مقالات الرأي

عن مصطلح الدولة الوطنية الحديثة

تناولت، في الآونة الأخيرة، بعضُ المقالات في الصحف العربية، منها مقالٌ للكاتب عمر حداد، في صحيفة (جيرون)، تناولت مصطلحَ “الدولة الوطنية” نقاشًا وتحليلًا وتأصيلًا، ولعل الظرف الراهن الذي تمر به المنطقة، وينذر بتفكك دول مثل سورية واليمن والعراق وليبيا -كما يرى مراقبون- هو ما يجعل سؤال الدولة الوطنية حاضرًا، ومن ثمّ يجعل التنظيرَ له شأنًا ملحًا.

لا تعيش منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو العالم العربي، أو بعض العالم الإسلامي حروبًا تنهش دولها فحسب، إذ تحتدم أيضًا حرب مصطلحات، وإن كانت أقل دموية وعنفًا، لكنها في الوقت نفسه لا تقل عن الأخيرة خطورة. فبين الدولة الوطنية والدولة المدنية من جهة، ودولة الأمة العربية والأمة الإسلامية من جهة أخرى، تنظيرات وأيدويولوجيات ورؤى متصارعة تطال الدول موضوع النقاش في الإطار المباشر، وصولًا إلى ما يمكن أن تعكسه تلك المصطلحات عن نظرة وفهم القائلين بها للعالم بمجمله في فضاء أوسع.

الملفت للنظر، في بعض المصطلحات التي يجري تدوالها عربيًا، وخصوصًا الدولة الوطنية والدولة المدنية، هو في غياب مقابل لها في الأكاديمية الغربية والعالمية، ويأتي ذلك بسبب إشكالية ذات صلة بالترجمة من جهة، ورغبة في تجاوز الحمولة المعرفية النظرية التي أُسبِغت على مصطلحات أخرى كالأمة والقومية والعلمانية، إضافة إلى الحمولة المعرفية المتخيلة التي لحقت بتلك المصطلحات، نتيجة لما راكمه عنها العقل الجمعي لشعوب المنطقة، بسبب سلوك أنظمة طغم قمعية مستبدة وفاسدة حكمت تلك الشعوب.

يكمن جوهر الإشكال في مصطلحي “الدولة الوطنية” و”المدنية”، أن كليهما هجين، وإذ يحيل الأول مباشرة إلى الدولة الأمة التي أصبحت ناجزة مفاهيميًا، في أوروبا القرن التاسع عشر، يلجأ الإسلاميون، وخصوصًا الإخوان منهم، إلى مدنية الدولة بما يعفيهم من الاعتراف بعلمانيتها، ويمنحهم هامشًا مريحًا للعمل على أدلجتها.

عند التطرق إلى الدولة الأمة، حسب التعريف الغربي للمصطلح، فإن تلك المفردة ارتبطت في منطقتنا بأمتين، عربية أو إسلامية، متخليتين، وإشكاليتين أيضًا من حيث مواءمتهم لتعريف الأمم، وقد دفع ذلك بالتيارات التي تؤمن بدولة حديثة ضمن الحدود المعترف بها دوليًا، إلى الذهاب باتجاه وطنية الدولة اصطلاحيًا، للرفع من شأنها وبيان أهميتها وضرورتها، في مقابل تحقيرها لدى البعثيين والإسلاميين الذين جعلوا إلغاءها هدفًا نظريًا، فشلوا في إنجازه من حيث الممارسة.

لا تملك كل من الأمتين العربية والإسلامية مقومات، تسمح بنقلها من الإطار العاطفي أو النظري إلى حيز التنفيذ على أرض الواقع، حيث إن الدول التي يجملها تعريف تلكم الأمتين تشهد صراعات وتنافسات جيوسياسية باردة وساخنة، وتربطها في بعض الأحيان مصالح أمنية وعسكرية راسخة مع قوى دولية أو إقليمية في مواجهة جيرانها العرب والمسلمين، كما يلعب التفاوت في التطور الاقتصادي وتنوع مصادر الدخل الوطني، وضعف التجارة البينية، دورًا مهمًا في التقليل من فرص التقارب. غنيّ عن الذكر أن غياب الروابط الحيوية التي من الممكن أن توفر أرضية تؤسس عليها مصالح مشتركة، غياب تك الروابط في بيئات يطبعها التنافس والتوتر والتدخل في شؤون الجوار أمنيًا وعسكريًا، يجعل من أطر كالجامعة العربية أو منظمة العالم الإسلامي مشلولة وغير فاعلة في أحسن الأحوال.

إن فشل العروبيين والإسلاميين في بلورة مشروعاتهم، يدفع إلى البحث عن بدائل انطلاقًا من الدول القائمة في المنطقة، لكن في حقيقة الأمر فإن تلك الدول هي بحكم الواقع ليست أممًا من حيث التعريف، إذ لا يمكن الحديث عن أمة لبنانية أو سورية أو عراقية أو ليبية منجزة وذات جذر ضارب في القدم. بمعنى آخر، من الممكن النظر إلى الدولة الوطنية مخرجًا ملائمًا لجأت إليه بعض النخب الفكرية والسياسية، نتيجة لإشكالات حقيقية في المنطقة، لا يمكن تجاوزها إلا عبر بناء دول حديثة، والعمل على صياغة هويات وطنية، تساهم في تدعيم اللحمة والاستقرار الداخليين.

في المقابل، فإن لمصطلح الدولة الوطنية ضبابيةٌ لا يمكن تبديدها إلا حين يتم التأكيد على الحداثة، فالنازية والفاشية، في كل من ألمانيا وإيطاليا، هي أيضًا دول أمم، وإن كانت مستبدة وعنصرية. لا يمكن للدولة الوطنية أن تقطع مع الاستبداد إلا إن كانت حديثة، فهي بحداثتها تضمن الديمقراطية والحوكمة الفاعلة والتناوب على السلطة، والمواطنة وحقوق المواطنين وحيادية الدولة تجاههم، واقتصادًا حرًا يتيح لهم فرصًا متساوية، ودستورًا وقانونًا، يصون الحريات ويلتزم حقوق الإنسان كقيم مركزية ومؤسسة.

ليست “الدولة الوطنية الحديثة” إذًا ترفًا فكريًا أو استمرارًا للاستبداد كما قد يرى البعض، بل هي حاجة ملحة، وعامل مساعد في سبيل تجاوز الكثير من أزمات المنطقة. لقد احتقرت الطغمُ التي حكمت سورية والعراق الدولَ التي استحلتها، عبر خطاب وأيديولوجيا ساعدا في تثبيت طغاة على عروشهم، ويسير اليوم المشروع الإسلامي في الاتجاه ذاته، وكأن ليس في التاريخ القريب ما يكفي من عظة.

لا يمكن التطلع إلى المستقبل إلا انطلاقًا من ممكنات الواقع، وأي مشروع ينظر إلى إلغاء الحدود القائمة في المنطقة، سيعمل على استمرار تفتيت دولها، بدلًا من توحيد ما لا يمكن لنا الآن توحيده.

مقالات ذات صلة

إغلاق