قضايا المجتمع

الإسلام السياسي في العام السابع للثورة السورية

عاملان رئيسان هما السبب في إطالة عمر الأزمة السورية: الأول؛ يتمثل بنظام استبدادي لايزال يرى الحل الأمني العسكري مخرجًا له من الأزمة؛ ويصرُّ على ذلك من خلال خطابه وسلوكه! مستغلًا ظاهرة أسلمة الثورة؛ ليعيد إنتاج نفسه، عربيًا ودوليًا، من خلال اتهامه الحراك بالإرهاب؛ مستغلًا تغلغل السلفية الجهادية وسيطرتها على الحراك المسلح.

أما العامل الثاني؛ فيتمثل بغلبة ظاهرة الإسلام السياسي، الحالم بإحياء دولة الخلافة الإسلامية على أسس سلفية ترفض الآخر برمته؛ ولا تقيم وزنًا لشكل الدولة الحداثية، ولا قيمة لديها للمتغيرات المعاصرة؛ ولا لحقوق الإنسان؛ وتستخدم مصطلحات تراثية عفا عليها الزمن؛ أصبح الإيمان بها نوعًا من أنواع بيع الوهم.

أما القوى الوطنية المعارضة، فترى ضرورة وجوب الاتفاق على شكل سورية المستقبل، وإدارتها ديمقراطيًا بنمط حداثي؛ يجعل لها قبولًا في المجتمع الدولي؛ ويقضي على أي بذرة تعيد إنتاج الاستبداد من خلال مشاركة أبناء الوطن جميعهم في دولة؛ المواطنةُ هدفها، والحريةُ شعارها والديمقراطية أسلوبها؛ والمساواة بين الجميع مسلكها؛ والعدالة الاجتماعية سياستها.

لكن قوى الأمر الواقع في الجانب الثوري؛ ولا سيما المتعسكر منها ذو الأيديولوجيا الإسلاموية؛ لاتزال تطرح شعارات؛ وتقدم خطابًا إعلاميًا لا ينتمي إلى العصر، من جهة! ولا إلى شكل الدولة المعاصرة، من جهة أخرى، وترفض الحداثة بمصطلحاتها ومخرجاتها، لتجعل المجتمع الدولي لا يرى بديلًا ضامنًا عن النظام الاستبدادي؛ فيتردد في دعم عملية التغيير!

وكما نعلم؛ فإن شكل الدولة وأسلوب إداراتها قد طرأت عليه تحولات مهمة؛ ومَنْ يريد التغيير عليه أن يلحظ ذلك، وينسجم معه ليدخل المعاصرة إلا أن التيارات الإسلاموية المتشكلة في أثناء الثورة السورية، ترفض الصيرورة التاريخية لتغير شكل الدولة؛ وترفض الاعتراف بسيرورة تطور هذا الشكل!

لايزال كثير من هذه التيارات ينادي في شعاراته وبرامجه بدولة الخلافة العابرة للوطنية؛ ولا يقيم وزنًا لحرية التعبير للآخر المختلف مع أيديولوجيته؛ وهذا وهمٌ يعيش فيه؛ وسير عكس حركة تطور المجتمعات المنتظمة في دستور وقانون مدني!

حالة اللاوعي لتطور شكل الدولة لدى تلك الحركات الإسلاموية تعد معوقًا مهمًا في إنجاز هدف الثورة، وانتقال سورية إلى دولة حديثة ذات سلوك ديمقراطي، تعتمد التداول السلمي للسلطة أساسًا في سياستها واستراتيجيتها، ولا يمكن الخروج من حال الاستعصاء الثورية السورية، والتفاهم مع المجتمع الدولي، إلا باتفاق القوى السياسية الديمقراطية مع الإسلام السياسي في شكل محدد للدولة وخريطة طريق؛ تنتج دستورًا عصريًا، يلحظ تطور شكل الدولة؛ لينهي صراعًا (دونكوشوتيًا) بين المكونات السورية؛ أظهرته الأزمة على أساس مفهوم وثقافة المواطنة؛ من خلال نهج ديمقراطي يعتمد برامج تنموية، لا شعبوية ديماغوجية تدغدغ عواطف المتعاطفين مع الإسلام السياسي. وإنْ لم يحدث ذلك؛ فسنبقى في حال احتراب؛ ربما تعيد إنتاج النظام الاستبدادي مرة أخرى؛ وتأتي على ما تبقى من سورية دمارًا وتشريدًا؛ لم يعد للمواطن السوري قدرة على احتمالها.

أمام هذه الصورة غير السّارّة لتيارات الإسلام السياسي؛ وإيمانها الكبير بالمعادلة الصفرية غير الممكنة في الصراع العسكري؛ يقابلها ترهل غير مسبوق للقوى الوطنية الديمقراطية الظاهرة على سطح المشهد (الائتلاف الوطني مثالًا)؛ كونها أصبحت مرتهنة في قراراها الوطني ارتهانًا كبيرًا للخارج، مقابل قوى وطنية ديمقراطية مهمشة ومبعدة من المشهد؛ ذات قرار وطني مستقل إلا أنها غير فاعلة؛ وغير مسموح لها أن تلعب دورًا حقيقيًا! ونتيجة الصراع الدائر وتفشي ظاهرة السلفية الجهادية بحيث باتت تهدد مستقبل الوطن إلى أمد بعيد؛ نتساءل:

هل استطاعت قوى الإسلام السياسي المسيطرة كثيرًا على الميدان، أنْ تؤثر في الشارع الثوري لتبعده عن اعتداله الديني المعروف به تاريخيًا.

الحقيقة أن الشارع السوري بكل مكوناته شارع متدين ومؤمن؛ كلٌ بحسب طريقته؛ لكنْ اليوم ونتيجة ما حدث من تلك القوى وسيطرتها على مسار الثورة؛ فقد أصبح هذ الشارع كافرًا بالإسلام السياسي؛ رافضًا لأسلوبه في إدارة البلد؛ وبات ميّالًا أكثر للأسلوب الحداثي الديمقراطي؛ وما أبداه من تعاطف معهم بداية الحراك المسلح ندم عليه كثيرًا اليوم نتيجة ما آلت إليه الأمور من جهة؛ ومن جهة أخرى وجد نفسه أمام استبداد باسم الدين لا يقل في قسوته وجبروته من استبداد النظام

وهذا ما جعله اليوم يفكر بعقلانية وواقعية أكثر؛ بل بدأ يطرح بجدية حيادية الدولة؛ أما العلمانية التي يريدها فهي ليست كعلمانية النخب السياسية ما قبل الثورة؛ لكونها كانت علمانية ذات ميول معادية للتدين؛ لا محايدة له، فبدأت أصوات تظهر لتطالب بذلك؛ حتى يبتعد الدين بكل مذاهبه وطوائفه عن صَبْغ الدولة بصبغته لتتحقق ثقافة المواطنة!

إنّ ما رآه مجتمعنا من سلوكيات متوحشة وغير ديمقراطية من جانب تلك التيارات؛ دفعه للعودة لاعتداله مرة أخرى؛ ليتخلص من المفهومات الانتقامية والثأرية؛ إذ تبين له أن بناء وطن جديد لا يمكن أن يتحقق في ظل تلك الثقافات والرؤى الإلغائية؛ وأن الحالة السورية لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه.

إن حالة الكفران المجتمعي بالإسلام السياسي ليست رؤية مبنية على فراغ؛ إنما نراها حالة وعي أدركه المجتمع نتيجة تلك السلوكيات المستبدة في المناطق المسيطر عليها من هؤلاء؛ ونتيجة إصرار تلك التيارات الإسلاموية على تقديم مشروعها المختلف كثيرًا عن مشروع الثورة القائم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، واتضح للغالبية أن تلك التيارات استخدمت الثورة وسَطَتْ عليها؛ لتمرير مشروعها العابر للوطنية ذي الشكل المستحيل التحقق؛ الأقرب للوهم منه للحقيقة.

من هنا نرى انحياز الشارع الثوري إلى مفهومات معاصرة وحداثية تقوم عليها سورية المستقبل أكثر أمنًا وأمانًا؛ لكي يتعايش المجتمع السوري بكل مكوناته بثقافة تشاركية؛ بعد أن اتضح للجميع أن ثقافة القطيعة مدمرة للوطن؛ ومؤخرة لخروجه من الأزمة؛ ولم يعد لها سوق دوليًا.

وحتى يتحقق ذلك لابد من معرفة ميزان القوى لدى طرفي المعارضة الإسلامية والديمقراطية:

يمكننا القول إنه بعد مرور تلك السنوات العجاف من عمر الثورة؛ فإن المزاج المجتمعي الثوري بدأ بالانحياز للأسلوب الديمقراطي المدني التشاركي؛ بل انحاز أكثر للحل السياسي؛ ولم يعد مؤمنًا بالحل العسكري؛ ولكن دون تنازل عن ثوابت وأهداف الثورة رغم صعوبة ذلك بعد أن أصبحت الحالة السورية مرتهنة في قرارها للقوى الدولية؛ والتغيير الكبير الذي طرأ على الميدان نتيجة دخول الروس عسكريًا على الميدان في نهاية أيلول/سبتمبر 2015 فبات المزاج مهيأ لحل السياسي خصوصًا بعد إخراج الجيش الحر من معادلة الصراع ميدانيًا.

نتيجة ذلك كله؛ يمكننا القول بأن ميزان القوة لم يعد كثيرًا بيد قوى الأمر الواقع؛ ولن تستطيع التأثير في مسار الحل السياسي كثيرًا؛ خصوصًا إذا قرأنا التقارب التركي- الروسي في هذا الاتجاه وما تمخض منه من لقاءات أستانا المروضة لما تبقى من قوى عسكرية.

هذا يعني أن ميزان القوة لم يعد ذلك الميزان الذي يأخذ بتأثير تلك القوى على الميدان الذي انحسر كثيرًا؛ وبذلك يمكن أن تتقدم القوى السياسية الوطنية الديمقراطية بخطوة من أجل انجاز مشروعها الديمقراطي المدني الحداثي؛ لتتحاور مع تلك القوى وفق معايير بناء دولة معاصرة، وبرامج تنموية؛ وأنّ الشعارات الديماغوجية لم تعد تنطلي على الشارع السوري؛ فلا دغدغة العواطف الدينية لها سوق لديه؛ ولا العنتريات السياسية عادت تؤثر فيه؛ إنما لمن يقدم مخرجًا حقيقيًا لهذا الشعب العظيم من مأساته دون أن يُفرّط بالحد الأدنى من أهداف ثورته التي دفع من أجلها ثمنًا باهظًا جدًا.

إن الإسلام السياسي، بأشكاله وتشكيلاته، عليه أن يدرك أن سورية لم تعد مرتعًا له إنما ستكون دولة المواطنة لجميع أبنائها؛ وحيادية تجاه كل مواطنيها؛ بغض النظر عن مذاهبهم وقومياتهم وطوائفهم؛ الديمقراطية ثقافتها وسلوكها؛ والمشروعات التنموية استراتيجيتها، والمجتمع المدني وسيلة من وسائلها، فإن لم يعِ ذلك فإن خروجه من المعادلة بات أكيدًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: anchor
إغلاق