفسه يطالعنا تقرير منظمة الشفافية الدولية حول الفساد في العالم بأرقام صادمة عربيًا. فقد قالت المنظمة الأربعاء 25 كانون الثاني (يناير) 2017 إن أغلب الدول العربية تراجعت في مجال مكافحة الفساد في 2016 على رغم مرور 6 سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي في المنطقة. ورأت المنظمة أن غالبية الدول العربية لم تحقق نتائج تعكس إرادة الشعوب في بناء أنظمة ديموقراطية تعطي مساحة للمساءلة والمحاسبة، وأن 90 في المئة من هذه الدول فشلت في التصدي للفساد الواسع الذي كان من أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي. وجاء في تقرير المنظمة أن 6 من بين أكثر عشر دول فسادًا في العالم، هي عربية: سورية والعراق والصومال والسودان واليمن وليبيا. فيما تعاني دول عربية كتونس ومصر والجزائر والأردن ولبنان من ارتفاع معدلات الفساد، حيث جاءت درجتها في التقرير: تونس 75، مصر والجزائر 108، الأردن 57، لبنان 136، بينما هي في إسرائيل 33، ما يضع هذه الدولة مع دول العالم المتقدمة. كما كشف التقرير أن نسبة الذين يعتقدون بأن الفساد قد ازداد تصل إلى 92 في المئة في لبنان و84 في المئة في اليمن و75 في المئة في الأردن، فيما بلغت فاتورة الفساد 77 بليون دولار خلال عام في مصر.

إزاء هكذا مقارنة، يجب أن تكون لدينا شجاعة الاعتراف بأن اسرائيل، وإن كانت دولة غاصبة تمارس التمييز العنصري بحق العرب وتنتهك حرماتهم ومقدساتهم، إلا أنها في تعاملها مع مواطنيها، دولة قانون، يخضع مسؤولوها للمساءلة والمحاسبة في ما يخص الشأن العام، ولم يكن تصنيفها في عداد الدول الأقل فسادًا من دون مسوغ، أيًا يكن موقفنا منها. بينما لم يتوصل العرب إلى دولة القانون، بعد قرابة قرنين على المبادئ الليبرالية التي طرحها التنويريون العرب لإرساء دولة العدل والحق والمساواة و”مجرى شرائعها متساوية على الجميع بدون تمييز أو تفريق” على ما رأى فرنسيس المراش أواسط القرن التاسع عشر.

لقد استغرقنا في الأيديولوجيا ومشاريعها المستحيلة، فيما أخفقنا في الاعتراف بالانسان كقيمة في حد ذاته، كما أخفقنا في الاعتراف بقيمة عمله وجهده وكفاحه. آثرنا الوصول إلى الثروة والمكانة بالقربى من ذوي النفوذ، والتزلف إليهم ورشوتهم بكل الطرق والأساليب، ولو كان ذلك على حساب كرامتنا الإنسانية، سعيًا وراء وظائف لا نستحقها وثروة لم نشارك في إنتاجها. لكأن قول الكواكبي في طبائعه “أسفلهم طباعًا وخصالًا أعلاهم وظيفة ورتبة” لا يزال واقعيًا، وكأن الدولة السلطانية التي عاش في كنفها، لا تزال تعيد إنتاج نفسها بصورة وبأخرى.

بإيجاز شديد، لقد فشلنا في تحديث أنظمتنا ومجتمعاتنا وإنساننا، كما فشلنا في تحديث اقتصادنا وعلومنا، فكانت النتيجة كل هذا التردي في كل المجالات لأن ثمة صلات وثيقة بل تلازمًا بين الأخلاق والسياسة والاجتماع والاقتصاد والثورة المعرفية والعلمية، ولا يؤمل فلاحنا بأي من هذه الميادين في ظل الفساد المهيمن. وهنا بالذات محنة حداثتنا، وسر تمادي تخلفنا.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق