تحقيقات وتقارير سياسية

تمثال الأسد الأب يقتحم حماة

ليس عبثًا ما فعله النظام بإعادته تمثال حافظ أسد -في هذا التوقيت بالذات- إلى دوار النسر في مدخل مدينة حماة الغربي، بعد خمس سنوات من إزالته.

أخفى النظام ذلك التمثال الكبير في 10 حزيران/ يونيو 2011، أي: مع الذكرى الـ 11 لوفاة حافظ الأسد، التي كانت في 10 حزيران/ يونيو 2000، وبعد ما يقارب ثلاثة أشهر على انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011.

دفعت خشية النظام من أن يحطم أهالي حماة التمثال، أسوة بما جرى في بعض المناطق، إلى توجيه الأوامر إلى بلدية حماة لرفعه، وتخزينه بعيدًا عن الأعين، في أحد الأفرع الأمنية، وفق ما تناقلته الأخبار آنذاك.

مع انطلاقة الثورة، ومقابلتها بالرصاص الحي، وسقوط أول شهيد في “جمعة الكرامة” أمام الجامع العمري في درعا، تلتها “جمعة العزة” في 25 آذار/ مارس 2011، فكانت كوكبة جديدة من الشهداء، منهم نحو 20 شهيدًا في مدينة الصنمين، و9 في مدينة طفس، و10 في مدينة اللاذقية، مع عشرات الجرحى في المدن الثلاث، وفي إثر ذلك؛ انطلقت الحشود الغاضبة في مدينة درعا، نحو تمثال الأسد وحطمته.

بدا أن الجماهير لا تنتقم من تلك الهياكل الأسدية وحسب، بل تريد تحطيم هيبة ما عدّه النظام حالة رمزية له وللناس، ومن هنا أيضًا، جاءت عملية تمزيق وحرق الصور الخاصة بالأسدين الأب والابن.

في 15 نيسان/ أبريل 2011، كان مشهدًا دراميًا لا ينساه السوريون، بتحطيم وإحراق التمثال الضخم لحافظ أسد الواقع في المدخل الجنوبي لمدينة الرستن التابعة لمحافظة حمص، ثم تقديم رأس التمثال هديةً إلى أهالي تلبيسة.

هذان المثالان اللذان انطبعا في ذاكرة عدد من السوريين، سبقا ما جرى في حماة من إزالة طوعية من النظام للتمثال، خشية أن يلقى ذات المصير بعد مجزرة حماة في “جمعة أطفال الحرية”، 3 حزيران/ يونيو 2011، إذ أطلق عناصر الأمن النار على المتظاهرين في ساحة العاصي؛ ما أدى إلى استشهاد وجرح العشرات.

عمد النظام إلى جعل التماثيل والصور حالة رمزية لحضوره في كل مكان، واستغل ذلك لترهيب الناس، وإفهامها أنها مراقبة في كل زاوية ومكتب من أعلى المستويات، إذ باتت تلك الحال جزءًا من منهج في إدارة سلطة، تغلغلت من صفوف الدراسة في دور الحضانة، إلى الجامعات والوزرات والدوائر وغير ذلك.

عمد الثوار إلى تحطيم جدار الخوف رمزيًا، من خلال استهداف تلك الظاهرة التي أفسدت حياتهم بتلك الكوابيس المرعبة.

إنها محاكمة شعبية مباشرة ليس للتماثيل، بل للديكتاتور وما يشكله من رعب في قلوب الناس، ولتاريخ ارتبط باسمه يحوي كثيرًا من الجرائم والآلام.

محاكمة تماثيل الأسد وصوره، في سنوات الثورة، تبدو في ظاهرها “فشة قلب”، حمل واحتمل تفاصيل لا يمكن اختصارها بوصف.

تلك المحاكمات العلنية، تعكس في باطنها وعيًا شعبيًا بضرورة إعادة الثقة إلى الذات الإنسانية وقيمتها المعنوية والمادية، وفهمها لأهمية تفجّر ينابيع القيم المجتمعية، لتنساب مياهها وتسهم في إنبات مرتكزات الأخلاق العامة من جديد، وصوغ القوانين والحضارة الوجودية، التي تبدأ ليس بكسر جدار الخوف المرتبط بتلك الأشباح المنحوتة فحسب، أو بصور مختلفة الأحجام للأسد وأولاده، وما تخفيه خلفها من أهوال، بل بكسر “التابو” المرتبط بكل محظور أحاط حياة الناس ويتعلق بالسلطة وأدواتها.

إن إعادة النظام تنصيب التمثال، بعد نحو ست سنوات من انطلاقة الثورة، رسالة بالغة الخطورة، وهي لا تربط بتعبئة فراغ، أو التباهي بقدرته على الصمود، بل من المرجح أنها تحمل أهدافًا أبعد من ذلك بكثير.

أُحضر التمثال ملفوفًا بعلم كبير للنظام، ووُضع بشكل يُراد منه أن يعطي حالة ثقة لأتباع النظام، وتُرك ملفوفًا بالعلم لإزاحة الستار عنه في مرحلة لاحقة، قد تكون احتفالية، وربما يجري التخطيط لها لتترافق مع مسيرة شعبية كبيرة من الأهالي، بعكس مظاهرة حماة الشهيرة والكبيرة ضد النظام.

من المحتمل أيضًا أن تحضر وفود رسمية، لا يمكن التكهن بحجمها، ولكن قد يكون التمثال كله قد تغير شكله بذريعة الصيانة، ليظهر بطريقة تحوي حالة استهزاء بشعب دفع كل تلك الدماء لأجل حريته، فلم يستطع أن ينتصر على مجرد تمثال.

خطورة ذلك في تمرير اليأس إلى الناس، بعد مرحلة انتكاسات مؤلمة للمعارضة، وتهجير قسري ومصالحات في عدد من المواقع والبلدات، وعودة مدينة حلب إلى يد النظام، وبعد محاولة الروس فرض أمر واقع بالمفاوضات، وغياب تام لمجموعة أصدقاء الشعب السوري، ليبدو المشهد أن الشعب تُرك لمصيره المحتوم تحت رحمة النظام وميليشيا إيران وروسيا.

ترافق -أيضًا- مع تقرير لمنظمة العفو الدولية عن الجرائم الفظيعة التي حدثت في سجن صيدنايا، وهنا يستغل النظام إعادة التمثال ليقول: إنه باق بكل ذلك الرعب الذي ترافق مع تماثيل الأسد الأب، ويجب أن يُفرض على قلوب السوريين.

ما تمثله مدينة حماة من حالة رمزية للسوريين، جعلتهم يحتفون بذكرى مجزرتها وشهدائها هذه السنة بطريقة مختلفة، إذ شاركت المواقع والصحف التابعة للمعارضة، وصفحات التواصل الاجتماعي، وعبّرت عن تضامنها مع رمزية تلك الذكرى.

حالة الترهيب التي حدثت من مجزرة حماة في ثمانينيات القرن الماضي، لانعكاسها على بقية الشعب السوري، هي ما يريد النظام استثمارها اليوم أيضًا، بإعادته ذلك التمثال إلى هذه المدينة تحديدًا.

يقول الأسد للسوريين بذلك، إنه باق بدعم وغطاء أممي واضح وجلي، وأن من يحلم بالانتصار عليه لمحاكمته، هو نفسه سيُحاكم لنيله من رمزية النظام وهيبته حتى بالتماثيل.

إنها في الحقيقة آلة الغباء التي تُدير عقلية الاستبداد؛ إذ يجعله الغرور غير مدرك -حتى الآن- أن الشعب الذي تحداه عندما كان في أوج قوته، وجميع أنحاء البلاد تحت إمرته، بجيشها وعتادها وعديدها، استطاع أن يصمد ويهزمه ليحشره في زوايا ضيقة، ما اضطره ليستنجد بالإيراني والمرتزقة، فلاقت الفشل والهزيمة، لتأتي روسيا التي ارتكبت إجرامًا مكثفًا، بآلاف القنابل والصواريخ وبأسلحة متطورة، ليُعلن وزير خارجيتها أخيرًا، أن تدخلها منع سقوط النظام الحتمي الذي كان سيحدث خلال أسابيع.

قد تكون إعادة التمثال إلى تلك المدينة هدية من نوع ما لأبناء المحافظة، ليس للتمتع بهدم كتلة صماء في يوم مقبل، وإنما للاحتفاء بتاريخ جديد تصنعه أكف الناس وإرادتهم، إذ يحق لحماة أن تنظّف بيدها عن كاهلها كل الشوائب؛ لتكتب تاريخها السوري.

خبث النظام بفعلته تلك قد يكون عميقًا ومتشعبًا، لكن من المؤكد أن إرادة الحياة عند السوريين هي التي جعلت من ثورتهم منارة في حلكة هذا الليل الذي تعيشه البشرية، وغدًا يوم جديد.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق