قضايا المجتمع

فكر ابن تيمية والكارثة الطائفية

تزايد مؤخرًا النقاش، وأحيانًا الجدل البيزنطي، حول ابن تيمية، على صفحات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، وظهرت عصبيات الجدل كما هي عادة غالبية النقاش في أرض الأنبياء المكلومة بسهام القدسيات، ومن الطبيعي أن المدافعين عن ابن تيمية هم الأكثر عددًا وامتلاكًا للمساحات الإعلامية في فضائنا العربي الإسلامي، مع مساحة لا بأس بها لمن يهاجمه بأقسى أنواع الهجوم إعلاميًا، لكن من فضاء الإعلام الشيعي، فكلا الفريقين –عمومًا- لا يخرج عن المرجعية الطائفية في رؤية الآخر. هذا الجدل، حول ابن تيمية، ليس جديدًا في عصرنا الحديث، فقد ابتدأ منذ بداية الألفية مع توسع الفضائيات والقنوات الإعلامية، توسّع لأسباب طائفية تعصبية من الطرفين، ولأسباب تجارية أيضًا؛ إذ إنّ هذا الجدل يجذب المشاهدين بما يحويه عادة من سخونة ومن عاطفية واستغلال للمشاعر الدينية؛ هناك من حاول مناقشة ابن تيمية من مشاهير النخبة العربية موضوعيًا وعلميًا، لكن عددًا منهم ظلّ حبيس التفسيرات الطائفية لأزمات هذه المنطقة؛ لذلك لن ندخل هنا في هذه التفاصيل والخلافات التي لن تؤدي إلى نتيجة، بل سنحاول البقاء بما يتفق عليه من هم ضدّ أو مع، وضمن المنطق العقلاني الأساس في التحليل.

من البديهي أن محاكمة شخص، مات منذ مئات السنين، وفق معاييرنا وعلومنا المعاصرة، أمرٌ خاطئ، والخطأ يأتي من بداهة غياب ما يكفي من معلومات موثوقة، بل إن معظم المعلومات، يوم تأتي عن شخص مشهور، تكون منحازة حكمًا حسب رؤية من كتب؛ لذلك ليس مهمًا لنا بوصفنا أشخاصًا عاديين غير أكاديميين، هل حقًا كان ابنُ تيمية شيخَ الإسلام في عصره، ومثال العالم المؤمن المسلم، أم كان أكثرَ من حرَف الإسلام عن مقاصده؟ وهل فعلًا كل ما نُقل عنه صحيح؟ بل ما يهمنا هو هل ما وصلنا عنه يفيدنا كمجتمعات وبشر ومسلمين أم يضرنا؟ وهل تأثيره الفكري والعقائدي يساهم في البناء والتطور أو في الهدم والتخلف؟ ابن تيمية ليس هو الإنسان الشيخ الذي عاش في عصره وكتب، بل هو هذه الشخصية الاعتبارية المتجسدة ضمن أفكار وكلمات كتبه وما نقل عنه.

من البديهي أيضًا أن ابن تيمية ليس نبيًا ولا قدّيسًا معصومًا، فهو نتاج عصره، عصرٌ سادته المآسي والحروب والمظالم والخيبات الكبرى، فقد كان عصر انهيار الخلافة الإسلامية العباسية برمزيتها وقوتها المعنوية، وبداية تهاوي الحضارة الإسلامية من منارة علمية وفكرية، إلى عصر ممالك وسلطنات وطوائف ومذاهب وأعراق مُسيّرة ليقاتل بعضها بعضًا، ضمن مستنقع حروب داخلية وخارجية دموية.

من البديهي عقلًا، والجوهري إسلاميًا، أن ابن تيمية أو أيّ عالم أو فقيه دين لا يمثلون الإسلام بفكرهم وكتاباتهم، فمن الناحية الإسلامية والمنطقية من حق المسلمين رمي كل ما أفتى به أو استنتجه رجال الدين المسلمين بكل طوائفهم، والإتيان بفهم وتفسير مغاير؛ وأقول من حقهم ليس بمعنى الوجوب بل بمعنى الإمكان، لذلك من يثور غاضبًا، من باب أن نقدَ أو الهجوم على ابن تيمية أو غيره، هو هجوم على الإسلام أو السنة، عليه أن يعالج مشكلته بنفسه، فهو من يقزِّم الإسلام لمنتج بضعة عشرات أو مئات من الشيوخ ورجال الدين.

إذًا، ليس السؤال: هل كان ابن تيمية أفضل أو أسوأ الناس، بل هل ما بين أيدينا نقلًا عنه مفيد أو مضر لنا؟ وهذا يستدعي سؤالًا آخر هل لفكر ابن تيمية كل هذا التأثير لنهتم بالإجابة؟

إذا لم يكن منتج ابن تيمية أهمّ ما يستند إليه الإسلام السياسي المعاصر، والقراءة الإسلامية المتطرفة عند السنة، فهو أحد أهم الأسماء المؤثرة في تقوية هذا النهج المتطرف لقراءة الإسلام وعكسه على الواقع؛ فنقد وتحليل منتجه ومنتج كثيرين غيره من كل الطوائف، هو من أحد الواجبات الأساسية لمواجهة التطرف الإسلامي تحت كل الرايات المذهبية والطائفية، سعيًا لإنقاذ المسلمين والإسلام ودولهم، من أن يبقى إسلامهم أداة سهلة الاستخدام لصناع الحروب والصراعات.

 

من هو ابن تيمية

ابن تيمية كان منتجَ عصر متوتر جدًا، سياسيًا وعرقيًا ودينيًا وطائفيًا، وبالتالي، لأنه ليس نبيًا معصومًا، فرؤيته وحكمه سيكونان أقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب، كطبيعة كل البشر، وهو لم يثبت أنه ذو قدرة على الحياد والحكم الموضوعي. فيكفي أن نرى فتاواه حول الأقليات الطائفية المسلمة كالعلويين أو الإسماعيلية أو الشيعة لنقرر أن الرجلَ لم يمتلك رجاحة العقل المحايد الموضوعي؛ إذ إنه قفز مباشرة إلى التعميم على جموع بشرية كاملة، من دون اعتبار لأبسط مبادئ المنطق والعدل وأهم أسس الإسلام. فيوم حكمَ بتحليل دماء وأموال جماعات بشرية كاملة، فقط لأنهم وُلدوا على دين أو طائفة ما، هو مارس ظلمًا بيِّنًا، لا يمكن تبريره، ولا يمكن معه الركون لأي حكم آخر أصدره. طبعًا من يصدق أنه من أهل الفرقة الناجية الوحيدة، لأنه وُلد من دون اختياره ضمن هذه الفرقة، فلن يجد في هذه الفتاوى ظلمًا، بل سيشهر التبريرات والتفاسير، وهنا سيعجز العقل السليم عن الرد.

منتج ابن تيمية الفكري والديني كان ردةَ فعل عاطفية على سوء أحوال الدولة الإسلامية بعصره، وهروب إلى التعلق بماضٍ يستحيل استعادته، وبهذا يشبهه الكثير من الإسلامية السياسية المعاصرة التي بدأت مع الإخوان المسلمين، كردة فعل على سقوط الخلافة الإسلامية الشكلية في إسطنبول؛ فقد أتى ابن تيمية بعد السقوط الزلزالي للخلافة العباسية قبل ولادته بسنين قليلة، وفي زمن حروب التتار، وعودة غزوات الفرنجة للمنطقة، وتحكم المماليك ببلاد الشام ومصر بكل ظلمهم وخلافاتهم البينية، وفي عصر امتزاج فوضوي بين أعراق المسلمين أنفسهم، وامتزاج المسلمين مع ديانات أخرى، وظهور مذاهب جديدة، وحالة بائسة من الفقر والظلم والعنف وأيضًا من الجهل؛ فهو كان رجلًا ثوريًا في زمنه، يبحث عن السبب والحل، لكنه لم يستطع التخلص من منظوره الديني والمذهبي الضيق كرجل دين، فامتزج منتجه الفكري ما بين الدين والسياسة بطريقة فوضوية، أدت إلى انحيازه في البحث عن التشخيص والدواء داخل الدين. إنه لم يسعَ، كابن رشد أو ابن خلدون، لتأسيس منهج علمي في قراءة العقل والإنسان والدول، ولا وصل بنقده إلى عمق الغزالي، بل استكان إلى فكرة مستحيلة أن الماضي يمكن أن يعود؛ فذهب مثل كثير من رجال الدين وحتى بعض الفلاسفة لتحميل اللوم والذنب على الناس، وبالنسبة إلى ابن تيمية حمّل المسؤولية للمسلمين عمومًا، لابتعادهم عن منهج السلف، ولكل المذاهب والطوائف خارج مدرسة إمامه ابن حنبل، لكنه أيضًا أضاف مسؤولية الحاكم الظالم، هو وتلميذه ابن القيم، فهو لم يستطيع في زمانه ومعارفه امتلاك القدرة على سبر أغوار المشكلة، وذهب إلى حل بسيط سهل هو “اعتزلوا أو عاقبوا أو اقتلوا كل مخالفينا”، فانهمرت فتاواه في التكفير والتفسيق والزندقة وأحكامه القاسية في التعزير.

اصطدام ابن تيمية مع بعض الطبقة السياسية، وكثير من طبقة رجال الدين الإسلامي في عصره، أدى طبيعيًا إلى تشدده وعناده في أفكاره، كما حصل مع أستاذه ابن حنبل؛ فكان معروفًا عنه التوسع في باب ما يسميه فقهاء المسلمين “عقوبة التعزير”، وهي بدعة وضعوها في أزمنة ماضية تمكنهم من امتلاك سلطة على الناس، من باب أنهم، أي طبقة رجال الدين، يملكون حق تقرير ما هو ضار للمسلمين والإسلام على المدى القصير والطويل وبالتالي معاقبة من يخالفهم، حتى من دون وجود حكم واضح بالتحريم.

بالمحصلة، ابن تيمية كان رجلًا عالمًا حاد الذكاء والبديهة، قوي الإيمان بما يعتقده هو من الإسلام، وكان أيضًا بطريقة أو أخرى فيلسوفا في نقده للفلسفة، وشخصية ذات مهارة في التأثير على الناس، وفي الوقت نفسه كان نتاج مكانه وزمانه، صاحب موقف منحاز أساسًا إلى عقيدته الإسلامية كما يراها هو وأهل مذهبه، رأها أنها الإسلام الصحيح وما عداه إما بدع ضالة، أو فسق وزندقة، أو كفر ومؤامرة على الإسلام متصلة بطمع التتار والفرنجة في الدولة الإسلامية.

 

جولة مع مريدي ابن تيمية

ذكرنا فيما سبق بعضًا مما يورده المدافعون أو المتحمسون للرجل، ولا مجال لإنكار أن منتج هذا العالم يستحق الدراسة والتحليل؛ لكن المشكلة الحقيقية حول ابن تيمية ليست فيما كتبه في نقده للفلسفة والمنطق الأرسطي، وتشابه ما قدمه الفيلسوف الألماني هيدجر في ذلك مع ما قاله ابن تيمية مثلا، ولا في نقاشاته مع أهل الكلام أيضا، فهذه بحوث أولف فيها كتب كثيرة، ولا حتى في خلافاته مع شيوخ عصره حول الذات الإلهية وتشدده للرؤية الحنبلية، على الرغم من أنه خلاف استخدم أحيانا لإراقة الدماء؛ ما يهمنا بهذا العصر، خارج جدران الأكاديميات وبحوثها، هو تأثير مدرسة ابن تيمية المدمّر في عصرنا، فمنهجه استمر منذ القرن الثالث عشر ميلادي، قويًا أحيانًا وخافتًا بأحيان أخرى، إلى القرن الثامن عشر ميلادي، حين ظهر الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ليؤسس لما يُعرف بالوهابية التي ترفض أن يسميها الآخرون مذهبًا، ولكن آخرين كثر يرونها مذهبًا مستقلًا، لكن بكل الأحوال هي مدرسة اعتنقت السلفية المتشددة، ودمجت رؤيتها الدينية مع السلطة السياسية عبر محاولات كثيرة خلال ثلاث قرون انتهت بتأسيس المملكة العربية السعودية؛ بدأ من الستينات اسم ابن تيمية يعود بقوة بين أجيال شباب المسلمين المؤدلجين سياسيا، لنصل إلى مرحلة التسعينات، إذ أصبحت فتاواه هي الأشهر، وهي الأساس العقائدى الأهم لغالبية جماعات التكفير والهجرة، وجماعات المنهج القاعدي والجهادية.

إذًا المشكلة مع الشيخ ابن تيمية ليست في حبنا أو كرهنا، ولا في قبولنا أو رفضنا لمكانته العلمية الدينية، بل المشكلة هي في من ما زال يتمسك بنهجه المتشدد وما يماثله في التعامل مع المسلمين أو غير المسلمين، مع السنة أو غير السنة، بل مع من هم على مذهبه السلفي المتشدد ومن هم ليسوا كذلك، فمعروف عن منهجه رفضه لمنهج الأشعرية والصوفية ومشتقاتهم لدرجة القتال معهم؛ ونعود لنذكر أن الكلام ما زال عن الشخصية المتجسدة بيننا كأفكار وكلمات وليس الشخص ابن تيمية نفسه.

المشكلة مع منتوج هذا الشيخ أنه يُشكّل أساسًا لما يتم تعليمه لأبناء كثير من المسلمين، فحتى لو كان المعلم لا يذكر فتوى ابن تيمية في الدرزي مثلًا، لكن التلميذ سيجدها بسهولة، وبما أنه أي هذا التلميذ مُشبع بتقديس كلام ابن تيمية، أو على الأقل يراه أحد أهم علماء الإسلام منذ ما بعد عصر الصحابة والتابعين، فإن فتاواه هذه ستقلب هذا التلميذ إلى شاب سهل الاستخدام والتوجيه من قبل جماعات الإسلامية السياسية المتشددة؛ ولا ينفع هنا حجج: “شيخ الإسلام رحمه الله لم يقصد كذا” أو “عالم الأمة ابن تيمية لم يقل كذا، بل أخرجوه من سياقه”، أو أي تبرير آخر؛ فمنتج هذا المنهج يحمل كمية كبيرة من الفتاوى القاسية، وأحكام التكفير أو الزندقة أو التفسيق، مما يشكل أداة هدم لا أداة بناء، في عصرٍ نسعى فيه لتأسيس الدولة العصرية القائمة على حقوق المواطنة الأساسية التي تعني -أولًا- حماية المواطنين في معتقداتهم وإيمانياتهم وطقوسهم الدينية، فمنهج ابن تيمية لا يقبل التفاوض والنقاش، كما ثبت تاريخيًا وحاضرًا من تصرفات من تمسكوا بنهجه، بل هو نموذج تقزيمي للإسلام أولًا، وللمجتمع الإنساني ثانيًا ضمن نظرة بضعة رجال دين.

وبما أن أشد المتعصبين لابن تيمية إسلاميًا يُقرّون بحقيقة أن الرجل ليس معصومًا ولا مقدسًا، فلا يوجد مبرر لكل هذا الغضب في الدفاع عنه، والإسلام لن يتهاوى أن خرج من تراثه بضعة عشرات أو مئات من شيوخ وعلماء من كل مذاهبه. هذا الكلام لن يلقى صدى طيبًا عند المؤمنين بنظرية المؤامرة بدرجة إيمانهم الدينية، فهم لن يروا أي نقد لابن تيمية أو سواه سوى نقد وهدم للإسلام، وسيرددون الحجة عينها، الهدف ليس ابن تيمية بل الإسلام، وعندها نعود إلى القول إن المشكلة هي عند هؤلاء وهم يقزمون الإسلام الذي آمن به مليارات ممن عاشوا ويعيشون على هذه الأرض إلى ما قاله بضعة مئات من الشيوخ والفقهاء والأئمة، وهنا لا يفضل التعصب الشيعي التعصب السني في شيء، بل ربما يكون أشد عند الاثني العشرية وهم يحمون أئمتهم برداء العصمة والتقديس؛ ولذلك لا بد من الإشارة إلى أن نقد علماء الشيعة لابن تيمية أو غيره لا يقدم شيئًا مهمًا، لأنه ناتج عن إيمان متشدد بعصمة علماء وأئمة آخرين.

ما يثير الاستغراب، في العقدين الماضيين، هو تصدي بضعة مفكرين محسوبين خارج التيار الإسلامي السياسي للدفاع عن ابن تيمية، وأسلوب هؤلاء أشد ذكاء من دفاع أبناء مذهبه، فهم يغرقون المتلقي في ما قاله ابن تيمية في نقد الفلسفة والمنطق وأرسطو وعلم الكلام، وذكاء ما أتى به مقارنة بعصره، وهي أفكار لا يدركها غالبية السلفيين المتعصبين للشيخ، وربما لم يسمعوا بها، لكنها تطربهم وهي تظهر ألمعية شيخهم الكبير؛ والسؤال هنا: هل حقًا تحليل تراثنا تاريخيًا وقراءته نقديًا في حاجة ملحة إلى انتقاء زاوية صغيرة في منتج ابن تيمية والإبحار في تحليلها؟ وهل قام هؤلاء الكتاب نفسهم بما يكفي لنقد أفكار ابن تيمية التي تُستخدم في إذكاء نيران الطائفية؟

باختصار، الاستغناء عن منتوج ابن تيمية لن يشكل فجوةً لا يمكن تعويضها في فهمنا للإسلام والتاريخ، والعمل على إخراج منهجه من أيدي صناع التعصب والتحريض الطائفي، لا يعني خطرًا على الإسلام، بل حماية له؛ وكون عدد من طبقة رجال الدين الشيعة المتحالفين مع السلطة السياسية، استنهضوا تراث شيوخهم وأئمتهم لتحريض مشاعر الطائفية المقابلة لا يبرر استحضار ابن تيمية عَلَمًا من الأعلام التي لا بد من إظهارها، كما أن منتجه لا يبرر لهم التحريض الطائفي باسم الشيعة.

 

خاتمة

الغاية من نقد منتج ابن تيمية ليست ما قرره هذا الشيخ وكتبه فحسب، بل هي نقد لمنهجية كاملة في التفكير والتدين والممارسة، رجعت تتوسع بين المسلمين في عصرنا الحالي، تحت رداء الإسلام ومساحة قدسية واسعة لكثير من رجال التراث؛ هذه المنهجية تهدد مستقبل الإسلام والدول التي تسيطر عليها هذه المنهجية، فابن تيمية هو مجرد تمثيل لها، لأنه يُعدّ مع تلميذه ابن القيم من الأعلى مكانة بين مراجع هذه المنهجية، وهي منهجية تتشابه مع ما تحاوله السلطة الإيرانية مع طبقة رجال الدين الشيعي المتحالفين معها ترسيخه ما بين المسلمين الشيعة.

أورد في نهاية المقال بضعًا من فتاوى ابن تيمية المشهورة، ليستطيع القارئ الحكمَ؛ وأجيب على سؤال سيطرح فورًا: وهل نختصر عطاء الرجل في بضعة فتاوى؟ أقول باختصار -كما ورد آنفًا- إن نصف منتوج ابن تيمية على الأقل هو فتاواه، وفتاواه فيها كثير من الافتئات والظلم والقسوة في الأحكام، والتحريض بين الناس حسب الدين والطائفة والمذهب، وهي أفكار تهدد سعي أيّ من شعوبنا لتأسيس دولة معاصرة ديمقراطية تقوم على أسس المواطنة وحقوق الإنسان، وهي أيضًا تشكل خطرًا على الإسلام نفسه، فمنتوج الرجل مع منتوج عددٍ من شيوخ الإسلام تاريخيًا وحاضرًا يُستخدم بكثافة لهدم الإسلام من داخله، وعند كل المذاهب.

 

بعض من فتاوى ابن تيمية:

  • قال في الدروز والنصيرية، في الجزء الخامس والثلاثين، من مجموع فتاوى ابن تيمية:

“فأجاب: هؤلاء “الدرزية” و”النصيرية” كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين، ولا يهود ولا نصارى. لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج، ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما. وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين… إلخ”.

ثم أضاف في الجزء نفسه ردًا على نبذ طوائف من “الدروز”

“كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون؛ بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم؛ لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين؛ بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم وتُسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم؛ فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم؛ بل يقتلون أينما ثقفوا؛ ويلعنون كما وصفوا؛ ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم؛ ويحرم النوم معهم في بيوتهم؛ ورفقتهم؛ والمشي معهم وتشييع جنائزهم إذا عُلم موتها. ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم لا المقام عليه. والله المستعان وعليه التكلان”.

  • الفتاوى الكبرى الجزء الثالث عند سؤاله عن الشيعة:

” أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله. فلو قالوا: نصلي ولا نزكي أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله، ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وما عليه جماعة المسلمين… إلخ”.

يدافع البعض عن ابن تيمية بحجة أنه لم يعمم تكفير الشيعة، كما ورد في منهاج السنة:

“وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين”.

  • أجاب ابن تيمية في كتاب مجموع الفتاوى الكبرى، في باب الفقه كتاب الصلاة، عمن يجهر بالنية في الصلاة ويصرّ عليها أنها من الدين:

“الحمد لله الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول فإن أصرّ على ذلك قُتل بل النية الواجبة في العبادات كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين”.

  • وفي سؤال حول الكنائس في مصر، أجاب ابن تيمية في كتاب مجموع فتاوى ابن تيمية:

“أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذب مخالف لإجماع المسلمين؛ فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة؛ كأرض مصر والسواد بالعراق وبرّ الشام ونحو ذلك مجتهدًا في ذلك ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك لم يكن ذلك ظلمًا منه؛ بل تجب طاعته في ذلك ومساعدته في ذلك ممن يرى ذلك. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كانوا ناقضين العهد؛ وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم .

وأما قولهم: إن هذه الكنائس قائمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها. فهذا أيضًا من الكذب؛ فإن من العلم المتواتر أن القاهرة بُنيت، بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بأكثر من ثلاثمائة سنة بنيت بعد بغداد وبعد البصرة؛ والكوفة وواسط.

وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة؛ مثل ما فتحه المسلمون صلحًا وأبقوا لهم كنائسهم القديمة؛ بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في مدائن المسلمين بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك فبنى المسلمون مدينة عليها؛ فإن لهم أخذ تلك الكنيسة، لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بغير عهد…”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: health tests
  2. تنبيه: stapelstein
إغلاق