قضايا المجتمع

أسئلة محرجة برسم الإسلاميين

غياب التفاهم وعدم الثقة بين القوى السياسية المعارضة العلمانية والإسلامية من معوقات الحل؛ وأحد أسباب إطالة عمر المأساة السورية؛ لذلك، لا بد من طرح جميع التخوفات التي تدور في خلد الأطراف جميعها ليُجاب عنها بوضوح وشفافية، فالعلمانيون لا يثقون بالإسلاميين! والعكس صحيح؛ والأزمة محرجة بين العرب والأكراد! وهناك مخاوف حقيقية لدى المكونات الأخرى، وأسئلة مازالت تثار في الجلسات المغلقة! ونظن أن من حق كل طرف، إنْ كنا جادين في الخروج من هذا النفق المظلم، المستمر لسنوات ست، أكلت الأخضر واليابس، أن يطرح مخاوفه وأسئلته على الآخر، ليُتوصَّل إلى تفاهمات على المستقبل، ويُعاد بناء الثقة.

خطوات قبل التساؤلات

قبل الولوج في الأسئلة المحرجة، نحتاج إلى ثلاث خطوات مؤسِسِة لإنتاج المشروع الوطني، أما الخطوة الأولى فتتمثل بأسبقية المشروع الفكري على المشروع السياسي، ليسهم في إنضاج العمل السياسي، بحيث يُنتج استراتيجية ثقافية متوافق عليها بين الأطراف؛ لتكون الخطوة الأولى في تجاوز كل الترسبات الماضوية المسببة للصراعات الحالية بين الفرقاء المختلفين.

أما الخطوة الثانية: إنجاز أسبقية المشروع الفكري دون معوقات؛ يحتاج لتعريف متوافق عليه للمصطلحات التي يتضمنها التوافق الوطني، بحيث لا يفسرها ويفهمها كل طرف بحسب أيديولوجيته، إنما يكون هناك فهم مشترك لها ومتفق عليه بين كل الأطراف بمختلف مشاربهم الإيديولوجية نحتاج إلى تعريف متفق عليه للدولة المدنية ومفهوم الديمقراطية والمواطنة وحيادية الدولة والمجتمع المدني والعيش المشترك ودور الدين في المجتمع.

أما الخطوة الثالثة، فتتمثل بالتوافق على عقد اجتماعي يكون مقدمًة للدستور ممنوع الانقلاب عليه بحجة الأكثرية الاجتماعية أو السياسية أو قوة أمر الواقع.

ونأتي إلى الأسئلة المحرجة

هذه أسئلة برسم الإسلاميين ويحق لهم أن يقدموا أسئلتهم للأطراف الأخرى العلمانية والقومية والمكوناتية؛ وأعتقد بأن الإجابة عنها بوضوح تبدد المخاوف المسكوت عنها عند الأطراف الأخرى غير الإسلامية

السؤال الأول: دائمًا نسمع حديثًا عن الأكثرية؛ فهل الأكثرية هي أكثرية مذهبية أم طائفية أم عرقية أم سياسية، فمفهوم الأكثرية كلٌ يفسره بحسب أيديولوجيته! فكيف يفهم الإسلاميون مفهوم الأكثرية؟

السؤال الثاني: إن دولة المواطنة تعني أن رئيس الدولة من الشعب ولكل الشعب؛ وهو في الدولة الحديثة يشبه كثيرًا رئيس مجلس إدارة لمؤسسة ما؛ ولا يتمتع بصلاحيات فرعونية، وهذا يحتاج إلى تجاوز المفهوم السابق لديانة رئيس الدولة، كما تقضيه دولة المواطنة! فهل يقبل الإسلاميون بذلك؟

السؤال الثالث: حتى لا نستخدم التورية والمعاريض والتكتيكات السياسية في أثناء التوافق، فإن الدولة الحيادية ودولة المواطنة هي دولة علمانية، ولكنها لن تكون بالمفهوم العلماني السابق المعارض للدين والتدين؛ إنما حيادية تجاه الدين، هي دولة مؤسسات لا تنتمي إلى دين أو مذهب أو طائفة، ولا تقسِّم مواطنيها على تلك الأسس، وتدير شؤون المواطن والمجتمع بعدل فهل الإسلاميون يقبلون بهذا؟

السؤال الرابع: تولي السلطة من تيار معين أو حزب محدد، لا يكون على أساس ديني أو أيديولوجي، إنما على أساس برامجي مشروعاتي تنموي؛ يعمل لخدمة المجتمع بكل مكوناته؛ ومن ثم؛ فإن الحملات الانتخابية لن تكون شعاراتية، إنما مشروعاتية تنموية، فماذا لو فاز تيار أو حزب لا ديني بالانتخابات، ما موقف الإسلاميين منه؟

السؤال الخامس: إن الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين يتمثل بهيمنة الثقافة التراثية ذات المنظومة الفقهية المُنْتَجة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، المسيطرة على عقول إسلاميي اليوم! ونعلم جيدًا أن تلك الثقافة كانت نتيجة حاجات عصرهم؛ ولقد تجاوزها عصرنا كثيرًا، فهل تلك الثقافة التراثية المنتجة لمفهومات يترتب عليها سلوكيات تجاه الآخر، مازالت صالحة لعصرنا وواقعنا والدولة الحديثة، أم أنها حالة تاريخانية انتهت صلاحيتها، وهل الفهم التاريخي لأهل الذمة والجزية والسبي وجهاد الطلب وحكم الردّة ما يزال قائمًا، أم من الممكن تجاوزه؟

السؤال السادس: الاحتكام إلى الشريعة شعار يطرحه الإسلاميون ويخالفهم فيه العلمانيون! لو وصل الإسلاميون إلى السلطة، هل سيطبقون الحدود على غير المسلمين، وما حكم العلمانيين في مفهومهم الفقهي، وهل الحدود التي يصرُّ الإسلاميون، على تطبيقها كحد الردة والرجم والقطع وغيرها ممكن تجاوز الشكل الصوري التنفيذي لها إلى المراد المقاصدي منها، بمعنى آخر بدلًا من أن نقطع يد السارق يُحبس، وبدلًا من رجم الزاني يعاقب بعقوبة ما، ولا يترتب على المرتد التفريق بينه وبين زوجه؟

السؤال السابع: في دولة المواطنة هناك مساواة بين الجميع؛ ولها استحقاقات؛ من استحقاقاتها ما يسمى بالزواج المدني! فهل يقبل الإسلاميون بالزواج المدني المعمول به في تركيا التي يقودها حزب إسلامي، إضافة إلى أن الزواج المدني يبيح للمسلمة الزواج بغير المسلم! فهل سيقبلون بذلك؟

السؤال الثامن: هل الرؤيا الفقهية حول الربا ماتزال صالحة اليوم، علمًا أن هناك اجتهادات في الموضوع لعلماء كبار تختلف عن المفهوم الفقهي التقليدي للربا، والاقتصاد له الدور الأول في سياسة الدولة ونموها، أمام هذه الحال الاقتصادية المعقدة، وأخطبوطية البنوك في المعاملات التجارية والاقتصادية، هل المفهومات الفقهية المُجْتَهَدة سابقًا حول الربا قابلة لاجتهاد مخالف لها وما حكم المواطن المحتاج لقروض بنكية ربوية في ظل سيطرة البنوك وحاجة المجتمع للتعامل معها؟

السؤال التاسع: معظم فتاوى الفقهاء في المواريث اجتهادية! وعندما احتاج المجتمع سابقًا إلى اجتهادات جديدة لاقت حينئذ صدودًا كبيرًا، ثم قٌبلت، كالوصية الواجبة، ومساواة المرأة بالرجل في الأراضي الأميرية، ونصيب البنت من ميراث أبيها المتوفى الذي ليس له أولاد، علمًا أن هناك اجتهادات في المسألة عند الجعفرية تخالفها! لجأ إليها بعض السُنة للخروج من المأزق، فهل فقه المواريث الاجتهادي، بعد تطور مفهوم حقوق المرأة، ودعوات المساواة قابلة للاجتهاد بما يخالفه أم أنّ ما اجتهد فيه الفقهاء الأقدمون يعدُّ مقدسًا لا اجتهاد فيه؟

السؤال العاشر: عندما “اتفق” السوريون على وثائق القاهرة عام 2012، نص الاتفاق على أن سورية المستقبل دولة مدنية ديمقراطية تعددية، هذه النقطة فسرها كل فريق كما يريد؛ فالإسلاميون فسروا الدولة المدنية بألا تكون عسكرية! والديمقراطيون أرادوا بها العلمانية، وقبلوا بمصطلح المدنية لعدم احراج الإسلاميين أمام حاضنهم الاجتماعي! فكيف نتفق على ما هو متفق عليه؟

وبعد:

تلك عشرة كاملة ممحرجة، يتداولها العلمانيون والديمقراطيون دون طرحها طرحًا مباشرًا على الإسلاميين؛ مخافة الاستبداد الشعبوي! وهذا ما يجعل أي اتفاق بينهما هشًا، مهما كان مسمى الدولة المقبلة، ومملوء بالمطبات والعقبات! ولا بد من المصارحة والمكاشفة، على الرغم من مرارتها وحرجها، والإجابة عنها بهدوء وعقلانية؛ لنقطع شوطًا مهمًا في الاتفاق على المستقبل.

إن السنوات الست العجاف التي مرت علينا، لم تعد فيها المداهنة والمداراة مقبولة، ولابد لكل طرف من أن يطرح أسئلته على الآخر المتخوف منه بكل صراحة، لعل هذا الشعب المستضعف، وهذا الوطن المظلوم يخرج من نفق شاركنا جميعًا في إدخاله فيه؛ ولابد من حلول شجاعة بين الأطراف المختلفة؛ حتى يهيئ الله سبحانه وتعالى لنا من أمرنا رشدًا، ربما حينئذ يرى المجتمع الدولي بديلًا ضامنًا عن الاستبداد، فيدعمه لنصل إلى مرحلة الخلاص من هذه المأساة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق