قضايا المجتمع

ثقافة التحطيم

غياب الوعي في مجتمعاتنا أصابنا بعلل كثيرة في مجالات شتى، وعودته تعدُّ الخطوة الأولى للشفاء من العلل كلها؛ ولن تتحقق عودة الوعي دون إعادة النظر -أولًا- في أسس وطرائق التربية عندنا، فالنظام التربوي الرسمي والتربية الدينية في المساجد وتثقيف الأحزاب السياسية؛ يشوبها خلل جسيم! أدى إلى تخريج أجيال تعاني من اضطرابات فكرية، أنتجت سلوكيات خاطئة؛ جعلت المجتمع فاشلًا في مواجهة الأزمات الحقيقية التي حاقت به؛ هذا الخلل في التربية جعلنا نعمل بثقافة التحطيم لا ثقافة البناء والتعاون والارتقاء الجمعي.

خير مثال على ما سبق، توضحه تجربة أجراها مدرب لبناء القدرات الذاتية مع مجموعة من تلاميذه؛ إذ وضعهم في صالة صغيرة؛ وأعطى لكل منهم بالونًا؛ وطالب كلًا منهم بنفخه وربطه ثم خاطبهم قائلًا:

لديَّ جوائز متعددة سأمنحها لمن يستطيع المحافظة على بالونه منفوخًا لمدة دقيقة واحدة. أطلق إشارة البدء، فتوجه كل طالب إلى بالون زميله! بمرور الدقيقة كانت النتيجة أنّ طالبًا واحدًا احتفظ ببالونه سليمًا؟ بعد أن فجّر التلاميذ بالونات بعضهم بعضًا؟ فخاطب المدرب تلاميذه قائلًا: لم أطلب من أحد تفجير بالون زميله! إنما طلبت من كل منكم أن يحتفظ ببالونه سالمًا؟ ولو أن كل واحد منكم؛ لم يتخذ قرارًا سلبيًا ضد الآخر؛ لحصلتم جميعًا على جوائز؛ لكن التفكير السلبي وثقافة تحطيم الآخر طغت على عقولكم.

ثقافة تحطيم الآخرين التي نشأنا عليها! وتتحكم بتفكيرنا وسلوكنا، أفرادًا وجماعات وطوائف ومذاهب، كانت ولا زالت وسيلتنا التي نرتقي بها على أشلاء الآخرين! فكل جماعة تريد أن تكون الفرقة الناجية والطائفة المنصورة!

الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ذلك الأثر المنحول على رسول الله ﷺ، استطاع مَنْ اختلقه ونسبه زورًا وبهتانًا إلى رسولنا الكريم أن يحرف سلوك أمة بأكملها؛ حتى جعلنا هذا الأثرُ المكذوبُ متصارعين على الإسلام، لننتقل من فريضة التشاركية الإيمانية والأخلاقية التي أُمرنا بها جميعًا:

وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. المائدة:2.

إلى ثقافة بني إسرائيل أيام التيه؛ فكلٌ منا يفسّق ويكفِّر ويخوَّن الآخر؛ لتكون النتيجة هزيمة الجميع أمام الاستبداد، وفي معركة الحضارة والبناء والتنمية والبحث العلمي.

منذ اللحظة التاريخية التي استطاع طالبو السلطة تحويل مآربهم السلطوية من خلال وضّاعي الأحاديث إلى مطالب دينية باسم السنة النبوية البريئة من سلوكياتهم المنحرفة؛ وتأسست الملل والنحل؛ لتدّعي كلٌ منها أنها الفرقة الناجية والطائفة المنصورة! ونحن نتصارع على الإسلام لا من أجل الإسلام؛ وكأن حُسن سلوكنا لا يتحقق إلا إذا أثبتنا انحراف وضلال وكفر الآخر! على الرغم من أن القرآن الكريم لا يلغي ما عند الآخر:

وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. سبأ:25.

بعد أن تمكنت ثقافة التحطيم منا؛ انغلقت كل فرقة على نفسها وادعت المعصومية. انتقلنا إلى مرحلة التحطيم المذهبي؛ لتبتدع كل طائفة وفرقة مذهبًا كي يُقَسّم المُقَسّم ويجزّأ المجزّأ! فاختُرعت المذاهب التي كانت مقتل الأديان السابقة؛ لكننا لم نتعلم من دروس وأخطاء الآخرين! وإنما باركناها وقلدناها؛ فدخلنا مرحلة أخرى في ثقافة التحطيم من خلال الصراع المذهبي، فكل مذهب يدّعي أحقيته بقيادة هذه الطائفة أو الجماعة أو الملّة.

ثم انتقلنا من التحطيم المذهبي إلى التحطيم الفردي؛ وكان لمبدعينا عبر التاريخ النصيب الأكبر! فعندما خالف الشافعي في مصر مالكًا، في بعض آرائه، كان نصيبه الاغتيال على يد أحد متعصبي المالكية؛ أما شيخ المفسرين والمؤرخين، الإمام الطبري؛ فبعد وفاته حاصر متعصبو الحنابلة داره! ومنعوا أن تكون له جنازة؛ لقوله -فحسب- بأن ابن حنبل محدّث وليس بفقيه! حتى دُفِنَ في داره ولم يشيّع!! وأما إمام العقلانية والفلسفة (ابن رشد) فحرقوا كتبه؛ بعد أن ردّ على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) بكتاب أسماه (تهافت التهافت).

لم ينجُ مبدع أو عالم في مجتمعاتنا -عبّر التاريخ- من ثقافة التحطيم؛ ولو نظرنا إلى المجتمع الغربي المتجاوز لثقافة التحطيم؛ سنجده يأخذ بيد ذوي الحاجات الخاصة؛ ليحولهم من عالة على المجتمع إلى مبدعين له (ستيفن هوكينغ مثالًا)، ويدعموا صاحب الموهبة؛ ليكون مبدعًا (مارك مثالًا)، وتلك تربية وثقافة تربّت عليها أجيالهم.

أما نحن، فثقافة التحطيم جعلتنا نكره الآخر المخالف لفكرنا، ونتهم مبدعينا بالفسوق والردّة والكفر، لذلك؛ لا تكاد تقرأ سيرة عالم إلا تجد فيها محنة، منذ أبي حنيفة وحتى أحمد زويل، العلامة الإيجابية الوحيدة لنا في تاريخنا المعاصر الذي اتهمناه بالخيانة.

ما العمل؟

لا سبيل لنا إلا بالعودة إلى التربية الأخلاقية الحضارية التي أمرنا بها القرآن الكريم، وتعمل بها اليوم الأمم المتحضرة، كأخلاقيات (لِتَعَارَفُوا) (وَتَعَاوَنُواْ) (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ) (وَاعْمَلُوا صَالِحاً) (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)؛ هذه الأخلاقياتُ الحضاريةُ القرآنيةُ المصدر تعمل بها الأمم الأخرى؛ وترفضها أمة القرآن.

نحتاج إلى مَنْ يبعث فينا ثقافة النقاط البيضاء، لنجمع الخير الموجود عند كل طرف أو جماعة أو تيار؛ وننبذ النقاط السوداء الموجودة فيه، وغالبًا ما تكون حطب نار يُسعّر تفرقنا وتشتتنا لنتصارع فيما بيننا. نحتاج أن نعلم أبناءنا مناقشة الأفكار لا محاكمة قائليها؛ ونغيّر الوسائل عند فشلها دون استبدال القيم والمبادئ؛ حينئذ ستنتهي ثقافة التحطيم؛ لنتعاون جميعًا في الخروج من هذا النفق، ونتشارك جميعًا في عملية الارتقاء؛ كي لا يبقى بيننا محطمًا ولا مظلومًا، وهذا ما علمه أحد أساتذة القانون لطلابه؛ عندما دخل يومًا إلى القاعة، وقبل أن يبدأ الامتحان نادى أفضل طلابه؛ وطرده من القاعة دون أن يذكر سببًا لذلك؛ وعندما خرجت النتائج، فإذا بهذا الأستاذ قد رسّب جميع الطلبة! واشتكوا إلى إدارة الجامعة؛ فسأله العميد: أيعقل ألا يوجد طالب يستحق النجاح؟ أجاب: نعم لا يوجد! سأله: لِمَ؟ قال: طردتُ أفضل طالب بينهم، دون أن يعترض أحد منهم على ذلك؟! فمن لا يدافع عن زميل مظلوم، لا يستحق أن يكون محاميًا أو قاضيًا ليدافع عن المجتمع بأكمله!

إننا اليوم أمام تحدٍ حقيقي؛ إما أن نكون أو لا نكون؟ فإن بقينا نعمل بثقافة التحطيم فكبِّر على هذه الأمة أربعًا؟ هذه الكلمات صرخة أكثر من أن تكون مقالًا؟ فهل نتعظ؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق